المنتدى » تاريخ الكنيسة » استقرار وتوسّع كنيسة المشرق
المشاركة السابقة : المشاركة التالية

استقرار وتوسّع كنيسة المشرق


الكاتب : samdesho

مستشار لادارة موقع مانكيش

غير متصل حالياً

المجموعةعضو مميز

المشاركات213

تاريخ التسجيلالجمعة 06-11-2009

معلومات اخرى
حرر في الإثنين 19-04-2010 02:12 مساء - الزوار : 2003 - ردود : 0

استقرار وتوسّع كنيسة المشرق                سامي خنجرو- استراليا 


 لم تستطع الاضطهادات الفارسية على الحد من انتشار المسيحية في ديار المشرق، بل على العكس زادتها حمية وتوسعا. وحين اعتلى العاهل الفارسي يزدجرد العرش سنة 399م ، عقد معاهدة صلح مع الرومان بهمة مار ماروثا اسقف ميافرقين الذي ارسله الملك اركاديوس الى الملك يزدجرد للتفاوض في شان السلام سنة 408م ، وتكللت مساعيه بالنجاح. وبديهي ان تستفاد كنيسة المشرق من الوضع الجديد، خاصة وان الملك الفارسي وضع حدا للاضطهادات الدموية ضد المسيحيين كنتيجة لمعاهدة الصلح هذه مع الرومان. وبدأت الكنيسة الشرقية في استعادة قوتها، بعد ان خفََّ نار الاضطهاد عليها الذي دام قرابة اربعين عاما، منذ سنة 339 م والى وفاة الملك شابور الثاني سنة 379 م. وهكذا حلِّ السلام في ربوع كنيسة المشرق.


لقد كان ماروثا الرجل الذي اختارته العناية الالهية ليكون حلقة وصل بين الامبراطوريتين الرومانية والفارسية. وجاء الى المشرق سنة 399 م حاملا التهاني من الملك الروماني اركاديوس الى الملك الفارسي يزدجردالاول، وتم انتخاب مار اسحق جاثليقا لكرسي المدائن في السنة عينها. وفي سنة 408 م عاد ماروثا ثانية الى البلاد الفارسية. لكن اهم عمل قام به مار ماروثا ومار اسحق الجاثليق هو الدعوة الى عقد مجمع لكنيسة المشرق في مطلع عام 410 م وبحضور ماروثا نفسه كممثل لاساقفة الغرب ولدوره الفعال في تسيير امور الكنيسة الشرقية وتوجيهها حسب مقررات المجامع المسكونية السابقة، خصوصا مجمع نيقية المنعقد سنة 325 م لردع بدعة اريوس.


ان مجمع مار اسحق الذي بدأ اعماله في 6 كانون الثاني وهو عيد الدنح (وكان انذاك عيد الميلاد ايضا) سنة 410 م، يعتبر المجمع الرسمي الاول لكنيسة المشرق. بلغ عدد المطارنة والاساقفة الحاضرين قرابة 40 مطرانا واسقفا. واهم ما جاء في اعماله، وانطلاقا من صورة الايمان التي أقر بها الاباء الثلثمائة والثمانية عشر في مجمع نيقية سنة 325 م، تطرق فيها الى الحياة المسيحية، ونظم علاقات المؤمنين برؤسائهم على اختلاف مراتبهم، وارتباط هؤلاء الرؤساء برئيسهم الاعلى جاثليق المشرق الجالس على كرسي ساليق- المدائن، اضافة الى قوانين انتخاب الاساقفة والرتب الكهنوتية وسمو مقامها. كما حدد المقاطعات الكبرى في كنيسة المشرق. وبعد انتهاء اعماله، توجه مار اسحق ومار ماروثا الى البلاط الفارسي، وقدّما للملك تقريرا عمّا جرى فيه. وابدى الملك رضاه وتاييده امقررات المجمع، واكّد الحرية للمسيحيين ثانية، وثبّت مار اسحق رئيسا على المسيحيين في كل الشرق. (وللمزيد عن مجمع مار اسحق ، طالع مقالنا : مجمع مار اسحق ، في هذا الموقع-تاريخ الكنيسة).


