المنتدى » تاريخ الكنيسة » كنيسة المشرق تحت الحكم المغولي
المشاركة السابقة : المشاركة التالية

كنيسة المشرق تحت الحكم المغولي


الكاتب : samdesho

مستشار لادارة موقع مانكيش

غير متصل حالياً

المجموعةعضو مميز

المشاركات213

تاريخ التسجيلالجمعة 06-11-2009

معلومات اخرى
حرر في الجمعة 29-10-2010 01:51 صباحا - الزوار : 3796 - ردود : 4

               كنيسة المشرق تحت الحكم المغولي            


 


سيطر هولاكو أحد أحفاد جنكيزخان على بغداد سنة 1258م، لكنه عطف على المسيحيين مدفوعا من زوجته المسيحية (طقوزخاتون). فأعطى الجاثاليق مكيخا الثاني 1257-1265م قصرا جديدا للاقامة فيه في بغداد، كما ان طقوزخاتون حملته لكي يجهّز جيشا للسيطرة على الاراضي المقدسة. لكن هذه الحملة أخفقت في مهمتها في عين جالوت امام أبواب اورشليم، بينما كان هولاكو قد دعي للرجوع الى اسيا الوسطى على أثر موت الاليخان الاعظم، كبير الاسرة المالكة.


استمر تأثير المسيحيين ورؤسائهم على الحكام المغول، وكان للاوامر الملوكية نفوذ بالغ في أرجاء المملكة في رعاية المسيحيين من اتباع كنيسة المشرق. واستطاعت كنيسة المشرق ان تستعيد وجودها ثانية في الصين بعد تقلّصها هناك، حيث كان الامبراطور الصيني فو-تسونغ قد أصدر أمرا سنة 845م يحظر فيه جميع الاديان الغريبة الداخلة الى الامبراطورية باستثناء الديانة البوذية. وفي سنة 1264م احدث قبلاي خان تعديلا في الاعفاء من الرسوم الذي كان يتمتع به الاكليروس المسيحي على غرار الكهنة البوذيين، وادخلت اسماء الكهنة المسيحيين من اتباع كنيسة المشرق في سجلات توزيع انواع الحبوب بأمر من الامبراطور، اضافة الى قيامه بتشكيل دائرة خاصة تهتم بادارة العبادات المسيحية في جميع أنحاء المملكة. وفي البلاد الفارسية، الغى الاليخان المغولي التقاليد الساسانية وغيرها، وأيّد أباقاخان ابن هولاكو انتخاب الجاثاليق دنحا الاول 1265-1281م خليفة مكيخا، والجاثاليق يابالاها الثالث المغولي 1281-1317م.


جاء اختيار الجاثاليق البطريرك يهبالاها الثالث المغولي على رأس كنيسة المشرق سنة 1281م موفقا، وكان لهذا الاختيار الاثر العظيم لتقدّمها. وليس من الصعب أن ندرك السبب الذي حدا بالاساقفة لاختياره بطريركا. ولم يكن ثمّة اخر سواه يحسن لغتهم ويعرف أخلاقهم وعوائدهم. ولقد سرّ الاليخان أباقا لما علم ان اساقفة المشرق اختاروا رئيسا عليهم من بني قومه. وألبسه شخصيا معطف الشرف، وأنعم عليه بعرش فخم وأعطاه مرسوما ذهبيا، مانحا ايّاه مقاما في السلطة المغولية.  ولا غرابة ان نجد البطريرك يهبالاها الجديد يقرّر نقل الكرسى البطريركي من بغداد الى مراغا، حيث كان يقيم الملوك الاليخانيون، لكي يكون قريبا من السلطة الحاكمة، ويشترك في اتّخاذ القرارات لخير كنيسة المشرق وتقدّمها. وهذه هي عين النظرة التي اعتمدها البطريرك طيماثاوس الكبير، عندما نقل الكرسي البطريركي من المدائن الى بغداد، عاصمة الخلافة العباسية.


