المشاركة السابقة : المشاركة التالية

المسيحي: مواقف وقيم..

الكاتب : زائر

غير متصل حالياً

المجموعةالزوار

المشاركات270

تاريخ التسجيلالإثنين 14-09-2009

معلومات اخرى
حرر في الخميس 19-11-2009 04:03 مساء - الزوار : 1727 - ردود : 0
المسيحي: مواقف وقيم..
الأب بسام آشجي

أولاً- المواقف المسيحيّة الأساسيّة: الإيمان والرجاء والمحبة
الأخلاقيّة لا تتضمّن فقط ما يجب فعله أو الامتناع عنه على نحو قويم في التصرّفات الفرديّة، بل تتضمّن قبل ذلك التصوّرات والمواقف الأساسيّة القويمة، التي منها تُستَخلَص التصرّفات الفرديّة الموافقة. هذه المواقف الأساسيّة ندعوها فضائل. "الفضائل الإنسانيّة هي مواقف راسخة، واستعدادات ثابتة، وكمالات عاديّة في العقل والإرادة، تنسّق أفعالَنا، وتنظّم أهواءنا، وتقود سلوكنا بحسب العقل والإيمان. وهي تمنح الإنسان السهولة، والتسلط على الذات والفرح لسلوك حياة أخلاقيّة صالحة. الإنسان الفاضل و الذي يمارسُ الخيرَ بحريّة" (عن كتاب التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية، رقم 1804) وتقول الرسالة إلى الفيليّبيّين: "كلّ ما هو حقّ، وكرامة، وعدل، ونقاوة، ولطف وشرف، وكلّ ما هو فضيلة وكلّ ما يُمتدَح، كلّ هذا فليكن محطَّ أفكاركم" (في4: 8).
إنّ وجهة النظر المسيحي القويمة تعبّر عها بنوع خاصّ المواقف الأساسيّة، مواقف الإيمان والرجاء والمحبّة، التي ندعوها أيضاً فضائل إلهيّة (رَ: في هذا الموضوع وفي ما يلي: كتاب التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية 1803 ? 1832).
في العهد الجديد نجد مراراً بالتتالي الإيمان والمحبّة والرجاء. هذا الترتيب له أساسه، لأنّ الإيمان ينبغي أن يعمل مباشرة بالمحبّة (رَ: غل5: 6)، فيما الإنسان يتطلّع إلى الاكتمال. ولا نجد سوى موضع واحد في الكتاب المقدّس يتبع ترتيب الإيمان ثم الرجاء ثم المحبّة. (1كو13: 13). وهذا يُفهم في نهاية نشيد المحبّة، الذي يشدّد تشديداً خاصّاً على المحبة. وقد صار ترتيب الإيمان ثم الرجاء ثم المحبّة أمراً مألوفاً في التقليد وبقي كذلك إلى اليوم.
المواقف الأساسيّة الثلاثة: الإيمان والرجاء والمحبّة تتعلّق في العهد الجديد بأوضاع مختلفة. ففي ما دعي بـ "لوائح الفضائل" تُجمَع مواقف أخلاقيّة محدّدة على أنّها تطبيق للمحبّة (غل5: 22ت؛ كو3: 12؛ أف4: 2؛ 4: 32 ? 5: 2؛ 5: 9؛ 1تي 6: 11؛ 2تي2: 22؛ ابط1: 5 ? 7). والمقصود بالإيمان والرجاء والمحبّة، إنّما هو انفتاح الإنسان على الله؛ وتُدعى هذه الفضائل إلهيّة، لأنّها متعلّقة مباشرة بالله. وهي توهَبُ لنا عندما يقبلنا الله أبناء له في المعموديّة. وتسمُ كلّ ما نفعله أو نمتنع عنه، لأنّ تعلّقنا بالله يجب أن يسم بطابعه حياتنا كلّها. ومن ثمّ فهي تنعكس في ما يُدعى بالفضائل الأدبيّة، التي بها نسلك السلوك القويم في علاقاتنا مع الناس وفي مهامّ حياتنا. مثل تلك الفضائل الأدبيّة لا تأتي من تلقاء ذاتها؛ علينا أن نجتهد للحصول عليها بمؤازرة نعمة الله؛ لذلك تُدعى أيضاً فضائل مُكتسَبة. ومن أهمّها الفضائل التي تُدعى الفضائل الرئيسة: الفطنة والعدل والقوة والقناعة. وتُدعى "رئيسة" لأّنها محور الحياة الأخلاقيّة كلّها.
1- الإيمان
تصف الرسالة إلى العبرانييّن الإيمان بأنّه "قِوامُ المرجّوات،وبُرهانُ غيرِ المرئيّات" (عب11: 1). هنا يُرى الإيمان في أفق الرجاء. والأمثلة على مثل هذا الإيمان هي هابيل، وأخنوخ، ونوح، وإبراهيم. "آمن إبراهيم بالربّ، فحسب له الربّ ذلك برّاً" (تك15: 6).
والكتاب المقدّس لا يرى الإيمانّ على أنّه الاعتقاد المحض بأمرٍ ما ولا مجرّد اقتناع العقل به. تستعمل اللغة العبريّة عدّة تعابير لما يعنيه الإيمان. ويُستعمَل بنوع خاص الجذر "أَمَن" (ومنها أتت لفظة آمين)، بمعنى الثبات على شيء والتمسّك به، و"بَطَح" بمعنى التيقّن والثقة. ومن ثمّ فالإيمان يعني أوّلاً اعتماد الإنسان على الله. وهذا يُعطيه أماناً وثقة أساسيّة بالله، الذي يعرف بأنّه يجد فيه الطمأنينة.