 وهكذا نرى كنيسة المشرق، والتي ظلّت بدون رئيس طيلة فترة الاضطهاد والبالغة 40 سنة، يتجاوز عدد ابرشياتها الاربعين، في اقل من اربعين سنة من نهاية الاضطهاد. وتوالت مجامع كنيسة المشرق بعدئذ، مجمع يابالاها سنة 420 م، مجمع داديشوع سنة  424 م، مجمع اقاق سنة 486 م ومجمع باباي سنة 497م، لترسيخ الرئاسة الكنسية لكرسي الجاثاليق، وتنظيم واستقلالية كنيسة المشرق وتوسعها وربط مصيرها بالامبراطورية الفارسية، والقضاء على النظرية التي كانت تعتبر المسيحيين في البلاد الفارسية حلفاء المسيحيين الرومان، لتصبح كنيستهم شرقية حقيقية مع حق المواطنة في البلاد الفارسية.


 في بداية القرن السادس حدث ركود في الكنيسة الشرقية، عمّت فيها الخصومات والمنافسات على السلطة.  ففي سنة 503 م وافت المنيّة الجاثاليق باباي، فخلفه شيلا الذي كان متزوجا نظير سلفه باباي، حيث كان الزواج قد سمح به رسميا للاكليروس حتى للجاثاليق نفسه في مجمع باباي، مؤيدا بذلك بما جاء به برصوما مطران نصيبين في مجمع بيث لافاط سنة 484م. انّ الجاثاليق شيلا  دفعته زوجته الى حب المال والغنى، لكن الصعوبات بدأت بموته سنة 523م، فقد اوصى بالخلافة لصهره الطبيب اليشاع، لكن معظم الاساقفة لم يرضوا به بل انتخبوا نرساي رئيسا عليهم. الا انّ داود مطران مرو رسم اليشاع قبل ان يسام نرساي في الكنيسة الكاتدرائية في ساليق. وتمكّن اليشاع بواسطة صديق له وهو بيروي وكان طبيبا للملك قباذ، ان ينال من العاهل الفارسي مرسوما يخوّله السلطة الشرعية على الكنيسة الشرقية جمعاء.


وهكذا عمّت الفوضى وضاعت المقاييس وفقدت القيم الاصيلة. وأخذ كل من الجاثاليقين يواصل النضال ضد زميله الاخر، ويرسم الاساقفة من الموالين له ويرشق الاخر بالحرم الى ان توفي نرساي سنة 538. فظنّ اليشاع ان الجو قد خلا له لينفرد بالسلطة، لكن تصرفاته السيئة جعلته منبوذا من الاساقفة، فقرّروا عزله واقامة بولس جاثاليقا عليهم في مطلع سنة 539م. ويظهر ان المنتخب الجديد كان محايدا طيلة فترة النزاع، وانه كان ذا حظوة لدى كسرى الاول انوشروان الذي تولّى الحكم بعد موت ابيه قباذ سنة 531م. الا ان رئاسة بولس لم تدم سوى بضعة اشهر فتوفي في احد السعانين سنة 539م. وكانت كنيسة المشرق بأمس الحاجة الى من يصلحها ويزيل عنها اثار الرئاسة المزدوجة، وقد منّ عليها الرب، الذي لايترك كنيسته تتقاذفها الامواج، بالمصلح مار ابا الكبير.


