المنتدى » منتدى الكتابات الروحانية والدراسات المسيحية » "حقيقة المجيء الثاني والدينونة "
المشاركة السابقة : المشاركة التالية

"حقيقة المجيء الثاني والدينونة "


الكاتب : fr. mumtaz

غير متصل حالياً

المجموعةالمشرفين

المشاركات168

تاريخ التسجيلالأحد 08-11-2009

معلومات اخرى
حرر في السبت 25-09-2010 06:28 مساء - الزوار : 1250 - ردود : 1

 



 


"حقيقة المجيء الثاني والدينونة "
حينما نعلن قائلين:  في قانون الإيمان أن يسوع الذي مات وقام وصعد إلى السماء سوف يأتي من جديد ليدين الأحياء والأموات. ونقول ايضاً " ننتظر عودتك في المجد" نريد ان نعبر عما ستكون سعادتنا. هذا اللقاء بالمسيح الذي رجوناه. ان هذا المسيح الذي بحثنا عنه في الأنجيل والذي منحناه ايماننا, ربما ببعض التأخير أو الصعوبة, أو بفرح وسخاء سنراه اخيرا كما اكتشفه التلاميذ, حياً وحاضراً. في مساء احد القيامة, انه سيثقب جدران قلة ايماننا وسيغمرنا بسلامه. وفي اشعاع حضوره سيتسنى لنا أن نذوق حنان الآب,وفيهم ايضا سنجد وأن نستسلم بدون قيود الى حرارة الروح. وفيهم ايضاً سنجد جميع الأرتباطات التي نسجت حياتنا, فالدخول الى حياة الثالوث سيكون لنا الكشف عن شركة القديسيين. ان الحب المتسع الى اللانهاية لن يعرف حدوداً من بعد وهذا سكون حياتنا, ان سفر الرؤيا ينتهي بهذه الكلمات: " يقول الروح والعروس: " تعال. من سمع فليقل:  تعال" من كان عطشاناً فليأت, ومن شاء فليستقي ماء الحياة مجاناً " (رؤيا 22: 17)   هذا ما يدعوه التقليد الكنسي "المجيء الثاني"، بالنسبة إلى المجيء الأول أي إلى الزمن الذي قضاه يسوع على الأرض. ماذا يعني الإيمان بالمجيء الثاني ؟


لقد جاء المسيح أولاً: مرسلاً من قبل الله، مخلصًا ومنقذًا العالم: معطياً الرجاء للعالم, والسعادة بوجه اجمل من هذا الرجاء؟ اوغسطينوس الذي بحث عن السعادة يذكر غالباً في كتاباته. هذه الراحة التي سنجدها في الله¸انها ليست سعادة رقاد هادئ. بل سعادة ملء يتغذى بذاته. ان عطش السعادة مكتوب فينا وسيجد في قيامتنا جوابا هو جواب سعادة ومقاسمة.. " فلقد احب الله العالم حتى أنّه بذل ابنه الوحيد ، لكي لا يهلك كل من يؤمن به ، بل تكون له الحياة الأبديّة والقديس بولس يؤكد: «إن الله قد برهن على محبته لنا بأن المسيح قد مات عنّا ونحن بعد خطأة . فكم بالأحرى وقد بررنا الآن بدمه، نخلص به من الغضب. المجيء الثاني هو ترقب ما سيصنعه الله للعالم في المستقبل على ضوء ما صنعه لأجله في الماضي. في مجيء يسوع الأول وفي كل أحداث حياته وموته أظهر لنا الله محبته ظهورًا خفيًّا وجزئيًّا في بقعة من الأرض وفي قلوب عدد يسير من المؤمنين. إيماننا بالمجيء الثاني هو الإيمان بأن تلك المحبة ستظهر ظهورًا علانيًّا نهائيًّا شاملاً. مجيء المسيح الثاني يعني لكل من يؤمن بيسوع، الانتصار على الموت، ورجاء حياة تكتمل فيها الحياة التي نقضيها على الأرض.


لكن المجيء الثاني هو أيضًا دينونة.


من سيدين الإنسان في المجيء الثاني ؟ وما هو مضمون هذه الدينونة ؟


يظهر لنا من خلال العهد الجديد أن الله الآب سيدين العالم (روما 2 / 3 – 13) (متى 6 / 4 ، 6 ، 15 ، 18) ، أو يسوع المسيح  ( متى 25 / 31 – 33) (متى 13 / 40 – 42 ؛ 7 / 21 – 23) (1 كور 4/5) (2 كور 5/10). أو حتى الرسل والقديسون (متى 19/28) (1 كور 6/1-3). ولكن في إنجيل يوحنا تأخذ الدينونة طابعًا ذاتيًّا. فالإنسان هو الذي يدين نفسه برفضه كلمة المسيح: «إن الله لم يرسل ابنه إلى العالم ليدين العالم، بل ليخلّص به العالم. فمن آمن به فلا يدان، ومن لا يؤمن به فقد دين، لأنّه لم يؤمن باسم ابن الله الوحيد». ثم يتابع إنجيل يوحنا معرفًا بمضمون الدينونة: «وعلى هذا تقوم الدينونة : أن النور جاء إلى العالم ، والناس آثروا الظلمة على النور ، لأن أعمالهم كانت شريرة . لأن من يفعل الشر يبغض النور ، ولا يقبل إلى البتة إلى النور لئلا تفضح أعماله . وأمّا من يعمل الحق فإنّه يقبل إلى النور ، لكي يثبت أن أعماله مصنوعة في الله.


