المشاركة السابقة : المشاركة التالية

المحبة بين الله والانسان


الكاتب : fr. mumtaz

غير متصل حالياً

المجموعةالمشرفين

المشاركات168

تاريخ التسجيلالأحد 08-11-2009

معلومات اخرى
حرر في الإثنين 16-11-2009 08:46 مساء - الزوار : 2199 - ردود : 2
حوار المحبة بين الله والإنسان
لقد كانت المحبة بين الله والبشر قد انكشفت في العهد القديم ، خلال سلسلة من الأحداث ، مبادرات إلهية من قبل الله ورفض من جهة الإنسان ، عذاب الحب المنبوذ وارتقاء أليم لدى الإنسان لكي يستطيع أن يرتفع إلى مستوى الحب ويتقبل نعمته ، وفي العهد الجديد، يتجلى هذا الحب الإلهي ، من خلال حدث فريد من شأنه أن يحوّل بذاته كل معطيات الموقف ، وهو أن المسيح نفسه يأتي إلى عالمنا ليعيش ، كأنه متأنس ، درامة حوار المحبة بين الله والإنسان .
1- هبة الآب :
إن مجيء يسوع هو أولاً مبادرة من الآب . بعد ما كلمنا بالأنبياء وقدّم لنا وعود العهد القديم ، تذكر الله رحمته (لو 1/54 ? 55 ) ( عب 1/1 ? 2 ) ، وأخبر عن نفسه ( يو 1/18 )، وأظهر محبته ( روم 8/39 ) في شخص الذي هو ليس المسيح المخلص المنتظر ( لو 2/11 ) بل أيضاً أبنه بالذات ( مر 1/11 )، الذي يحبه ( يو 3/35 ) . وعندئذ يظهر حب الآب على أسمى وجه. ها هو العهد الجديد قد تحقق ، وبقبوله الابن لا يستطيع إلا أن يتخلى عن كل كبرياء إذ أن هبة الحب هذه التي يقدّمها لنا الله هي مجانية محضة ( روم 5/6 ? 7 ) ، وهذه الهبة نهائية لا رجعة فيها، تتجاوز حياة المسيح على الأرض وهي تصل إلى أقصى حدّ إذ أن الله يرتضي بموت الابن لكي تكون الحياة للعالم ( روم 5/8 ، 8/32 ) ، ولكي نصبح أبناء الله ( 1يو 3/1 ) " فإن الله بلغ من حبّه للعالم أنه جاد بإبنه الواحد " (يو 3/16 ) لكي ينال البشر الحياة الأبدية ، ولكن الذين يرفضون أن يؤمنوا بالذي أرسله ويستحبون الظلام على النور يجلبون الدينونة على أنفسهم . فلابد من الخيار بين المحبة بواسطة الإيمان بالابن أو الغضب برفض هذا الإيمان .
2- ظهور الحب الكامل في شخص المسيح :
لا تظهر درامة المحبة في علامتنا بالمسيح فحسب ، بل في شخصه بالذات . فالمسيح ، تجسيد للحب . فهو ، بصفته إنسان ، يحقق الحوار البنوي مع الله ويشهد له أمام البشر ، وبصفته إله ، يأتي ليعيش الحب ، في بشرية كاملة ليسمعنا نداءه الحار . في شخص يسوع ، يحب الإنسان الله ، كما أنه موضوع محبته .