أن البطريرك يهبالاها، واسمه مرقس، ولد سنة 1245م وتتلمذ لراهب متوحّد وهو الربان برصوما المغولي. ومارس الحياة النسكية وزار الاراضي المقدسة بصحبة معلمه برصوما. ثمّ اختاره الجاثاليق دنحا، وأسامه مطرانا على مدن قاناي وونغ في الصين وذلك سنة 1280م. لكن المرتسم الجديد جاء الى بغداد على أثر وفاة الجاثاليق دنحا في شباط 1281م، وهناك تمّ اختياره بطريركا برضى الاباء، واسيم في كنيسة ساليق الكبرى في 2 تشرين الثاني سنة 1281م، واتّخذ له اسم يهبالاها. ولا ريب ان ثقافته الكنسية لم تكن بمستوى المطارنة الاخرين، لقلّة تضّلعه باللغة السريانية الطقسية، كما يعترف هو بنفسه عن روح تواضع. لكنّه كان وديعا يحبّ القريب وعمل الخير، كما يشهد له بذلك المؤرّخ الشهيرالعلاّمة ابن العبري مفريان الشرق لليعاقبة. ولما توفي ابن العبري وهو في زيارة الى مراغا سنة 1286م، أعلن البطريرك يابالاها الثالث الحداد عليه في مختلف الكنائس، تخفيفا لحزن ابناء جماعته عليه ولشهرته الواسعة.


لكن هذه الحالة لم تدم طويلا، فان أباقا توفي سنة 1282م، وحدث نزاع على السلطة بين أرغون ابن اباقا وعمّه أحمد خان. وكان الدين الاسلامي بدأ بالتغلغل بين المغول، ووشي بالجاثاليق البطريرك الى احمد، فألقاه هذا في السجن مدة أربعين يوما. لكن الظفر كان بجانب أرغون سنة 1284م، فأسرع البطريرك يهبالاها الى تقديم التهاني بشخصه الى أرغون، وأخذ البطريرك يستعيد منزلته ونفوذه عند العاهل المغولي. وواصل أرغون خطة أبيه في مراجعة ملوك وامراء أوروبا، لتحقيق رغبته بالاستيلاء على الاراضي المقدّسة. فطلب الى الجاثاليق البطريرك ان يختار رجلا موثوقا وصاحب خبرة، ليوفده سفيرا الى أوروبا والى البابا نيقولاوس الرابع (1288-1292)م للمفاوضات بهذا الشأن. فقدّم البطريرك معلّمه ومساعده برصوما ليذهب في هذه المهمة، بالنظر الى كفاءته ومعرفته باللغات. وكانت الحروب الصليبية في أشدّها، غير أن مساعيه باءت بالفشل. وفي روما احتفل برصوما بالقداس حسب الطقس المشرقي في كنيسة مار يوحنا اللاتراني وتناول البابا من يديه. وبواسطة برصوما، تعرّفت الدوائر الرومانية على كنيسة المشرق وطقوسها وعوائدها، ولم تكن معروفة لديهم بصورة جيدة من قبل. واستمرّت المراسلات بين الكرسي الروماني الرسولي والبطريرك يهبالاها بهدف الاتحاد. لكنها لم تفلح، بسبب البعد الجغرافي من ناحية، اضافة الى انّ أحوال المسيحيين لم تكن على وتيرة واحدة،  بسبب التقلّبات السياسية المغولية من جهة ثانية. ويمكن اعتبار هذه المراسلات والاتصالات، الاولى من نوعها بين الكنيسة الرومانية الكاثوليكية وكنيسة المشرق بصفة رسمية.


ان كنيسة المشرق ازدهرت ازدهارا عظيما وتوسّعت جدا، وبلغت أوج عظمتها أيام البطريرك يهبالاها، الذي بلغت مدة رئاسته 36 سنة. وأسام البطريرك يهبالاها أكثر من 70 اسقفا ومطرانا للولايات المطرافوليطية، التي بلغت الثلاثين مشتملة على أكثر من مائتي أسقفية، من الصين والتبت واليابان والهند شرقا الى قبرص وسواحل البحر المتوسط غربا، ومن أرمنيا وتركمانستان واسيا الصغرى شمالا الى جزيرة العرب جنوبا. وتوفي يهبالاها البطريرك العظيم في 13 تشرين الثاني سنة 1317م. وكانت أيامه الاخيرة مملوءة بالمضايقات نتيجة الدسائس الكاذبة، وعبثا حاول ازالة الاوهام العالقة بأذهان أرباب السلطة بعد أن كان مرجعا لهم في الاستشارة.


