المنتدى » تاريخ الكنيسة » الانقسامات الكنسية: أسبابها وتأثيرها على كنيسة المشرق
المشاركة السابقة : المشاركة التالية

الانقسامات الكنسية: أسبابها وتأثيرها على كنيسة المشرق


الكاتب : samdesho

مستشار لادارة موقع مانكيش

غير متصل حالياً

المجموعةعضو مميز

المشاركات213

تاريخ التسجيلالجمعة 06-11-2009

معلومات اخرى
حرر في الثلاثاء 11-05-2010 01:56 مساء - الزوار : 4124 - ردود : 0

الانقسامات الكنسية: أسبابها وتأثيرها على كنيسة المشرق                   


 


كان القرن الرابع عصر الجدالات حول الثالوث، فان آريوس متأثرا بالفكر الاغريقي، ادّعى ان الكلمة (لوغوس) الابن هو خليقة الله الاولى والوسيط بين الآب والعالم المخلوق. فردّت الكنيسة على هذه البدعة في المجمع المسكوني النيقاوي الاول سنة 325م، بأعلانها انّ الكلمة مساو للآب في الجوهر وأزلي مثله. وحينما أثير الجدل حول الروح القدس، وزعم مقدونيوس وأتباعه انّه خليقة الله، أعلنت الكنيسة آلوهية الروح القدس ومساواته للآب والابن في مجمع القسطنطينية المسكوني الثاني سنة 381م. امّا القرن الخامس، فقد ظهر كعصر الجدالات حول سر المسيح الاله المتجسّد. هذه الجدالات جاءت بسبب الخلاف بين مدرستي أنطاكيا والاسكندرية. وكان في جوهره خلافا فكريا فلسفيا بين المدرستين، فكل منهما تبنّت طريقة خاصة في تفسير الكتاب المقدس، ممّا ادّى الى سوء التفاهم والتباعد وهزّ جسم الكنيسة الجامعة.


في أنطاكيا، كان اللآهوتيون والمفسرون أكثر ميلا الى نظرية أرسطو ومهتمّين بالحقائق الملموسة والمرئية. ففي اقرارهم بالوهية المسيح كانوا ينظرون بالاكثر الى حياته الانسانية الارضية. أما مدرسة الاسكندرية، فكانت أكثر ميلا الى الافلاطونية والى التفسير الرمزي التأويلي للحقائق. فالامر الذي كان يشدّ اهتمام أساتذة الاسكندرية في المسيح، كان لاهوته أكثر من ناسوته. وهكذا فان الاسكندرية تتكلم عن الالوهية والانسانية، في حين ان انطاكيا تستخدم مفردات أكثر واقعية، وتفضّل الفاظ الله والانسان. وكان الخلاف غالبا ما ينشأ من معنى بعض الالفاظ اللاهوتية التي كانت قيد الدرس آنذاك في استخدامها، مثل الطبيعة = فوزيس = كيانا، الاقنوم = ايبوزستازيس = قنوما، الشخص = بروسوبون = برصوبا.


 انّ الانطاكيين والشرقيين عامة ومن نحا منحاهم يريدون بالاقنوم الظهور الفردي للطبيعة (حقيقة مادية). وعندما يدافعون عن حضور طبيعتين واقنومين في المسيح، انّما يريدون التأكيد على الوجود الحقيقي لطبيعتين كاملتين فيه. امّا الاسكندريون ومن نحا منحاهم، فانهم يفهمون لفظة الاقنوم بمعنى الشخص، فاذا كان ثمّة شخصان أو اقنومان، فيكون ثمّة ابنان. فحينما يريدون التأكيد ان الاتحاد بين الكلمة والانسان في المسيح هو اتحاد اقنومي، يريدون فقط ان يشرحوا ان الطبيعتين الانسانية والالهية في المسيح تشكّلان شخصا واحدا. وهكذا فان الخصمين يدافعان عن طروحات مماثلة الى حدّ كبير، ولكن كلاّ منهما يستخدم الفاظا لايفهمها الاخر على حقيقتها، وهذا هو اصل الخلاف والبلاء.


ان الخصام بين مدرستي انطاكيا والاسكندرية بدأ يتفاقم من جرّاء القضية الكريستولوجية. وفي سنة 428م جلس مار نسطوريوس على كرسي القسطنطينية العاصمة البيزنطية، وهو تلميذ تيودوروس المصيصي الذي كان يتبع تعاليم اللاهوت الانطاكي. بينما كان مار قورلوس جالسا على كرسي الاسكندرية منذ سنة 412م، وكان يتبع تعاليم اللاهوت الاسكندري. ومنذ ان اقيم نسطوريوس بطريركا على القسطنطينية، رفض اعطاء لقب ام الله (تيوتوكس) لمريم العذراء، اللقب الذي كان متداولا في الكنيسة انذاك، لانّها لاتستطيع ان تلد الله، فاللقب الذي يناسبها اكثر هو ام المسيح (كريستوتوكس) الكلمة المتجسد الذي هو اله وانسان معا. لكن مار قورلوس رفض هذه التعاليم قائلا: اذا كان ربنا يسوع المسيح المتجسد الها، وهو واحد، فكيف لاتكون العذراء القديسة التي ولدته ام الله؟