الإيمان يعني الإنسان كله. في الإيمان يتوجّه الإنسان نحو الله. الإيمان يعني الحياة على نحو يتلاءم ومحبّة الله للإنسان لذلك فالإيمان هو أيضاً تتميم للأخلاق. التصرّف الأخلاقيّ السيّء هو عملٌ غيرُ منصف بالنسبة إلى ما يطلبه منّا الإله الصالح. تصرّفنا هو صالح من الوجهة الأخلاقيّة بقدر ما يهدف إلى الصلاح وبذلك إلى من هو صالح، أعني إلى الله (لو18: 19إز). يتكلّم بولس على "عمل الإيمان" (1تس1: 3)، ويربط الإيمان بمحبّة القريب. وهذا هو أساس وحدة السلوك الأخلاقيّ كلّه. وما ينجزه الإنسان أو يفعله، إن لم تكن في المحبّة، ليس بشيء (رَ: 1كو13: 2). "إذ لا قوّة، في المسيح يسوع، للختان ولا للقلف، بل للإيمان العامل بالمحبّة" (غل5: 6؛ رَ:1كو13؛ 1تي1: 5؛ 4: 12؛ 2تي1: 13؛ تي3: 15 الخ).
من مهامّ الكنيسة أن تُعلن للشعب "الإيمان الذي يجب أن ينظّم تفكيره وسلوكَه" (ك 25). على الإيمان أن يعطيَ الحياة وجهَها المسيحيّ. وهو ليس مجرّد قبول لمجموعة من الحقائق، بل هو حياة من وحي الثقة بالله وبمحبته. لذلك تتكلّم الكنيسة مع الكتاب المقدّس على "طاعة الإيمان" (ول5؛ رو1: 5)، التي بها يُسلّم الإنسان أمره كلّه لله بكامل حرّيته.
الإيمان هو جواب عن كلمة الله ومحبته. فالمؤمن يُدركُ أنّ وجوده كلّه قد أنعم به الله عليه. على هذا تقوم رفعةُ كرامته بأنّ الله يحبّه، وبأنّه يحيا بقوّة المحبّة. ومحبّة الله تترك للإنسان حريته. لذلك يستطيع أن يستسلم لله بإيمان مشبَع بالثقة أو أن يبتعد عنه في عدم الإيمان.
عدم الإيمان ينكر أنّ الإنسانَ كائنٌ مخلوق هدفُه الله. وهو لا يقوم فقط على الرفض الواعي لله أو لحقائق الإيمان. بل أيضاً على رفض أيّ ارتباط للإنسان بالله في كلّ مواقفه حياته. وبهذا يُخطئ الإنسان أيضاً اكتمال المعنى الذي من أجله خُلق.
بالإيمان يوجّه الإنسان ذاتَه إلى الله ويجيب بذلك الله الذي يأتي إليه. ويمكن أن يكون الإيمان أيضاً فاعلاً حيث لا يعي الإنسان وعياً صريحاً هدف سلوكه، أو لا يعرفه معرفة صريحة. عندما يُظهِر الأمم "أنّ ما يفرضه الناموس مكتوب في قلوبهم"، وأنّ ضميرهم يشهد بذلك (رو2: 15)، فهذا يعني أنّ الله هو الذي كشف لهم إرادتَه في ضميرهم؛ وعندما يطيعون ضميرَهم، إنما يعترفون ضمناً بالله.
يستطيع الإنسان أيضاً أن يوجّه حياتَه نحو "الأصنام". والمعنّي بالأصنام "أمور" يقيمها مكان الله، مع أنّها مخلوقة ومحدودة. هذه الأصنام قد تكون: السلطة، والغنى، وملذّات الحياة الخ. من يسقط في حبالها يقاوم الله وإرادته. والإيمان ينمو مع بصيرة الإيمان. لذلك فالفهم القويم والمنطقي للإيمان أمر مهمّ بالنسبة للسلوك الأخلاقيّ. إنّ معرفة الإيمان عن الله وعن تجسّد يسوع المسيح وموته وقيامته وكذلك ن عمل الروح القدس يكشف للإنسان محبّة الله، ويبعث فيه الثقة والرجاء. والفهم المرتكز على الإيمان على تبرير الإيمان أمام عقله وأمام الهجمات التي يتعرّض لها من الخارج.
الإيمان ليس أمراً "يملكه" الإنسان مرّة على نحو جامد. إنّما الإيمان مسيرة على طريق قد تكون شاقّة؛ وتنطوي على البحث والتلمّس والارتباك والشكّ والظلمة. الإيمان هو أكثر من قدرة العقل والإدراك على الإنجاز؛ إنّه استسلام واثق له، فيه نطلب باستمرار: "إنّي أومن يا ربّ، فأعن قلّة إيماني" (مر9: 24).
الإيمان والحياة من وحي الإيمان مرتبطان ارتباطاً دائماً بجماعة المؤمنين. فقد أوكلنا يسوع إلى جماعة المؤمنين في الكنيسة، لكي ننمو دوماً في عمق حقيقة الإيمان ونقوّي بعضُنا بعضاً في الإيمان. في تعدّد النظرات إلى العالم والاعتقادات تكوّن الجماعة والكنيسة بمجملها المكان الذي يضمّ كلّ الذين يتقبّلون كلمة الله بإيمان ويتناقلونها.
اعتقادات الإيمان واعتقادات الأخلاق هي في علاقة دائمة مع ما يحيط بها. إنّ جماعة المؤمنين توفّر للفرد المؤمن مساعدة كبرى. فكما أنّ المحبّة تكون على يقين بقدر ما تُقبَل وتجد صدى لها، كذلك الإيمان يجد عمقَ قوامه عندما يندرج في جماعة تعيش بموجبه وتشهَد له. في هذا الإيمان يجب على الفرد أن يُقيم الدليل في مختلف أوضاع الحياة، خصوصاً عندما يلقى المقاومة أو تعترضُه صعوبات في الإيمان. هنا معرفة الإيمان مهمّة، ولكنّها ليست كافية وحدها. الإيمان يجب أن يكون إيماناً حيّاً. علينا أن نعترفَ به ولا يجوز لنا أن نُنكرَه. "من اعترف بي قدّام الناس أعترفُ أنا أيضاً به قدّام أبي الذي في السماوات، ومن أنكرني قدّام الناس فإنّي أنكره أيضاً قدّام أبي الذي في السماوات" (متى10: 32- 33).
مثل هذا الإيمان هو من ثمّ مرتبط دوماً بمحبة الله والناس وبالرجاء.

