المنتدى » المكتبة المسيحية » يوحنا الذهبي الفم، حياته وكتاباته
المشاركة السابقة : المشاركة التالية

يوحنا الذهبي الفم، حياته وكتاباته

الكاتب : زائر

غير متصل حالياً

المجموعةالزوار

المشاركات270

تاريخ التسجيلالإثنين 14-09-2009

معلومات اخرى
حرر في الثلاثاء 24-11-2009 11:54 صباحا - الزوار : 2003 - ردود : 2


يوحنا الذهبي الفم، حياته وكتاباته



تمهيد

آباء الكنيسة هم في التاريخ الكنسي شمس مشرقة لا تعرف المغيب، وهم مثل ينبوع من الماء لا ينضب. تركوا أثراً لا يُمحى ليس فقط في المسيحية وإنما في حياة عامة المسيحيين وقلوبهم، تفاعلوا مع التاريخ فتركوا فيه بصمة لا تمّحي غلبت السنين والزمن.

في تاريخ الكنيسة العديد من هؤلاء الآباء القديسين، ولكن القديس يوحنا الذهبي الفم يبقى من ابرز آباء الكنيسة على الإطلاق وعلى مدى العصور.

في هذه الأمسية نعيش معاً ساعة نتعرف فيها إلى حياة قديسنا وفكره وأبرز أعماله الأدبية واللاهوتية. ولكن دعونا نبدأ من البيئة والزمن اللذين عاش فيهما. لقد قضى القديس يوحنا جلّ حياته في مدينتين من أعظم المدن في التاريخ هما انطاكية والقسطنطينية.

إنطاكية

فيها بين عامي 345 – 355 من عائلة مسيحية تقية. احتلت انطاكية المكانة الثالثة بعد روما والاسكندرية وكانت مركز الحاكم العام لكل آسيا الصغرى والبلاد التابعة لها. حباها الله موقعاً جغرافياً وجمالاً طبيعياً ممتازين، لم يكتفِ أهلها بهذا بل زادوها جمالاً وعظمة من خلال الأبنية و القصور الجميلة والهياكل والكنائس الفخمة و الساحات الفسيحة والملاعب والمسارح فضاهت بجمالها سائر العواصم والمدن غنىً وروعةً.

كان عدد سكانها في ذلك العصر يقدر بحوالي 500 ألف نسمة غالبيتهم من المسيحيين، أو ليس فيها دعي أتباع السيد المسيح لأول مرة بالمسيحيين ؟

وقد اشتهرت أيضاً بوجود مدرسة للبلاغة كان على رأسها واحد من أشهر المعلمين يُدعى ليبانيوس الذي كان خطيب المدينة في كل مناسبة مهمة. وقد تتلمذ على يديه القديس يوحنا في بداية حياته كما سنرى لاحقاً.
كانت حياة الشعب الدينية، مزدهرة ولكنها كانت تعاني أيضاً من تسّرب بعض العادات الوثنية والتي حاربها القديس يوحنا في كل فرصة أتيحت له، كما كان هناك مشكلة أخرى جابهها قديسنا وهي التفاوت الطبقي داخل المجتمع الواحد حيث كانت توجد طبقتان: الأولى غنية مترفة والثانية فقيرة تشكو العوز والحاجة.

القسطنطينية

كانت درة الامبراطورية البيزنطية وعاصمتها، ومقر الكرسي البطريركي الواسع النفوذ، جمعت تحت سمائها السلطتين الدينية والزمنية، وعلى الرغم من تنوع النسيج السكاني فيها إلا أن الثقافة واللغة اليونانيتين وكذلك المسيحية صهرت أبناءها في بوتقة واحدة وفكر واحد. كانت الحياة الدينية فيها أكثر ازدهاراً من تلك التي كانت موجودة في انطاكية وخاصة الحياة النسكية والرهبانية حيث كثرت فيها الأديرة والمناسك وكان لذلك أكبر الأثر على الحياة العامة في المدينة. وكما في انطاكية كان المجتمع منقسماً إلى طبقتين: طبقة الأغنياء المترفين، وطبقة الفقراء المعدمين. وقد اصطدم عمل القديس يوحنا الرعوي بهذه الهوة الواسعة بين الأغنياء والفقراء، وعاش فيها اتعس أيامه.