إن المسيح لم يأت للدينونة بل للخلاص. فمن يقبل كلامه ويؤمن به يخلص: إنّه منذ الآن في النور. وأمّا الذي يرفض كلامه ولا يؤمن به فقد دين. إن صيغة الماضي التي يستعملها يوحنا تعني أن الدينونة تبدأ منذ هذه الحياة بمجرد رفض الإيمان بالمسيح الذي نجد صوته في ضميرنا بالفطرة. فالإنسان إذًا هو الذي يدين نفسه بانفصاله عن المسيح وعن كلامه. وهكذا يتضح لنا أنّه لا تناقض بين إسناد عمل الدينونة إلى الله الآب أو إلى المسيح أو إلى الرسل والقديسين، أو إلى جميع المسيحيين، لأن الحقيقة هي التي في الواقع ستدين العالم. والحقيقة واحدة: إنّها حقيقة الله التي يحملها يسوع، كلمة الله، في كيانه وفي تعاليمه، والتي آمن بها الرسل والقديسون وجميع المسيحيين وعاشوا بموجبها. من هنا نستطيع أن نحدد الدينونة على أن الإنسان في كل لحظة من لحظات حياته أولاً ثم لدى موته أخيرًا، يواجه الحقيقة التي تدعوه إلى التزام الخير. ودينونته تبدأ على هذه الأرض في موقفه تجاه الحقيقة التي هي الله نفسه، هذه الحقيقة التي ستدين العالم في نهاية الأزمنة قد أتت في الزمن لتخلص العالم، وقد أعطت ذاتها حتى الموت في سبيل هذا الخلاص. لذلك فإن الدينونة، هي أولاً عمل محبة وخلاص لأنّنا لا نستطيع الفصل بين مجيء المسيح الأول وموته وقيامته ومجيئه الثاني؛ إنها مراحل متعددة من سر واحد هو سر محبة الله التي تنسكب على الإنسان لتمنحه الحياة والفداء والخلاص. والدينونة ترافق كل مراحل هذا السر. إن الإنسان، لدى موته، يواجه الحقيقة مواجهة صريحة لا مواربة فيها. عندئذ تنزع عن عينه الغشاوة التي كانت تفسد أمامه الرؤية، ويسقط من أمام وجهه القناع الذي كان مستترًا وراءه، فينكشف كما هو أمام الحقيقة، تلك ستكون دينونته. وهذا ما يصفه أحد اللاهوتيين المعاصرين بلغة وجوديّة فيقول: «إن مجرد انتصار الخير على الشر يكون الحكم الساحق على الذين يمارسون الشر. إنهم قد أخطأوا هدفهم. وحياتهم التي فقدت معناها، قد آلت إلى العدم. إن عبث حياة قضيت في الشر هو أسوأ عقاب ... إن إدراك الإنسان ذاته قد سقط في أقصى العبث وغرق في العدم والتلاشي. ذاك هو مصير الذين يرفضون محبة الله ويرفضون دعوته إلى الحياة».


يرى معظم اللاهوتيين اليوم أن المجيء الثاني سيتحقق لكل إنسان في ساعة موته، لأنّه إذ ذاك يلاقي المسيح. هذه النظريّة ممكنة ولكن شرط ألا ننسى أن المجيء الثاني لا يحقق فقط مصير كل إنسان، بل نعني أيضًا اكتمال تاريخ البشر في المسيح. ويمكننا أن نحل هذه الإشكاليّة أنّه بعد الموت نخرج من إطار الزمان والمكان، فكل زمن هو حاضر، وأنا بموتي معاصر لمجيء المسيح لكل البشر.