تشهد حياة يسوع كلها لهذا الحوار المزدوج ، فمنذ البدء إذ كرّس نفسه للآب فهو يعيش في جو من الصلاة والشكر ، وخصوصاً في المطابقة التامة للإرادة الإلهية وهو في حالة من الإصغاء الدائم إلى الله ، الأمر الذي يضمن له استجابته منه . وبالنسبة للبشر يعطي يسوع حياته كلها ، ليس فقط لبعض أحبائه ، بل للجميع وهو يمضي من مكان إلى آخر يعمل الخير في تجرد تام ، مبدياً عنايته نحو الجميع وبخاصة المنبوذين والخطأة ، وهو يختار مجاناً من يريد لكي يجعلهم أحبّاءه .
يدعو هذا الحب إلى المعاملة بالمثل ، فبمحبتنا له نحب الآب ، ومحبتنا ليسوع تعني المحافظة التامة على كلامه والتضحية بكل شيء في سبيل اتباعه . وبالتالي نشاهد في الإنجيل الانقسام الذي يتم بين الذين يقبلون هذا الحب والذين يرفضونه ، ولا سبيل هنا إلى الحياد ( يو 6/60 ? 71 ) .
وعلى الصليب يكشف الحب شدّته وطابعه الدرامي بطريقة حاسمة . كان يجب أن يتألم يسوع ( لو 9/22) لكي يسطع ببهاء طاعته للآب ومحبته لذويه . وهو بملء حريته يحتمل صمت الله الظاهري ويقاسي العزلة الإنسانية المطلقة . رغم ذلك كله ، نراه يصفح للجميع ، فاتحاً قلبه للجميع ، وهكذا يصل يسوع إلى هذه اللحظة الحاسمة ، لحظة الحب الأعظم ( يو 15/13 ) وأثناءها يعطي ذاته كلياً لله ولجميع الناس دون استثناء ، فبالصليب يتمجد الله تماماً ، ويستحق يسوع لنفسه وللإنسانية جمعاء أن يكونا موضوع حب الله دون حدود ( يو 10/17 ) ، وهكذا يلتقي الله والإنسان في الوحدة ، بحسب صلاة يسوع الأخيرة ( يو 17 ) مع مراعاة توجب على الإنسان أن يقبل طوعاً هذا الحب الكامل بكل مطالبه ، وقد يصل به الأمر إلى التضحية بحياته على أثر يسوع ، وهو يجد في طريقه عثرة الصليب التي ليست إلا عثرة المحبة ، التجربة الكبرى للبشرية التي تعرضهم لخرق الأمانة .
3- المحبة الشاملة في الروح القدس :
حقاً ، تجلى الحب الكامل على الجلجلة ، ولكنه ظهر بطريقة كانت بمثابة اختبار حاسم : وفعلاً، فقد تخلى أصدقاء يسوع عنه في صلبه ، وهذا يرجع إلى أن الإذعان للحب الإلهي ليس هو موضوع معرفة بشرية ولكن لابد له من هبة الروح الذي يخلق في الإنسان قلباً جديداً ( ار 31/33 ? 34 ) . فالروح الذي أُفيض يوم العنصرة بحسب وعد المسيح ، لا يزال موجوداً منذ تلك اللحظة في العالم بواسطة الكنيسة وهو يعلّم البشر ما قاله لهم يسوع ويمكّنهم من فهمه من الداخل . ويتساوى هنا كل الناس ، سواء أكانوا شهوداً لحياة يسوع على الأرض أم لم يكونوا ، بدون تمييز في الزمن أو في العنصر ، حيث يحتاج كل إنسان إلى الروح لكي يستطيع أن يقول " أبا أيها الآب " ( روم 8/15 ) ، ويمجد المسيح فتفيض فينا محبة الله وهي محبة لا يستطيع أي شيء أن يفصلنا عنها ( روم 8/35 ? 39 ) وهي تعدنا للّقاء النهائي مع المحب الإلهي .
4- الله محبة :
إن المسيحيين ، إذ ينقادون بالروح لكي يحيوا مع ربهم حوار المحبة ، يقتربون من سر الله ذاته . لأن الله لا يكشف لأول وهلة عمن هو ، ولكنه يتكلم ويدعو ويعمل ، وعن هذا الطريق، تزداد معرفة الإنسان عمقاً . ويستطيع الذي عاش اختبار المحبة والإيمان ، أن يعبّر بلا شك عن الكلمة الأخيرة في جميع الأمور " الله محبة " ( 1يو 4/8 و 16 ) . وتبقى كلمة المحبة هي التي تسمح لنا بأن نتبيّن ، على أفضل وجه ، سر الثالوث الإلهي والهبة المتبادلة بين الآب والابن والروح القدس .
ثانياً : المحبة الأخوية

1-الوصيتان :
من أول صفحات العهد الجديد إلى آخرها ، يظهر حب القريب غير قابل للانفصال عن الحب الإلهي : فالوصيتان هما قمة الشريعة ومدخلها " المحبة هي تمام العمل بالشريعة " ( غل 5/14 ، روم 13/8 ? 9 ) وهي في آخر الأمر الوصية الوحيدة والعمل الوحيد والمتعدد الأوجه لكل إيمان حي " لأن الذي لا يحب أخاه وهو يراه لا يستطيع أن يحب الله وهو لا يراه ونعلم أنّا نحب أبناء الله إذا كنا نحب الله " ( 1يو 4/20 ? 21 ، 5/2 ) . تتخذ إذاً محبة القريب طابعاً دينياً ، وهي ليست مجرد محبة طبيعية للبشر ، فهي دينية بمثلها الأعلى ألا وهو محبة الله نفسه ( متى 5/44 ? 45 ) ، وهي عمل الله فينا ، لن يتسنى لنا أن نكون رحماء مثل الآب السماوي ما لم يعلمنا الرب وما لم يسكب الروح في قلوبنا المحبة ، تأتي هذه المحبة من عند الله وتحلّ فينا بمجرد أن يتخّذنا الله كأبناء له ، وهي إذ تأتي من عند الله تعود إليه ، لأننا عندما نحب أخوتنا نحب الرب نفسه ، إذ كلنا معاً نكوّن جسد المسيح ، وهكذا نستطيع أن نتجاوب مع المحبة التي سبق واحبنا بها الله