وعندما توفي أرغون تولّى ابنه قازان الحكم، واعتنق الاسلام رسميا، واضطهد المسيحيين وضايقهم كثيرا. فدمّرت بعض الكنائس أو حوّلت الى مساجد، اضافة الى نهب دار البطريركية. وبدأ أفول نجم كنيسة المشرق، والتي تعتبر أهم كنيسة مبشّرة في القرون الوسطى. وحاول البطريرك طيماثاؤس الثاني (1318-1331)م، خليفة يهبالاها البطريرك، والذي اتّخذ من أربيل مقرا للكرسي البطريركي، اجراء بعض الاصلاحات. فعقد مجمعا، وهو اخر مجمع يذكر لكنيسة المشرق قبل القرن 19، لجمع شملها ولملمة قواها المنهكة. وأصبح الكرسي البطريركي غير ثابت بسبب تلك الظروف، واخبار هذه الحقبة غير معروفة على وجه الدقّة. فبعد مار طيماثاؤس، جلس دنحا الثاني البطريرك (1332-1365)م في كرمليس، وخلفاؤه في الموصل.


 لكنّ ظهور تيمورلنك وتولّيه السلطة في نهاية القرن الرابع عشر(1396-1405)، واعتناق معظم المغول الاسلام، كبّد كنيسة المشرق خسائر فادحة، وفقدت عددا كبيرا من أبنائها.  فاضطهد تيمورلنك المسيحيين ولاحقهم، وانتهت المسيحية في بلاد الصين والتبت واواسط اسيا كليّا، باستثناء الهند. امأ المسيحيون في بلاد فارس و ما بين النهرين، فاضطرّوا الى الفرار واللجوء نحو مناطق كردستان الجبلية. وهكذا مسحت حملة تيمورلنك العسكرية العديد من أبرشيات كنيسة المشرق، وصارت الابرشيات النائية معزولة عن مركز رئاستها الام وعن بعضها البعض.


تلك الكنيسة التي نراها قبل فترة قصيرة في أوج ازدهارها، نجدها تتراجع وتنحصر في الجبال في المنطقة الشمالية من شرق نهر دجلة، فيما تعرف اليوم بكردستان، اضافة الى ملّبارالهند وفي بعض المراكز التجارية كالرها ودمشق واورشليم. ونستطيع القول أنّ هذا التراجع والانحصار وبالتالي التقوقع، كان سببا مباشرا لاقدام البطريرك شمعون الباصيدي (1437-1476)م، بحصر الرئاسة الكنسية بعائلته فقط (العائلة الابوية). فقام بسنّ وادخال نظام الوراثة في المنصب البطريركي لكنيسة المشرق، ووصول أشخاص غير جديرين وغير كفوئين وصغار السن الى السدّة البطريركية. ذلك النظام غير المألوف في الكنيسة عامة، ساهم ايضا بدوره بتراجع كبير لكنيسة المشرق على مختلف الاصعدة، اضافة الى شغور كراسي عدة أبرشيات، وخاصة المطرابوليطية منها. هذا ما سنتناوله في المقالة القادمة انشاء الله.


                                                     سامي خنجرو-استراليا



توقيع (samdesho)

 

(آخر مواضيعي : samdesho)

  كاروزوثا نقوم شبير

  السيد شمعون بتّـو تبّـو في ذمة الخلود

  Do not mess with marriage, the same sex marriage debate

  الجالية المنكيشية في سدني تحيي شيرا مار كوركيس ومارت شموني

  الانقسامات الكنسية:اسبابها وتأثيرها على كنيسة المشرق-الكريستولوجي لكنيسة المشرق والكنيسة الكاثوليكية

 

 

 

 تنبيه : جميع الاراء الواردة تعبر عن رأي أصحابها و لا علاقة لإدارة موقع مانكيش كوم بها

 

جميع المواد المنشورة في موقع مانكيش كوم بكل أقسامه لا تُعبّر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع

ويتحمل صاحب الموضوع المسؤولية كاملة عما نشره وجميع ردود الفعل المترتبة عليه

 

رقم المشاركة : #2595
الكاتب : مسعود هرمز

غير متصل حالياً

المجموعةالاعضاء

المشاركات444

تاريخ التسجيلالخميس 04-02-2010

معلومات اخرى
حرر في السبت 30-10-2010 08:08 صباحا
شكرا أخي العزيز سامي على المقالة الخاصة بكنيستنا العريقة الأصيلة وفعلاً هي الأولى التي انتشرت في ارجاء العالم بنور المسيح وقبل فترة قرأت احدى المقالات بالأنكليزية يذكر فيها الكاتب بأن كنيسة المشرق كانت أكبر كنائس العالم وعدد المؤمنين المنتسبين اليها كان أكبر من عدد المنتسبين الى الكنائس الكاثوليكية والأرثوذكسية مجتمعة وفعلاً انتشرت بقوة الروح القدس الى أقصى الأماكن وكان المرسلين والمبشرين يمشون بين التلال والوديان والصخور وهم يحملون الأنجيل والخبز والماء فقط ، آبائنا العظام هُم الذين أسسوا الأيمان على الصخرة وشكرا لك مرة أخرى