2- الرجـاء
حياتُنا المسيحيّة التي ينبغي أن تتحقّق بالإيمان والمحبّة هي حياة يملأها الرجاء. وعندما يتكلّم المسيحيّون على رجائهم يعنون ذلك الموقف الأساسيّ الذي يملأهم يقيناً وثقة بأنّ الله سيحقّق في يسوع المسيح وعده: الخلاص لكلّ إنسان، وللكنيسة، وللبشريّة بأسرها، بل للخليقة كلّها في مجد السماء الجديدة والأرض الجديدة. هذا هو فحوى الرجاء المسيحيّ. ومنه ينبغي لنا أن نؤدّي الشهادة من خلال كلّ آمالنا الوضيعة، وكذلك من خلال كلّ خيبات الأمل والآلام. وبما أنّ يسوع بآلامه على الصليب وبقيامته قد انتصر على الموت، فثمّة رجاء ثابت في عالم نُصبت وستُنصَب فيه صلبان كثيرة.
الرجاء المسيحيّ يرتبط بتوق الإنسان الفطريّ إلى السعادة. يحمل الإنسان في أحشائه شوقاً لا يمكن إرواؤه إرواءً كاملاً من خلال خيرات العالم. ومن وراء كلّ آمال الحياة يقوم الرجاء الكبير بتحقيق دائم في اكتمال نهائيّ، في الخلاص (رو8: 24).
الرجاء المسيحيّ هو غير التفاؤل والإيمان بالتقدّم. ففيه نوجّه حياتنا إلى الله، لأنّنا نثق بأنّنا نجد فيه التحقيق النهائيّ. الرجاء، بالنسبة للمسيحيّين، ليس تعزية ولا هروباً من العالم. فالحياة في هذا العالم العابر هي، في نظرهم الطريق إلى الحياة الأبديّة. والرجاء هو ما يدفعهم إلى الالتزام في العالم ومن أجل العالم، إذ إنّ هذا العالم ينبغي أن يجد اكتماله في الله (رَ: ك ع39). وطلبة "الأبانا" "ليأتِ ملكوتُكَ" تهدف إلى أن تصير إرادة الله فاعلة في العالم وتحدّد حياةَ الإنسان. فملكوت الله ينبغي أن يأخذ منذ الآن هيئته، ولو أنّه لن يكتملَ إلاّ في الأبديّة.
الرجاء المسيحيّ يجب ألاّ يُستبدَل بتطلّعات خياليّة من داخل العالم، تعد بسعادة من داخل العالم، يمكن الحصول عليها بالقوة البشريّة وبوسائل العالم؟ فالتطلّعات الخياليّة التي تعد بفردوس أرضي تؤدي إلى اليأس والخنوع، لأنّ الآمال الكبيرة لا تتحقّق.
غير أنّ هذه التطلّعات الخياليّة، متى بقيت ضمن المفهوم الصحيح، يمكن أن تكون للرجاء المسيحيّ عوناً بقدر ما تمتنع عن المساومة مع الأوضاع القائمة في العالم، بل تسعى دوماً لمعرفة النقص والظلم وللعمل من أجل عالم أفضل. ولكن على المسيحيّين أن يُدركوا على الدوام أنّ الوصول في هذا العالم إلى عدالة كاملة وسلام لا يتعرّض لأيّ تهديد أمر مستحيل.
الرجاء المسيحيّ يتطلّع إلى القيامة والحياة الأبديّة، إلى المشاركة الدائمة في الخلاص الذي وعدنا ب الله. ? لا شكّ أنّ حياتنا خاضعة لخبرة الزوال، ولكنّها في الوقت عينه تتوق إلى ما هو دائم، إلى الأبدية، إلى ما يصفه الكتاب المقدّس بأنّه "وطن" (عب11: 14- 16)، و "منزل لدى الله"، و "بيت أبديّ" (2كو5: 1).- فالإنسان لا يجد ملء اكتمال رجائه في ما يتّسم به الزمن الأرضيّ من زوال، إنّما في الحياة الأبديّة لدى الله (2كو4: 17ت؛ 5: 1؛ 2تي2: 10؛ 1بط5: 10؛ عب12: 28 وغ).
الرجاء المسيحيّ ينتظر الخلاص للإنسان كلّه. والكتاب المقدّس لا يتكلّم على قيامة النفس بل على قيامة الأموات (أش26: 19؛ دا1: 22؛ مك9: 10؛ 12: 25ت؛ 1كو13: 35- 55)، يتحوّل فيها جسد الإنسان ويصير على صورة الربّ القائم من بين الأموات (في3: 21).
الخلاص الذي يعد به الله هو الله نفسه. ففي الشركة معه تكتمل حياتنا. وبهذه الشركة مع الله تتّسم أيضاً الشركة بين الناس الذين يعيشون مع الله. لذلك يصف الكتاب المقدّس الخلاص بصور تعبّر عن الشركة واللقاء: رؤية الله (1كو13: 12؛ 2كو5: 7؛ 1يو3: 2)، والعرس (هو2: 21ت)، والمشاركة في الوليمة (أش25: 6-8؛ متى25: 10؛ لو14: 15ت) والسلام الشامل.
ورجاؤنا لا يتطلّع إلى قيامة الناس وحسب، بل أيضاً إلى سماء جديدة وارض جديدة. إنّ صورة هذا العالم سوف تزول (متى24: 29إز؛ أش66: 22؛ 2بط3: 10-12)، ولكن ستكون سماء جديدة وأرض جديدة (أش65: 17؛ 66: 22؛ 2بط3: 13؛ رؤ21: 1). وستُعتق من عبوديّة الفساد كلّ هذه الخليقة، التي خلقها الله من أجل الإنسان (رَ: رو8: 19-21؛ ك ع39). ولا شيء ممّا خلقه الله سيضيع أو يكون بدون فائدة، "وتبقى المحبّة وأعمالها" (عن وثيقة "الكنيسة في عالم اليوم، رقم 39، المجمع الفاتيكاني الثاني). المجمع الفاتيكانيّ الثاني في تعابيره يحافظ بصراحة على المفهوم الكتابيّ "الأرض الجديدة" للإشارة إلى أنّ الواقع كلّه يشمله وعد الاكتمال في عودة المسيح. الرجاء المسيحيّ ينتظر، في الثقة بوعد الله السماءَ الجديدةَ والأرضَ الجديدةَ على أنّهما الصورة النهائية للخليقة التي خلّصها وحرّرها يسوع المسيح. الخلاص الذي يرجوه المسيحيّون قد بدأ منذ الآن. ممّا يلقي على حياتنا ضوءاً جديداً. فمنذ هذه الأرض يعم الله من خلال روحه القدّوس:
"أمّا ثمر الروح فهو المحبّة والفرح والسلام، طول الأناة واللطف والصلاح والأمانة والوداعة والعفاف" (غل5:22ت).
بيد أنّنا لا نزال ننتظر اكتمال الخلاص وتجلّيه الأخير. "نحن أيضاً ننتظر التبنّي، افتداء أجسادنا" (رو8: 32).