ونتيجة لهذه الخلافات والخصومات، عقدت عدّة مجامع كنسية، ابتداءا بمجمع افسس الاول سنة 431م وانتهاءا بمجمع الخلقيدوني سنة 451م، بغية تقريب الاراء والاتفاق على تسوية نهائية لهذه المشكلة لتعم الوحدة والسلام في الكنيسة. لكن الاهواء البشرية والمناصب الرئاسية ادّت الى جدالات طويلة وأليمة واضطرابات، اسفرت عن انفكاك عرى الوحدة المسيحية.


امّا كنيسة المشرق، فكانت بعيدة عن تلك الجدالات، ولا نرى ايّة  وثيقة تاريخية  في حوزتها انذاك  تشير الى تلك الخلافات. مع العلم ان تلك الحقبة الزمنية بعد مجمع داديشوع سنة 424م، هي في غاية الاهمية لكنيسة المشرق التي كانت شبه منفصلة جغرافيا وسياسيا عن الكنيسة في الغرب، ثمّ بدأت تسير نحو الانفصال  في عقيدتها ايضا كما سنرى. ويجب التنويه هنا، بان كنيسة المشرق عبّرت عن ايمانها بخصوص القضية الكريستولوجية في مجامعها الكنسية الاولى، بدءا بمجمع مار اسحق والمجامع الللاحقة بهذا التعبير: ان في المسيح ربّنا طبيعتين كاملتين في شخص واحد، دون الاشارة الى لفظة الاقنوم.


انّ مدرسة الرها ووليدتها مدرسة نصيبين الشهيرتين، أصبحتا اهّم مركزين ثقافيين لكنيسة المشرق. هاتان المدرستان، تأثرتا بتيارات الافكار السائدة في مدرسة انطاكيا، وتبعتا الى حدّ كبير افكارها اللاهوتية. كما وتخرّج منهما جملة من العلماء اللاهوتيين الذين نشروا تلك الثقافة في الشرق. لا بل تبوّأ معظمهم مراكز اسقفية، ومنهم أختيروا بطاركة وساهموا في ادارة وتقدّم كنيسة المشرق. ومن الطبيعي ان يتبّنى هولاء القادة الكنسيون تلك الافكار والتعابير اللاهوتية والعمل على نشرها في كنيسة المشرق. من ناحية اخرى، فان مذهب المنوفيزيين (القائل انذاك: في المسيح طبيعة واحدة واقنوم واحد بعد التجسّد) بدأ يتغلغل في بقاع كنيسة المشرق. ومما ساعدهم على ذلك، الخلافات القائمة انذاك في كنيسة المشرق بين برصوما مطران نصيبين وبابوي الجاثاليق في نهاية القرن الخامس ومطلع القرن السادس، اضافة الى انحطاط كنيسة المشرق ايام الرئاسة المزدوجة في عهد نرسي واليشاع الجاثاليقيين.


لكن كنيسة المشرق تداركت الخطر المحدق على ايمانها، فاقامت المدارس في كل مدينة والمراكز المهمة الاخرى، علّموا فيها اضافة الى اللغة السريانية العلوم الدينية والدنيوية. وكان للرهبنة المشرقية دور فعّال لايقاف المد المنوفيزي من خلال المؤلفات الكثيرة وجعل الاديرة مراكز التبشير والتأليف. كما وردّا على المنوفيزيين، أدخلت كنيسة المشرق  في عقيدتها الكريستولوجية الاقنومين واصبحت عبارتها الايمانية هكذا: ان في المسيح طبيعتين واقنومين في شخص واحد.


واخيرا كان لاختيار الجاثاليق العظيم مار ابا الكبيرسنة 540م عاملا حاسما في تقدّم وانتشار كنيسة المشرق، بعد الانحطاط التي مرّت بها من قبل.


 


                                                سامي خنجرو - استراليا



توقيع (samdesho)

 

(آخر مواضيعي : samdesho)

  كاروزوثا نقوم شبير

  السيد شمعون بتّـو تبّـو في ذمة الخلود

  Do not mess with marriage, the same sex marriage debate

  الجالية المنكيشية في سدني تحيي شيرا مار كوركيس ومارت شموني

  الانقسامات الكنسية:اسبابها وتأثيرها على كنيسة المشرق-الكريستولوجي لكنيسة المشرق والكنيسة الكاثوليكية

 

 

 

 تنبيه : جميع الاراء الواردة تعبر عن رأي أصحابها و لا علاقة لإدارة موقع مانكيش كوم بها

 

جميع المواد المنشورة في موقع مانكيش كوم بكل أقسامه لا تُعبّر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع

ويتحمل صاحب الموضوع المسؤولية كاملة عما نشره وجميع ردود الفعل المترتبة عليه