توقيع (مسعود هرمز)
مسعود هرمز
مقالة اخرى رائعة رقم المشاركة : #2596
الكاتب : اسحق بفرو

غير متصل حالياً

المجموعةالاعضاء

المشاركات177

تاريخ التسجيلالثلاثاء 17-11-2009

معلومات اخرى
حرر في الأحد 31-10-2010 01:33 صباحا
العزيز سامي
مقالة اخرى رائعةتخص كنيستنا الشرقية الاصيلة والتي مرت بحقبات مليئة بآلام واضطهادات كبيرة ....منذ فترة لم نقرأ  منكم مثل هذه المقالات التأريخية التنويرية تحياتي لكم جميعا
العزيز سامي احب وبواسطة موقعنا المحبوب مانكيش كوم ان اوجه لك والى الاخ جورج وعوائلكم  دعوى لحضور مراسيم وحفلة زواج ابنتنا اسيل وذلك في يوم السادس والعشرين من كانون الاول المقبل وحضوركم يسعدنا
                                    اسحق بفرو

توقيع (اسحق بفرو)
رقم المشاركة : #2602

الكاتب : samdesho

مستشار لادارة موقع مانكيش

غير متصل حالياً

المجموعةعضو مميز

المشاركات213

تاريخ التسجيلالجمعة 06-11-2009

معلومات اخرى
حرر في الثلاثاء 02-11-2010 10:42 صباحا
الاخ مسعود المحترم

شكرا لردّك. نعم كنيسة المشرق توسّعت جدا بفضل المبشرين من ابنائها، هذه البعثات التبشيرية قادها خصوصا البطاركة العظام: ايشوعياب الثاني، طيماثاؤس الكبير اضافة الى يهبالاها المغولي. لكن الحالة السياسية غير المستقرة والاضطهاد على الكنيسة المشرقية بصورة متواصلة تقريبا ولحد الان، جعلاها تترنّح تحت الاصطهاد ثم تنكمش. مجزرة كنيسة سيدة النجاة انموذجا حيا نراه اليوم في القرن الواحد والعشرين. فكيف كان الاضطهاد على هذه الكنيسة في الازمان الغابرة؟ الرب يكون في عونها، هذا كل ما نستطيع ان نقوله. مع التحيات.

        سامي خنجرو-استراليا

توقيع (samdesho)
رقم المشاركة : #2603

الكاتب : samdesho

مستشار لادارة موقع مانكيش

غير متصل حالياً

المجموعةعضو مميز

المشاركات213

تاريخ التسجيلالجمعة 06-11-2009

معلومات اخرى
حرر في الثلاثاء 02-11-2010 11:07 صباحا
الخال اسحق بفرو المحترم

في البداية لا يسعني الاّ أن اتقدم مع عوائلنا باجمل التهاني وأحلى الاماني لكم ولعائلتكم الكريمة بمناسبة زواج الحلوة المباركة أسيل في الشهر القادم. كما ونشكركم جزيل الشكر للدعوة التي بعثتها لنا لهذه المناسبة السعيدة. نحن بدورنا نشارككم أفراحكم، لكن الظروف لاتسمح لنا يا خال بالحضور للمشاركة. بالتأكيد قلوبنا معكم وأنتم في القلب. نتمنى لاسيل العروس كل الموفقية مع شريك حياتها( لم تذكر لنا من العريس، لكننا على ثقة تامة ان اسيل قد اختارت ما يناسبها في النزاهة، ونعم الاختيار بمشورتكم انتم وام أيسر. تهانينا ثانية....

بخصوص المواضيع التي تخص كنيسة المشرق، من جانبي أنا مستمر في الكتابة. فلو تتصفّح تاريخ الكنيسة في موقعنا هذا، ستجد مقالات بدأتها من انتشار المسيحية في الشرق، الى المقالة الاخيرة هذه. وتقبلوا خالص تحياتنالكم جميعاوللاقارب هناك في كاليفورنيا...

          سامي خنجرو

توقيع (samdesho)