تُتّهَم المسيحيّة بأنّها تكرز برجاء ليس مؤسساً على شيء. على هذا يستطيع المسيحيّون الردّ بأنّ رجاءهم له أساسُه في تاريخ الله مع البشر، ولا سيّما في قيامة يسوع المسيح. في تاريخ الخلاص اختبرت البشريّة باستمرار أمانة الله في ما قام به من أعمال قدرة. وقد أدى هذا الاختبار إلى يقين بأنّ الله أمين في وعوده (هو2: 22؛ تث32: 4). ولقد صار أساس الرجاء أكثر وضوحاً في العهد الجديد:
"فلئن كنّا نؤمن أنّ يسوع قد مات ثمّ قام، [فلنؤمن] كذلك بأنّ الذين رقدوا في يسوع سيُحضرُهم الله معه" (1تس4: 14؛ رَ: 1كو15: 18-22).
الخلاص الذي نرجوه ليس نتيجة لما يستطيع الإنسان أن يُنجزه، إنّما هو هبة من نعمة الله. ويقوم هذا الخلاص على أنّ الله يمنح الإنسان المشاركة في حياته الإلهيّة وأنّ الإنسان يجد في هذه المشاركة ملء حياته. ولكن من كون الخلاص يُعطى لنا كهبة لا ينتج أنّه يجب علينا أن نبقى مكتوفي الأيدي. بل على عكس ذلك، فالرجاء يقودنا إلى أن نبني حياتَنا بالنظر إلى الواقع المرتجى.
للرجاء إذن تأثير على مواقف الإنسان وسلوكه. فهو يعطي الفرح والاطمئنان:
"أمّا الراجون للربّ فيتجدّدون قوّة، يرتفعون بأجنحة كالنسور، يَعْدون ولا يُعيَون، يسيرون ولا يعبون" (أش40: 31).
الرجاء يصون من الخنوع. ويعطي أيضاً قوّة حيث يبدو أنّ كلّ شيء أضحى بلا أمل. المسيحيّ يستطيع أن يصمدَ تجاه أكثر من خيبة أمل. إنّه مقتنع بأنّ معنى حياته غير مرتبط بنجاح بعض أعماله الفرديّة، وإنّما بتوجيه كيانه الكامل نحو دعوته الأخيرة. ومن ثمّ يستطيع أن يرجو "على خلاف كلّ رجاء" (رَ: رو4: 18). لذلك فالرجاء بالمستقبل والخلاص يعنيان الكثير بالنسبة للحاضر.
الرجاء يُمارس ويُغذّى. وهذا يقوم بأن نتذكّرَ على الدوام عظائمَ الله. وينبغي أن تصير هذه الذكرى شكراً. فنحن نغذّي الرجاء عندما نشكر الله كلّ ما فعله لأجلنا من الخير. ومن هذا الشكر تنمو الثقة والاطمئنان (رَ: رو8: 31ت).
وقد يرافق الرجاءَ بعضُ التوتّر بسبب القلق إزاء المستقبل. فكثيراً ما يتصعّد في الإنسان القلق إزاء المستقبل وما سوف يأتي به من جديد. فالإنسان لا ينعم بفرح الاطمئنان وحسب، بل يعاني أيضاً الاضطراب والقلق إزاء غيرِ المُنتَظر. والرجاء المسيحيّ لا يحرّر الإنسان من مثل هذا القلق،وإنّما يعطيه القوّة ليصمدَ في وجهه ويتحمّله بالاتحاد مع الربّ، الذي عانى هو نفسه القلقَ إزاء الموت (متى26: 37).
الرجاء هو انتظار في الاطمئنان، وهو ترّقب مرتبط بالصبر. ومن عدم الثقة والاطمئنان يمكن أن ينمو عدم الصبر، بل اليأس والقنوط. لكنّ الله بأمانته يمنحنا في تجربة اليأس عينها سبباً للاطمئنان: "إنّ الله أمين فلا يدَعُكم تُجرَّبون فوق طاقتكم" (1كو: 13).
والرجاء كفضيلة إلهيّة يتحقّق على نحو فائق في الصلاة. ولقد علّمنا يسوع نفسه الصلاة الرجاء المعهودة، صلاة "الأبانا"، التي توجّه أفكارنا وأعمالنا نحو ملكوته الآتي. وفيما نصلّي بروح القدّوس تصفو في الوقت عينه كلُّ توقعاتنا للمستقبل، وكلّ رغباتنا، وآمالنا، وتخوّفاتنا، وذلك من خلال الثقة بالله وبما وعدنا به (ثمة تعابير معهودة أخرى عن رجاءنا في المزامير، ولا سيّما في المزمور 130).
3- المحبّة
الإيمان يعمل بالمحبّة (رَ: غل5: 6). وبذلك تصير المحبة موقف المسيحيّين الأساسي الحاسم. وبولس الرسول يضعها حتى فوق الرجاء والإيمان:
"الآن يثبت الإيمان والرجاء والمحبّة، هذه الثلاثة؛ لكنّ أعظمهنَّ المحبّة" (1كو13: 13).
هذه المواقف الأساسيّة الثلاثة: الإيمان والرجاء والمحبّة، يجب ألاّ يُنصَبَ أحدُهما ضدّ الآخر ولا أن يُفرَّقَ بينها؛ فيه تنتمي إلى واقع واحد:
"عندما نسأل عن أحد هل هو إنسان صالح، فإننا لا نسأل عمّا يؤمن به أو عمّا يرجوه، بل عمَا يُحبّه. فإنّ من يحبّ على نحوٍ قويم، ما من شكّ بأنه يؤمن ويرجو أيضاً على نحو قويم؛ أمّا من لا يحبّ، فهذا إيمانه فراغ، وإن كان ما يؤمن به هو الحقيقة؛ ورجاؤه فارغ، وإن كان ما يرجوه مطابق للعقيدة التي تقود إلى السعادة الحقيقيّة" (أوغسطينوس، مختارات 117).
المحبة تبني الوحدة بين الأشخاص وبين الناس، الذين يحبّ بعضُهم بعضاً، ويشعرون بأنهم مرتبطون بعضُهم ببعض. ومن ثمّ فالمحبة حقيقيّة عندما يعطي الإنسان فيها ذاته عطاء كاملاً. لذلك يقول الكتاب المقدّس عن المحبّة تجاه الله: "أحبب الربّ إلهكَ بكلّ قلبكَ، وكلّ نفسكَ، وكلّ قدرتك، وكلّ ذهنكَ (لو10: 27 إز؛تث6: 4).
في المحبّة تنعكس رغبة الإنسان في التلاقي وتحقيق الذات في الجماعة. والإنسان يتقبّل المحبّة كهبة، ويجيب عنها بمحبته.
عندما نتكلّم على المحبّة، نفكّر أوّلاً بمحبّة سائر الناس. وهذه المحبّة تعني قبل أيّ أمرٍ آخر إرادةَ الخير للآخرين والاهتمامَ بهذا الخير. إنّها تريد للغير التوفيقَ والسعادة. وهي تتقبّل الآخرين كأشخاص يتمتّعون بحريّة خاصّة وقرار خاصّ.
ومن خصائص المحبّة أيضاً الاستعداد للتجرّد عن الذات. مما يؤدّي إلى بذل الحياة في سبيل الآخرين: "ليس لأحد حبٌّ أعظم من أن يبذل نفسَه عن أحبّائه" (يو15: 13).