حياتـه

في انطاكية العظيمة، اليونانية اللغة، والرومانية القسمات، والمسيحية السكان، ولد يوحنا بين عامي 345- 355 من أب ذي شأن عظيم بين قومه إذ كان قائداً في الجيش، ومن أم تنحدر من عائلة يونانية نبيلة، سرعان ما أصبحت أرملة بعد حوالي أربع سنوات من زواجها ولمّا تبلغ عشرين ربيعاً، وكان عمر الصغير يوحنا أنذاك حوالي الثلاث سنوات.

أرادت هذه الأم التقية المؤمنة أن تجعل من الفتى يوحنا رجلاً هاماً في المجتمع وهي التي ضحت بحياتها من أجله، وابتعدت عن كل شيٍ يمكن أن يسبب لولدها الأذى أو أن يسيء إلى تربيته . فبالإضافة إلى التربية الجيدة التي وفرتها له في المنزل أرادت أن ترسله إلى أشهر مدرسة في المدينة لتكون تربيته تامة، وأن يتعلم القانون والفلسفة والفصاحة حتى يمكنه بهذا أن يصل إلى أعلى المراتب والمهام، لذلك لم ترى أمه أفضل من أن ترسله إلى مدرسة الأدب والبلاغة التي يعّلم فيها المعلم الشهير ليبانيوس، الذي أعجب بيوحنا وتحسس موهبته الفذة في البلاغة والبيان. لقد ترك ليبانيوس الفصيح أثراً لا يمحى في شخصية يوحنا بات واضحاً في أغلب كتاباته وخطاباته.

تابع يوحنا حياته على هذا المنوال وبدأ يميل إلى المسرح والجري في الملاعب والساحات المخصصة للركض والرياضة وهو ابن الثامنة عشرة، وكانت حياته مثل بقية الشبان الذين في عمره، إلاّ أنه كان يمتلك شعوراً خفياً يميزه عن رفاقه. بعد فترة من التردد إلى الكنيسة والأديرة والمناسك تعرّف إلى الكثير من الرهبان والنساك مثل القديس اوسابيوس ومكسيموس وعلى الأخص القديس باسيليوس الذي كان يقول ( الحياة الرهبانية أقصر الطرق إلى السماء).

وعلى الرغم من ذلك يبقى الشعور الأساسي في نفسه هو الميل إلى الإنفراد والعزلة ومطالعة الكتاب المقدس، وبدأ بالتردد على المناسك القريبة من المدينة ومحادثة النساك فيها حتى وصل إلى القرار النهائي وقَبِل الحياة المكرسة والتعبد لله.

وقع هذا الخبر كالصاعقة على أمه المسكينة التي كانت تتوقع له مستقبلاً مشرقاً غير هذا، فأخذت تبكي وتذرف الدموع وتتوسل لتثني ابنها عن عزمه، وكانت تقول له ( أتريد يا ابني أن تتركني أرملة مرة أخرى )، ويبدو أنها نجحت في ثنيه عن عزمه فقد قال فيما بعد بهذا الخصوص ( لقد أمسكت بيدي وقادتني إلى غرفتها الخاصة...، وقد فاضت دموعها وكانت زفراتها تقطع نياط قلبي، وعبارتها العذبة الحنونة تزيد في التقطيع. ومما قالته لي: انتظر فراقي لهذا العالم...، وعندما تعيدني إلى التراب وتجمعني إلى أبيك، اذهب حيث تشاء...، ولكن طالما أمك تتنفس وتتألم لا تتركها ولا تُغضِب الرب إلهك إذ تلقيني بلا مبرر وبلا فائدة في لجج من الآلام، أنا التي لم أصنع لك شراً ). يقول يوحنا فيما بعد( إن التقشف والصلاة والصوم لا تساوي بادرة الحب تجاه تلك الأم).

بعد ذلك يبقى على حاله في التردد على المناسك والأديرة ويتعرف في ذلك الوقت إلى القديس ملاتيوس اسقف انطاكية الأرمني الأصل – على الأرجح بعد وفاة أمه- الذي قال عنه:

( وجهه ينضح قداسة وكأنه يبشر بوجهه )، ويصبح تلميذاً خاصاً له، يعيش معه و تسكر شفتاه بخمرة القداسة الطافحة من قلبه. وأوكل ملاتيوس أمر توجيه يوحنا إلى ثيودوروس أشهر وأقدر أستاذ لاهوت في انطاكية، الذي عرف كيف يغرس حب الكتاب المقدس في قلب يوحنا، ويطلعه بعمق على أسرار الدين المسيحي.
في العام 372 ينسحب يوحنا تماماً من العالم إلى إحدى الجبال القريبة من المدينة ليعيش مع ثلاثة نساك يتخذ من أحدهم معلماً ومرشداً له. ويبقى في هذا المنسك حوالي أربع سنوات ثم يقرر أن ينعزل تماماً عن العالم وحتى عن رفاقه النساك وأن يعيش في عزلة تامة وحيداً في أحد الكهوف متأملاً ودارساً للكتاب المقدس، ولعل ذلك ما جعله يحفظ الكتاب المقدس عن ظهر قلب، وهو الذي قال في مطالعة الكتاب المقدس بشكل مستمر: ( فإن الشجرة المغروسة على مجاري المياه لا تتصل بالماء ساعتين أو ثلاثاً في النهار بل اتصالها دائم ليلاً نهاراً. ولذلك تزدان بالأوراق وتعطي الثمار الجيدة في حينها، إن اليد البشرية لا تسقيها، ولكنها تمتص الرطوبة بواسطة جذورها وتوزعها على أعضائها، هكذا الإنسان المواظب على مطالعة الكتب المقدسة والواقف عند ينابيعها يجيز لنفسه المنفعة العظيمة وإن لم يكن لديه من يفسر له الأقوال الإلهية لأنه يشبه الشجرة التي تمتص الغذاء بواسطة جذورها).
وقد بقي الذهبي الفم على هذه الحال مدة سنتين بعدها اضطره المرض الذي نال من جسمه الضعيف إلى العودة إلى المدينة، ولكن عودته هذه كانت نهائية، فهو لن يعود إلى الكهوف والعزلة مرة أخرى وإنما نقل العزلة إلى بيته وبالأخص إلى داخل قلبه.

ليس من السهل تحديد السبب الذي أرجع يوحنا إلى العالم إنما الاقتداء ببولس الرسول وقد كان شديد الإعجاب به، كان الدافع الرئيس، وقد قال هو نفسه: ( لا تكلموني عن الجبال المتعرجة، والوديان المفروشة بالغابات، عن الوهاد، عن الوحدة الصعبة، هذه الأشياء لا تكفي لإزالة القلق من النفس، إنها الشعلة التي وضعها المسيح في قلب بولس ).

ولكن يبدو أن الله يريد ليوحنا دعوة أخرى، فقد أراد له أن يضعه على المنارة لينير الكنيسة بتعاليمه وبحياته. ويبدو أيضاً أن يوحنا لم يقتنع تماماً بأن يعيش الراهب طوال حياته العيشة النسكية، وحسب قوله: ( إن الفضيلة والتقشف إذا لم يضعهما الإنسان في خدمة الناس هما باطلان) ، وقال أيضاً: ( خير للإنسان أن يكون أقل فضيلة ويهدي الآخرين من أن يعيش على قمم الجبال ويرى إخوته البشر يهلكون ).

في العام 381 يُرسم يوحنا شماساً، وفي العام 386 ينال السيامة الكهنوتية ويصبح كاهناً في مدينته حيث يأخذ منحىً خاصاً لحياته الكهنوتية هو الوعظ و التعليم، وقد قال بهذه الخصوص: ( إن الوعظ أسمى كل التضحيات وأفضلها، وبإمكان رجل واحد أن يصلح شعباً ). وقد بقي في انطاكية واعظاً لمدة اثنتي عشرة سنة، عرف بالتمام عقلية شعبه ودرس حالاته كلها فَوَعَظه بطريقة عصره وطرق بلاغته، ففي وسعه أن يتكلم خمس دقائق، وفي وسعه أيضاً أن يتكلم ساعة بل ساعتين، فلا يسكت حتى يخف صوته، وبقي على هذا الحال 12 سنة.

بعد حادثة تحطيم تمثال الامبرطور المذهّب من قبل الشعب الغاضب...، سعى القديس يوحنا للتوسط بين الشعب و الامبراطور الناقم عليه، فنجح في مسعاه وأعاد الأمور إلى طبيعتها السابقة وهنا يبرز يوحنا وكأنه بطل أو ملاك نزل من السماء وأزاح عن الشعب خطر مجزرة محتمة.