المجيء الثاني هو العمل الأخير الذي سيقوم به الله خاتمًا به سلسلة أعمال محبة بدأها بخلق العالم وتتألقت عبر التاريخ وبلغت ذروتها في تجسده وفي حياته على الأرض وفي موته وقيامته. الله محبة، وقد ظهرت هذه المحبة في العالم والتاريخ، وستظهر ظهورًا نهائيًّا في كمال العالم والتاريخ. إيماننا بالمجيء الثاني هو يقيننا أن العالم لن يجد ملأه بقوّته الذاتيّة، والتاريخ لن يجد اكتماله بتطور شرائعه ونواميسه. فالعالم والتاريخ بحاجة إلى قوة تفوقهما وتمنحهما الملء والكمال . وعلينا ان نحيا هذا الأنتظار في الصلاة: " اسهروا وصلوا " وهناك مقدمة في صلوات المجيء تحدونا الى الطلب في ان نكون عند مجيء الرب " ساهرين في الصلاة ومليئين بالبهجة" اذن نحن كالساهر ينتظر الفجر. وتحاول الكنيسة في ليتورجيتها الليلية أن تحيا هذه سعادة الساهر الذي يقف مستيقضاً في الليل لكي يكون حاضرا في اداء المدح والشكر عند شروق النهار. اما لنا, فان اليوم الأزلي هو الذي سيشرق, فلا ينبغي أن نتخلف, باللامبالاة أو الأهمال, عن هذا اللقاء بسعادتنا الأبدية: "ادخل الى فرح سيدك " (متى 25: 21 ) .


في الختام: كما جاء في خاتمة "مدينة الله " للقديس اوغسطينس " ( سيكون يوم السبت بلا نهاية لن يكون له مساء. بل سيكون يوم الرب ونوعا ما يوماً ثامناً شاملاً: لأن الأحد, المكرس لقيامة المسيح, يرمز الى الراحة الأبدية للروح والجسد. هنا, سنستريح وسنرى, سنرى وسنحب, سنحب وسنمرح. هذا ما سيكون في النهاية, بلا نهاية؛؟ (مدينة الله 22, 30, 5 )  


المراجع :


يو 3 / 16 - روما 5/8


الأب سليم بسترس، اللاهوت المسيحي والإنسان المعاصر،  سلسلة الفكر المسيحي بين الأمس واليوم، رقم 4، المطبعة البولسية، 1995، ص 332.


 مجلس أساقفة كنيسة ألمانية، المسيحية في عقائدها، نقله من الألمانية إلى العربية المطران كيرلس سليم بسترس، الفكر المسيحي بين الأمس واليوم، رقم 18، المطبعة البولسية، 1998، ص 318.


تيودول ري- مرميه، نؤمن، تعريب الخوري يوسف ضرغام، منشورات قسم الليتورجيا في جامعة الروح القدس، رقم 3، الكسليك – لبنان، 1983، ص 420- 421


الأب ميشيل روندي اليسوعي, نحن مدعوون الى القيامة, تعريب الأب البير ابونا, منشورات معهد شمعون الصفا الكهنوتي, اربيل – عنكاوة, 2010, ص 111- 113


                                    الأب ممتاز عيسى قاشا  - تم  ألقاءها لأخوية مريم العذراء في مانكيش   للجامعيين -       واخوية الصفا في عينكاوة - كنيسة ام المعونة – مزار مار ايليا


 



 



توقيع (fr. mumtaz)
روح الرب علي لانه مسحني لابشر الفقراء

 

(آخر مواضيعي : fr. mumtaz)

  ما الهدف من الصوم والصلاة

  تهنئة بمناسبة عيد ميلاد سيدنا يسوع المسيح ورأس السنة الميلادية الجديدة

  موسم البشارة ( ليكن لي كقولك )

  الابن الشاطر و الاب الحنون

  القيامة حياة وتجدد....

 

 

 

 تنبيه : جميع الاراء الواردة تعبر عن رأي أصحابها و لا علاقة لإدارة موقع مانكيش كوم بها

 

جميع المواد المنشورة في موقع مانكيش كوم بكل أقسامه لا تُعبّر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع

ويتحمل صاحب الموضوع المسؤولية كاملة عما نشره وجميع ردود الفعل المترتبة عليه

 

رقم المشاركة : #2516

الكاتب : وردااسحاق

غير متصل حالياً

المجموعةالمشرفين

المشاركات1262

تاريخ التسجيلالسبت 02-01-2010

معلومات اخرى
حرر في الثلاثاء 28-09-2010 02:53 صباحا
أروع مقال أبونا تسطره أناملك ، فيه العمق فيه التوضيح لأسئلة كثيرة تدور في فكر المؤمن وخاصة في موضوع الدينونة والقيامة، وأين سيذهب الأنسان بعد الموت وقبل حدوث القيامة ؟ كذلك ما هي الدينونة ومن يدين وما هي الآخرة في الحياة الجديدة ؟ كل سطر في مقالك يحتاج الى وقفة وصمت وتأمل فبل الأنتقال الى الأسفل قرأت المقال لكنني لم أشبع منه وهذا ليس مدح بل أعجاب وأيمان بما كتبته . لتكن يد الرب معك دائماً وينورك بنوره لخدمة كنيسته المقدسة.

توقيع (وردااسحاق)
فأنا لا أستحي بالأنجيل ، لأنه قدرة الله للخلاص ، لكل من يؤمن رو 16:1