إنّ علاقة الفرد بالآخرين ليست متشابهة في كلّ الحالات. ولذلك فالمحبّة وما تفرضه في الفكر والعمل يختلفان أيضاً بين حالة وأخرى. فثمّة محبّة الأخوة، ومحبّة الوالدين، ومحبّة الأولاد،والمحبّة الزوجية. ففي كلّ من أنواع المحبّة هذه يقف المحبّون بعضُهم من بعض موقفاً خاصّاً. وهناك محبّة من نوع آخر، وهي محبّة الغرباء، كما يوضحها مثل السامريّ الصالح (رَ:لو10: 25-37). فهذا يلتقي بإنسان يحتاج إلى مساعدة، وهو لا يعرفه ولن يلتقيَه ثانية. فيقدّم له العون المجّانيّ، ويُعنى بأن يلقى الاهتمام اللازم، ثمّ يمضي في طريقه. وثمّة نوع آخر من المحبّة، وهي محبّة "البعيدين". ويتمّ التعبير عنها بالتزام الناس شخصياً أو بمساعدات ماديّة من أجل أناس من بلدان أو قارّات أخرى، أو بالتدخّل السياسيّ من أجلهم. وأعظم أنواع المحبّة هي، بحسب كلام يسوع، محبّة الأعداء (متى5: 43-47). وفيها نقابل بالإحسان حتى الذين يسيئون إلينا.
المحبّة تريد خير الآخرين، وفي الوقت عينه تهبهم أيضاً السعادةَ وتمنح حياتَهم ملءَ معناها. وحيث تمنح المحبّةُ السعادة، هناك تجد سعادتَها. الإنسان يحصل على سعادته في محبته للغير، ولكن في المحبّة تبقى حيّةً على الدوام الرغبةُ في السعادة الشخصيّة. هذه ليست أنانيّة دنيئة. المحبّة لا تكتسب قيمة أخلاقيّة فقط عندما لا تتضمّن أيّة علاقة بالذات وتصير محض نكران للنفس. وما تقتضي المحبة الحقيقيّة إنّما هو ألاّ نضع مصالحنا الشخصيّة فوق كلّ شيء، ولا نجعل من الآخرين مجرّد وسائل للوصول إلى سعادتنا. المحبة تتطلّب وفاء يصل إلى حدّ بذل الحياة في سبيل الآخرين.
كلّ محبّة إنسانيّة حقيقيّة تتجاوز نطاق ال "أنتَ" البشريّة وتتعلّق، وإنْ بدون وعي، بالله. فهي تحبُّ المسيح في شخص القريب. وعندما يحبّ إنسان شخصاً آخر يعطيه دوماً أكثر ممّا يستطيع هذا الشخص من تلقاء ذاته أن يتوقّعه أو أن يعطيَه بدوره. وبمجرّد أنّنا نحبّ الإنسان لأجل ذاته، نحبّ في الوقت عينه الله الذي خلق الإنسان وافتداه ودعاه إلى الخلاص.
في العهد القديم لم تنمُ إلاّ تدريجيّاً النظرة إلى كيان المحبة العميق. من الأزمنة القديمة بقي في الذاكرة مبدأ "الحقّ للأقوى" و"الثأر الذي لا حدّ له" (رَ:تك4: 24: "إنّه يُنتَقَم لقايين سبعةَ أضعاف وأمّا للامَك فسبعةً وسبعين"). ومثل هذا التعسّف قد وُضع له حدّ في إسرائيل بما دُعي "معادلة الانتقام"، التي بموجبها لا يجوز أن يفوقَ الجزاءُ الضررَ الذي أُحدِث (رَ:تث19: 21: "النفسُ بالنفس، والعينُ بالعين، والسنُّ بالسنّ، واليدُ باليد، والرِّجلُ بالرِّجل"). هذا "التقدّم" تابع تطوّره، فأدّى إلى المطلب المتنوّع الذي يقضي بإقامة العدل بين الناس باسم إله العهد (رَ: اللوح الموسويّ الثانيّ من الوصايا العشر، عا5: 24؛ هو4: 1ت؛ أش1: 17؛ مي6: 8؛ إر7: 1-15 وغ)، والمعاملة بالرحمة (رَ: هو6:6؛ زك7: 9؛ أش58: 7ت وغ)، ليصل أخيراً إلى وصيّة المحبّة: "لا تنتقمْ ولا تحقدْ على أبناء شعبك، وأحببْ قريبَك حبّك لنفسك" (أح19: 18)، وأخيراً أيضاً إلى محبّة الغريب: "وليكن عندكم النزيلُ المقيمُ فيما بينكم كابن بلدكم، تُحبّه حبَّكَ لنفسكَ" (أح19: 34).
العهد الجديد، بربطه بين محبّة الله ومحبة القريب، بلغ محبّة القريب إلى ذروتها القصوى. محبّة القريب تساوي بالأهميّة محبّة الله (متى12: 39). ففي محبّة القريب تتجلّى محبّة الله وتجد محكّها وتطبيقَها العمليّ: "الله لم يشاهده أحد؛ فإن نحن أحببنا بعضُنا بعضاً، أقام الله فينا، وكانت محبّته كاملة فينا" (1يو4: 12). "من لا يحبّ أخاه وهو يراه، لا يستطيع أن يُحبّ الله وهو لا يراه" (1يو4: 20).
الإضافة في وصية محبّة القريب "كنفسِكَ" لا تعني وضع حدود للمحبّة كأنّها تطلب من الإنسان أن لا يبلغ في محبته لقريبه أكثر ممّا تبلغ محبته لنفسه. بل بالحريّ فإنّ محبّة الذات التي وضعتها الطبيعة في الإنسان ينبغي أن تكون له حافزاً يدفعه لتحقيق محبة القريب تحقيقاً عمليّاً. فما يفعله الإنسان لذاته للحصول على خيره، عليه أيضاً أن يفعله للآخرين.
مثل هذا التعليم الذي يحثّ على العمل، والذي هو في الوقت عينه دليل عمليّ يبيّن كيف يُثبتُ الإنسان محبته لغيره من الناس، هو أيضاً القاعدة الذهبيّة:
"كلّ ما تريدون أن يفعل الناس لكم، افعلوه أنتم أيضاً لهم" (متى7: 12؛ لو6: 31).
بخلاف الصيغة السلبيّة للقاعدة الذهبيّة في العهد القديم "كلّ ما تكرهه لنفسك، لا تفعله بأحد من الناس" (طو4: 15)، تحثّ الصيغة الإيجابيّة في العهد الجديد على القيام بما تدعو إليه حبّة القريب من أعمال.الوصيّة العظمى هي الوصيّة المزدوجة في محبة الله والقريب، التي بها يتعلّق الناموس كلّه والأنبياء (متى22: 40). ووصيّة المحبّة لا تقف عند ناكري الجميل والذين لا يستحقّون المحبّة، وإنّما تشمل أيضاً الأشرار والأعداء.
ومقياس محبّة القريب إنّما هو تلك المحبّة التي أظهرها يسوع للبشر حتى بذل حياته من أجلهم. وهو نفسه يدعوها وصيّة جديدة:
"إنّي أعطيكم وصيّة جديدة: أحبّو بعضكم بعضاً. ولكن كما أحببتُكم أنا تحبّون أنتم أيضاً بعضُكم بعضاً" (يو13: 34).
الجديد ليس في صياغتُها على خلاف صيغة العهد القديم: "أحببْ قريبَك حبّك لنفسك" (أح19: 18)، بل الجديد هو في فهمها بالنظر إلى محبة الله التي صارت مرئية وملموسة في يسوع. ويجب أن يستمرّ فعلُها في الكنيسة (رَ:1يو2: 8). وكما أنّ محبّة يسوع لخاصّته قد بلغت به حدّها الأقصى (يو13: 1)، هكذا يجب علينا أن نكون مستعدّين لبذل حياتنا من أجل إخوتنا وأخواتنا (رَ:1يو3: 16). المسيحيّ يندرج في حركة المحبّة التي تنطلق من الله، وتتجلّى في محبّة يسوع وتحمل ثمراً في محبّة خاصّته. وينبغي أن تكون علامةً يُعرَفون بها (يو13: 35). ولأنّ الله أحبّنا أولاً، نستطيع نحن أن نُحبَّ بعضنا بعضاً (1يو4: 10).
ثانياً- القيم الإنسانية الكبرى للمسيحي
1- العدل والرحمة والأمانة
الإيمان والرجاء والمحبّة تنعكس في العمل الأخلاقيّ. وهي تؤدّي إلى طرق في السلوك تُدعى "الفضائل الأدبيّة" أو "الأخلاقيّة". وابرز هذه الفضائل في الكتاب المقدّس العدل والرحمة والأمانة. بإزاء البرّ الضيّق والقلِق الذي ينتج من تطبيق الناموس، تُبيّن هذه الفضائل الثلاثة ما تقتضيه الأخلاق (متى23: 23ب). إنّها "أهمّ" ما في الناموس.
أ- العدل: هو، بحسب مفهوم الكتاب المقدّس، عطيّة الله ووعدُه، الذين ينتظران من الإنسان سلوكاً ملائماً لما يقتضيه المجتمع. وفي الكتاب المقدّس ثمّة لفظة واحدة تعني العدل والبرّ معاً، وكأنّ الإنسان البارّ أمام الله هو الذي يحقّق العدل بين الناس. وفي هذا السياق يعني العدل ? أبعدَ من الارتباط بالناموس وفرائضه ? موقفاً يسعى، وفاقاً لما يأمر به الله، لأن يحصل كلّ إنسان على ما لَه. فهو بالتالي الإرادة الثابتة والدائمة لإعطاء كل ذي حقّ حقه.
وهذا يرتكز في الكتاب المقدّس على أنّ الله عادل ويحبّ أعمال العدل. "لأنّ الربّ عادل يحبّ العدل. والمستقيمون يشاهدون وجهه" (مز11: 7). الملك الذي يحكم بالعدل، الذي يحبّ الحقّ ويُبغض الظلم، يُمسَح بزيت الابتهاج (مز45: 7). والله يجري في الأرض النعمة والحقّ والعدل (إر9: 23). نقرأ في أحكام شريعة القداسة: "لا تَظلِمْ قريبَك ولا تسلِبْه? لا تجوروا في الحكم" (أح19: 13،15). ونقرأ في سفر تثنية الاشتراع: "أقم لك قضاة وكتبة? فيحكمون فيما بين الشعب حكماً عادلاً. لا تُحرّف الحكمَ ولا تُحابِ الوجوه? اتّبع العدلَ ثم العدل، لكي تحيا" (أح16: 18-20). ومقابل أعمال العبادة الطقسيَة الخارجيّة، لا يكلّ الأنبياء في تطلّبهم أعمال العدل والمحبّة: "أليس الصومُ الذي فضّلتُه هو هذا: حلُّ قيود الشرّ، وفكُّ رُبُط النير، وإطلاقُ المسحوقين أحراراً، وتحطيمُ كلّ نير؟" (أش58: 6).
العدل بين الناس هو، بحسب شهادة الأنبياء،مطلبٌ أساسيّ لإله العهد (عا5: 21-24؛ أش5: 1-7)، بل إنّ حقوق الناس هي، في نظرهم، حقّ الله. ولأنّ الله عادلٌ تجاه شعبه ويقودُه في العدل، يجب أن يسودَ العدل فيما بين الشعب. من يسير في العدل أمام الله يُثبتُ العهدَ مع الله. وكموجز لتعاليم العهد يرنّ قول النبيّ ميخا: "لقد بيّن لك أيّها الإنسان ما هو صالح وما يطلب منك الربّ. إنّما هو أن تُجريَ الحكم، وتُحبّ الرأفة والأمانة، وتسيرَ بتواضع مع إلهكَ" (مي6: 8).
تلك هي "أهمَ" الوصايا، كما ورد ذكرها في متى (23:23). "البرّ"، أو "العدل" هو التعبير الشامل للسلوك القويم مع الناس؛ ويجب أن يتجلّى في الرأفة والأمانة. العدل يجب أن يَظهرَ في الوقوف إلى جانب المظلومين والمعوزين والمقهورين. وما يعانونه من ظلم تجب إزالتُه بإعادة الحقّ إلى نصابه. والذين قست عليهم يد القدر فأصيبوا بإعاقة أو بحادث يجب مدّهم بما يحقّ لهم من المساعدة الاجتماعيّة العادلة. العدالة الماديّة ليست المقياس الوحيد الذي يجب أن يقاس به الحقّ، فعلاوة على ذلك يجب تحقيق عدالة الأشخاص، التي تسعى لتؤمّن ما يحقّ لكلّ فرد بحسب مؤهّلاته وسيرته الذاتيّة ونصيبه.
بالنسبة ليسوع في عظة الجبل، "طلب برّ الله"، أي السعي للبرّ والعدل اللذين يأمر بهما الله ويجعلُهما ممكنين، هو النداء الأكثر إلحاحاً إلى جانب طلب ملكوت الله (متى6: 23). فيجب على الإنسان أن "يجوع ويعطش إلى البرّ" (متى5: 6)، كما أنّ يسوع أيضاً قد أتى ليكمّل في شخصه كلّ برّ (متى3: 15). وينال الطوبى المضطّهَدون "من أجل البرّ" (متى5: 10). وينبغي أن يزيد برّ التلاميذ على ما للكتبة والفريسيّين (متى5: 20). وهذا يعني، كما يدلّ على ذلك ما يلي من تعاليم تناقض "ما قيل قديماً"، عملاً يطبّق تعاليم الوصايا العشر المعروفة على نحو جديد وأكثر عمقاً. ومجمل القول إنّ "البرّ" أو العدل هو تعبير شامل للأخلاق المطلوبة من المسيحيّين. وهنا يكمن التركيز الخاصّ على السلوك على مثال الله ويسوع. فالمهمّ ليس الكلام أو الحماس، بل العمل (متى7: 21؛ 24-27؛ 21: 28-31).