.
2- المحبة هبة :
تظهر المحبة على صورة الله الذي سلّم مجاناً ابنه لخلاص جميع الخطأة ، بدون أي فضل من قبلهم ، فهي إذاً شاملة لا تبقي على أي حاجز ولا تزدري أحداً ، بل أكثر من ذلك ، هي تطالب بمحبة الأعداء ( متى 5/43 ? 47 ) . ولا تعرف المحبة اليأس ، فهي تتميّز بالصفح دون حدود ، وبالمبادرة الطيبة نحو الخصم ، وبالصبر وبمقابلة الشر بالخير ، وفي الزواج تتخذ المحبة شكل الهبة الكاملة ، وأخيراً هي للجميع خدمة متبادلة ، ينكر فيه المرء ذاته مع المسيح المصلوب ( فل 3/1 ? 11 ) ، ويوضح القديس بولس في نشيده للمحبة ، طبيعة المحبة وعظمتها ، فيؤكد أن لا شيء له قيمة بدون المحبة ، كما أحب المسيح سنختبر منذ الآن حياة إلهية وخالدة ( 1كو 13 ) .
3- المحبة شركة :
لا شك أن يوحنا يتكلم أيضاً عن اتساع المحبة ومجانيتها ، ولكن إذ هو يتميّز بإدراكه لشركة الآب والابن في الروح القدس ، فهو يلفت النظر إلى نتائج هذه الحقيقة بالنسبة إلى محبة المسيحيين بعضهم لبعض ، يجب أن تعبر أخويتهم عن شركة تامة ، يلتزم فيها كل واحد منهم بكل ما فيه من طاقات المحبة والإيمان ، فيحب المسيحي أخوته بمحبة مضحيّة وواقعية ، خاضعة لقانون إنكار الذات التي بدونها لا توجد خصوبة حقيقية ( يو 12/24 ? 25 ) ، وبواسطة هذه المحبة يبقى المؤمن في شركة مع الله ( 1يو 4/7 ) . وهذه هي صلاة يسوع الأخيرة " لتكن فيهم المحبة التي إياها احببتني فأكون أنا فيهم " ( يو 17/26 ) . وإذ يحيا التلاميذ هذه المحبة الأخوية ، في عالم لا ينتمون إليه ، فتستطيع محبتهم هذه أن تكون بمثابة شهادة يثبت للعالم من خلالها أن يسوع هو المرسل حقاً من الآب " ويعرف الناس جميعاً أنكم تلاميذي إذا أحب بعضكم بعضاً " ( يو 13/3 ) .

(" ? علّمني الحب ، يا رب
علّمني ألا أبعثر قوى الحب فيّ
أن أخفّف من حبّي لذاتي وأزداد حباً للآخرين
فلا يتألم أحد ، لا يموت حوالي أحد
لأنني أكون أنا قد سلبته الحب الذي يحتاج إليه كي يعيش ? ")
( ميشال كواست ، الأيادي الضارعة ، ص 182 ، دار المشرق ) .




توقيع (fr. mumtaz)
روح الرب علي لانه مسحني لابشر الفقراء

 

(آخر مواضيعي : fr. mumtaz)

  ما الهدف من الصوم والصلاة

  تهنئة بمناسبة عيد ميلاد سيدنا يسوع المسيح ورأس السنة الميلادية الجديدة

  موسم البشارة ( ليكن لي كقولك )

  الابن الشاطر و الاب الحنون

  القيامة حياة وتجدد....

 

 

 

 تنبيه : جميع الاراء الواردة تعبر عن رأي أصحابها و لا علاقة لإدارة موقع مانكيش كوم بها

 

جميع المواد المنشورة في موقع مانكيش كوم بكل أقسامه لا تُعبّر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع

ويتحمل صاحب الموضوع المسؤولية كاملة عما نشره وجميع ردود الفعل المترتبة عليه

 

رقم المشاركة : #210
الكاتب : fluora84

غير متصل حالياً

المجموعةالاعضاء

المشاركات197

تاريخ التسجيلالسبت 07-11-2009

معلومات اخرى
حرر في الإثنين 30-11-2009 08:36 مساء

موضوع حلو جدا واكيد حب الله النا حب ما الة حدود عاشت ايدك ابونا ممتاز                                                                                                                                                                                                                      اختك فلورا



توقيع (fluora84)
http://www.iraqup.com/up/20100128/wOYa6-5T5s_785065671.gif

ها أنا واقف على الباب اقرع
رقم المشاركة : #2450

الكاتب : وردااسحاق

غير متصل حالياً

المجموعةالمشرفين

المشاركات1244

تاريخ التسجيلالسبت 02-01-2010

معلومات اخرى
حرر في الثلاثاء 31-08-2010 10:45 مساء
أبونا شكراً لك على هذا المقال الذي فيه التأمل في عمق محبة الله للأنسان وما هو دور الأنسان في نشر المحبة . نعم المحبة هي قمة أيماننا وكل الشريعة أختصرها الرب بوصيتين وهي محبة الله ومحبة الأنسان وهذه الوصيتين تختصر في كلمة واحدة فقط وهي ( المحبة) فمن فيه المحبة فيه الله لأن الله محبه ومن فيه الله فأنه يعيش في ملكوته ونوره
فيشعر بالسلام والفرح ... هكذا يصل الأنسان الى قمة العلاقة بينه وبين الخالق.
اله المحبة يحفظك ويعطيك النعمة من روحه القدوس لكي تكون نوراً لتضىء دروب البشر وخاصة البعيدين عن منارة المسيح .

توقيع (وردااسحاق)
فأنا لا أستحي بالأنجيل ، لأنه قدرة الله للخلاص ، لكل من يؤمن رو 16:1