انّ حيوية الكنيسة مربوطة بحيوية رؤسائها، فعليهم تقع مهمة ادارتها وتنظيم شؤونها. وكانت سنة 540م بدء عهد جديد ومشرق لكنيسة المشرق بأنتخاب مار ابا الكبير جاثاليقا عليها. كان مار ابا من منطقة رادان (بين نهري العظيم وديالى) وتربّى في الديانة المزديّة. لكنّ النعمة الالهية مسّته بواسطة تلميذ من مدرسة نصيبين الشهيرة واهتدى الى المسيحية. واصبح هو الاخر تلميذا فيها، ثمّ اقيم استاذا فيها لحين انتخابه جاثاليقا سنة 540م. وكان قد تعلّم اليونانية في رحلة الى القسطنطينية والاسكندرية. وما ان اخذ بزمام السلطة الكنسية، حتى بدأ يصلح بهمة ونشاط كل الفساد الذي تسرّب في الانظمة الكنسية. فبدأ جولته الراعوية في خريف سنة 540م، يرافقه فيها تسعة اساقفة الى ابرشيات بلاد فارس والابرشيات الوسطى والجنوبية والتي كانت مصدر الفساد والقلاقل. فحرم وعزل كل الاساقفة غير الشرعيين وغير الكفوئين، مع تثبيت اسقف واحد لكل ابرشية. واكّد سلطته المباشرة على الابرشيتين المهمّتين نصيبين وبيث لافاط، اللتين كانتا تتمتّعان بنوع من الاستقلالية، واحتفظ لنفسه بحق اقرار وتثبيت مطارنتها. ثمّ عقد مجمعا سنة 544م وسنّ فيه عدة قوانين وانظمة: اصلاحية، ادارية، توجيهية واخلاقية اضافة الى ما يخص العقيدة الايمانية لكنيسة المشرق. وتظهرلنا صورة هذا الايمان بالاعتراف بالثالوث وبوحدة الشخص في يسوع المسيح. ومن الاعمال المهمة التي قام بها مار ابا، تأسيسه مدرسة في ساليق والتي اصبحت من المراكز الهامة للثقافة الدينية واللغوية.


لكنّ هذا النشاط والغيرة الرسولية افحم المجوس، خاصة وانّ مار ابا هدى منهم خلقا كثيرا الى المسيحية. فاضمروا له الحقد والعداء واعتبروه جاحدا ومرتدّا عن ديانة ابائه، وتوصلوا الى دفع الملك كسرى انوشروان لنفيه الى اذربيجان. لكن هذا الابعاد الذي دام سبع سنين، لم يثن البطريرك العظيم عن نشاطه وادارته لشؤون الكنيسة من هناك برسائله الراعوية واجتماعاته مع زائريه في منفاه. غير ان الملك اظهر نحوه تسامحا كبيرا عندما عاين اخلاصه في مشكلة تمرّد أثارها احد ابنائه عليه. ورجع الى المدائن متمتّعا بحرية نسبية، الى ان وافته المنية في ساليق في الصوم الكبير من سنة 552م .وهكذا استطاع مار ابا بحكمته وعلمه وغيرته الرسولية، ان يقود كنيسة المشرق وينظّمها ويوطّد اركانها لتصبح ثابتة بمبادئها، قوية بايمانها، راسخة بعقيدتها، واسعة بانتشارها. وتجمع جميع المصادر على مدح مناقب هذا الرجل العظيم والذي لقّب بجدارة (ابا الكبير) لجسامة وضخامة الاعمال الاصلاحية التي قام بها، بعد الفترة المظلمة التي مرّت بها كنيسة المشرق ايام الجاثاليقيين المتنازعين اليشاع ونرسي.


 



توقيع (samdesho)

 

(آخر مواضيعي : samdesho)

  كاروزوثا نقوم شبير

  السيد شمعون بتّـو تبّـو في ذمة الخلود

  Do not mess with marriage, the same sex marriage debate

  الجالية المنكيشية في سدني تحيي شيرا مار كوركيس ومارت شموني

  الانقسامات الكنسية:اسبابها وتأثيرها على كنيسة المشرق-الكريستولوجي لكنيسة المشرق والكنيسة الكاثوليكية

 

 

 

 تنبيه : جميع الاراء الواردة تعبر عن رأي أصحابها و لا علاقة لإدارة موقع مانكيش كوم بها

 

جميع المواد المنشورة في موقع مانكيش كوم بكل أقسامه لا تُعبّر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع

ويتحمل صاحب الموضوع المسؤولية كاملة عما نشره وجميع ردود الفعل المترتبة عليه