و"زيادة" البرّ التي يطلبها يسوع هنا في كرازته عن ملكوت الله ليست زيادة في الكميّة عن الوصايا التي يعرب عنها في العهد القديم؛ بل بالحريّ يريد يسوع أن نَفِيَ الوضعَ الجديدَ حقّه، ذلك الوضع الذي حدث بإعلان يسوع قربَ مجيء ملكوت الله (رَ:مر1: 15): فالله لم يعد غاية سلكنا الإنساني وأفُقَه، إنّما يعطي ذاتَه بيسوع في وسط تاريخنا وحياتنا، ومن ثمّ يستطيع وحدَه أن يفيَ هذا الإلهَ حقّه من وقف في صميم قلبه إلى أقصى نتائج سلوكه إلى جانب هذا الإله الحاضر والقريب منا بشكل مباشر في محبّته.
ب- الرحمة: إلى جانب العدل تنتمي الرحمة إلى مجموعة الفضائل التي يشدّد عليها يسوع بعد الأنبياء (في متى9: 13؛ و12: 7 يستشهد بهوشع 6: 6). ويتكلّم عليها في أمثال كثيرة،كما في السامريّ الرحيم (لو10: 30-35)، والخروف الضالّ والدرهم الضائع (لو15: 1-10)، والابن الضالّ (لو15: 11-32)، أو العبد العديم الرحمة (متى18: 23-35).
ويسوع نفسه في ظروف كثيرة قد أظهر عطفه على الفقراء والمحتاجين، إذ كان يشفي كلّ المرضى الذين كانوا يأتون إليه (لو6: 19)، وإن حدث ذلك يوم السبت (مر3: 1-6إز). وكان يغفر للخطأة (رَ:لو7: 36-50إز)، وحتى اللصّ على الصليب وعده بالفردوس (لو23: 43). ويؤنب يسوع علماءَ الشريعة على عدم رحمتهم، إذ إنّهم يحمّلون الناس أحمالاً شاقّة الحمل ولا يمسّونها هم بإحدى أصابعهم (لو11: 46).
وعلى مثال يسوع، يتّضح أنّ الرحمة التي تصدر عن القلب تنفي كلّ استعلاء، إنّها لا تعطف على الآخرين وهي تستصغرُ شأنهم، بل تشعر معهم وتشاركهم ألَمهم، وينبغي أن يرافقَ ممارستَها الوعيُّ بأنّنا جميعاً بحاجة إلى رحمة الله (رَ: متى18: 23-35؛ 6: 12).
تظهر رحمة يسوع بنوع خاصّ في استعداده للمغفرة. فقد كانت محبّته للخطأة تثير الاهتمام (رَ: لو7: 39؛ 15: 2). والهدف الخاصّ الذي يوجّه كلّ أعماله كان الخلاصَ الذي وُعد به الخطأة (رَ: مر2: 1-12). ويجب علينا أن نكون جميعاً مستعدّين للمغفرة، إذ إنّنا نحن أنفسنا قد نلنا منه المغفرة (رَ: لو7: 36-50؛ متى18: 23-35). وهو يرينا الهدف: "كونوا رحماء كما أنّ أباكم السماويّ رحيم" (لو6: 36).
والرحمةُ تصير رحمةً حيّة في "أفعال الرحمة" التي ذكرها يسوع في خطابه الكبير حول الدينونة (متى25: 34-46)، والتي عرفها التقليد المسيحيّ على أنّها "أفعال الرحمة الجسديّة" إلى جانب "أفعال الرحمة الروحيّة" وأضحت العلامات الميّزة لمحبة القريب المسيحيّة:
إطعام الجياع، إرواء العطاش، إكساء العراة، ضيافة الغرباء، عيادة المرضى، إنقاذ السجناء، دفن الموتى.
إرشاد الجهّال، المشورة بالخير، تعزية الحزانى، نصح الخطأة،مغفرة السيّئات، الصبر على نقائص الغير، الصلاة لأجل الأحياء والأموات.
أفعال الرحمة يجب ألاّ تُفهَمَ على أنّها أفعال نستطيع أن نتباهى بها أمام الله. أن يُتاحَ لنا أن نوهبَ الرحمة، إنّما ذلك نعمة تفتح أعيننا لرؤية الآخرين، وتمدّنا بقوّة داخليّة للقيام بما يجب من أفعال. وهذا كثيراً ما تكون "عملاً شاقاً". سواء أكان ذلك الخدمةَ في العالم الثالث، أم الاعتناءَ بالمرضى، أم العمل مع المعاقين، أم غير ذلك من أعمال: فإنّها تكلّف الذين يقومون بها قسطاً من حياتهم وفي كثير من الأحيان أيضاً من صحّتهم. أفعال الرحمة تصدر عن فكر تصير فيه محبّة الله فاعلة. فيها يتبيّن أنّ المحبّةَ والرحمةَ يجب أن تظهرا في الخارج وأنّ الأقوال الجميلة غير كافية (رَ:متى21: 28-31). أفعال الرحمة هي تجسيد للرحمة الإلهيّة.
ج- الأمانة: إلى جانب العدل والرحمة ثمّة وجهٌ آخر من اوجه المحبّة هو الأمانة (متى23:23). نستطيع أن نأتمن الله على أنفسنا لأنّ الله هو نفسه أمين (مز31: 6؛ تث32: 4؛ تك15: 7ت). ولا شيء يُثنيه عن أمانته، حتى ولا خيانة الإنسان (هو11: 1؛ أش31: 20). إنّ فكرة أمانة الله هي خطّ متواصل بين العهد القديم والعهد الجديد: "إنّه لأمين الربّ الذي يثبّتكم ويحفظكم من الشرّير" (2تسا3:3). وكذلك تُبرزَ أمانة المسيح، الذي هو الشاهد الأمين (رؤ5:1؛ 14:3؛ رَ:11:19). ولذلك ينبغي أن تكون الأمانة العلامةَ المميّزة للذين يحملون اسم "المسيحيّين". فعليهم أن يشهدوا لأمانة المسيح ويكونوا لسائر الناس مثالاً للأمانة.
الأمانة ليست تعلّقاً جامداً وغير متحرّك بشيء أو بشخص، بل هي الإرادة الثابتة بالالتزام التزاماً دائماً بشخص أو بقيمة سامية. الأمانة هي الثبات في المحبة. الأمانة تعطي المحبّة وجهاً في استمرار الزمن. إنّها تتضمّن الجرأة على الثقة، وتتمسّك بوعدها حتى عندما تخيب الآمال. من يمتلك هذه الجرأة ويخوض بها غمار المستقبل الذي لا ينفكّ مفتوحاً أمامه، يوجّه حياته توجيهاً ثابتاً. وأسمى من يمكن الأمانة البشريّة أن تستسلم له إنّما هو الله نفسه.
الأمانة يثبت صدقها في الثقة. والعلاقة بالله تحيا أيضاً من الأمانة. وهي تظهر في حالات التحدّي القصوى كالتمسّك بالله حتى الاستشهاد. ولكنّها تظهر أيضاً في كثير من الأشياء التي تقوّي إيماننا وتحفظه متيقّظاً: في الصلاة والعبادة والتأمّل، وأيضاً وبنوع خاصّ في مساعدة الناس.

2- ثمار الروح: ثمار المحبة وأوجه المحبة
إلى جانب الإيمان والرجاء والمحبّة، وتجسيدها في العدل والرحمة والأمانة، يشير الكتاب المقدّس أيضاً إلى مواقف أساسيّة أخرى كالفرح والسلام وطول الأناة واللطف والوداعة والعفاف (غل22:5ت). وتوصَف هذه بأنّها "ثمار الروح". مثل هذا التعداد للفضائل معروف أيضاً في الأخلاقيّات القديمة. ولكن في حين تصف هذه الأخلاقيّات مواقف إنسانيّة تصدر عن سلوك طبيعيّ قويم، وعن استقامة وأعراف وما ينبع منها من فرح، تنسكب "ثمار الروح" من عمل الروح القدس، المعطَى للمسيحيّين، "لأنّ محبّة الله قد أُفيضت في قلوبنا بالروح القدّس الذي أُعطيناه" (رو5:5). وهذا لا يعني ازدراء الأخلاقيّات الطبيعيّة. غذ يكتب بولس للفيليبيّين: "كلّ ما هو حقّ وكرامة، وعدل ونقاوة،ولطف وشرف، وكلّ ما هو فضيلة وما يُمتَدَح، كلّ هذا فليكن محطّ أفكاركم" (في8:4). في جمال ومسرّات حياة يسلك فيها الناس، حتى غير المؤمنين منهم، بحسب المواقف الأساسيّة التي ندعوها "فضائل"، يرى المسيحيّ عمل الروح القدس. ثمّة مواهب تُمنَح للناس، لا تقتصر على المواهب الخارقة وحسب، بل تشمل أيضاً المؤهّلات للتعامل مع الآخرين والخدمة والتعزية والإرشاد، ولا سيّما المحبّة (رَ:رو12: 7-13). المحبّة تحتوي كلّ المواهب وتتجاوزها (1كو13). وهي تحتلّ المرتبة الأولى من بين الفضائل الأخرى التي يشكّل قسمٌ منها ثمارَ المحبة كالفرح والسلام والقسمُ الآخر أوجَ المحبة كطول الأناة واللطف والصلاح والأمانة والوداعة والعفاف. الفضائل المسيحيّة تعكس ما تملكه المحبّة من قوة إشعاع. وبهذا يتبّين الجديد، الذي دخل العالم مع الأخلاق المسيحيّة.
3- القيم الأدبيّة الرئيسة: الفطنة والعدل والقوّة والقناعة
إلى جانب المواقف الأساسيّة الكتابيّة، تؤدّي الفضائل الرئيسة الأربعة في التقليد المسيحيّ دوراً خاصاً. فمنذ العهد القديم يرد ذكرها في سفر الحكمة (رَ:7:8). وتعود أوصافُها الأولى إلى الفلسفة اليونانيّة. فيرى أفلاطون الفضائل الرئيسة في سياق مزدوج؛ فهي مرتبطة من ناحية بمختلف طبقات المدينة أو الدولة كالمعلمين والجنود ورجال الاقتصاد، ومن ناحية أخرى بمختلف طبقات حياة النفس الإنسانيّة، أعني ميادين العقل والعاطفة والغريزة. ففي النفس يحتلّ العقل المكانة الأولى على أنّه الجهة الموجّهة، وفي الدولة يجب أن يتلّ هذا المكان الحكيم (الفيلسوف). ولهما تتبع فضيلة الفطنة، التي ينبغي أن يتمتّع بها الفرد ومدبّرو شؤون الدولة. وكذلك في العمل المشترك بين قوى النفس وداخل مختلف وظائف المجتمع، فالعدل و الذي ينظّم علاقات الفرد بالمجتمع و

توقيع (زائر)

 

(آخر مواضيعي : زائر)

  أجراس و الشوق الطويل

  العراق بلد في مهب الريح

  دفتر الرسم

  حكومة الملائكة

  الحرب العالمية الإعلامية الأولى

 

 

 

 تنبيه : جميع الاراء الواردة تعبر عن رأي أصحابها و لا علاقة لإدارة موقع مانكيش كوم بها

 

جميع المواد المنشورة في موقع مانكيش كوم بكل أقسامه لا تُعبّر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع

ويتحمل صاحب الموضوع المسؤولية كاملة عما نشره وجميع ردود الفعل المترتبة عليه