وصلت شهرته بعد هذه الحادثة إلى القسطنطينية، وعرف القصر الامبراطوري بما جرى وبموقف القديس يوحنا، فأشار الوزير الأول على الامبراطور أركاديوس بعد وفاة البطريرك نكتاريوس بأن يأتي بيوحنا بطريركاً على القسطنطينية، واستحسن الامبراطور رأي الوزير، فأرسل إلى انطاكية أحد الأشخاص لكي يخطف يوحنا ويأتي به إلى العاصمة، خوفاً من غضب الشعب الذي أحب يوحنا حباً عظيماً كخطيب وكقديس وكراعٍ غيور على النفوس. تمت سيامة يوحنا في 26-2-398 . وهكذا تبدأ صفحة جديدة من حياة يوحنا اتسمت بالتعاسة والحزن والتحدي بعكس المتوقع.

كان الاستقبال الذي أقامه الملك للقديس حافلاً رائعاً. وكم كانت دهشته كبيرة وهو الرجل المتقشف عندما رأى ممرات القصر الامبراطوري مفروشة بالذهب المستورد من الهند، وملابس رجال موكب الامبراطور المذهبة وخيولهم أيضاً. إن هذا لا شيء بالنسبة إلى منظر الامبرطور بردائه الأرجواني وبتاجه المرصع وبصولجانه وبحذائه الأحمر وبهيبة وجهه. دُهِش يوحنا فقال: ( لو أعطي لوجهاء القسطنطينية القدرة لجعلوا كل شيء من الذهب الخالص: الأرض، الجدران حتى السماء والجَلَد ).

وكم كانت دهشته عظيمة حين رأى أن جنون الذهب قد دخل إلى القصر الأسقفي، ففي القصركان كل شيء من الذهب والفضة. وأدرك يوحنا أن نضاله سيكون عنيفاً فهو قديس، ليس له إلا ثوب واحد، ولا يأكل إلا مرة واحدة في اليوم وينام في غرفة خالية من الأثاث على سرير من الخشب. وقد قال للشعب في أول خطاب له من القسطنطينية: (لا أحب أن أخلص أنا وأنتم تهلكون، أنتم صورة الله ).

بدأ البطريرك عمله سريعاً. لقد أراد أولاً أن يجعل القصر الأسقفي بيت راعي الشعب، لا قصراً امبراطورياً. فأمر ببيع جميع الأواني الفضية والذهبية وتوزيع أثمانها على الفقراء، ثم باع السجاد وشيد بثمنه مستشفى للفقراء وباع المقاعد الحريرية والمغاطس الرخامية وأقام بأثمانها مأوى للغرباء. باع المرايا واللوحات والأعمدة، وترك الجدران عارية، وأخيراً باع السرير، والحرير، والمخمل و الخشب النادر حيث كان ينام الأسقف نكتاريوس، وأتى بسرير من ألواح الخشب وبغطاء بسيط. ثم صرف جميع الخدم وأبقى معه فقط أحد الرهبان.

لقد قاوم التبذير وتغير
كل شيء في القصر الأسقفي، ، وبهذا خاب أمل الارستقراطيين والطفيليين وبدأوا بالتذمر منه، غير أن القديس لم يهتم بأقاويلهم الفارغة. وتابع، وهو في القصر الأسقفي، نظام العيش نفسه الذي كان يتّبعه في الكهوف الجبلية في انطاكية : خضار و ماء وعزلة وصلاة. أحبه الفقراء وأبناء الطبقة الكادحة وعامة الشعب الذي وقف معه في أيام عسره، بينما أصبح الأغنياء، الذين خاب أملهم في نيل مآربهم منه، ألدَ أعدائه.
حارب قديسنا الأريوسيين، مستعملاً الطرق نفسها التي كانوا يستعملونها للتأثير على الشعب. من ناحية أخرى عمل كل ما في وسعه لإصلاح الشوائب في اجتماعات المؤمنين للصلاة. لذلك قام بتعزيز الترنيم الجماعي، الذي قال عنه: (يقتلع النفس من الأرض ويحررها من رُبُطِ الجسد ). وأيضاً عمل حتى يشترك الشعب كله في الصلاة، لأن الصلاة هي صلاة الشعب وصوته إلى الله، وأوضح للجميع أن تلاوة المزامير هي صلاة ما زالت نافعة وجميلة لأنها تصور كل حالات الإنسان، وهي تعبّر عن كل آماله ورغباته. وحتى يومنا هذا مازالت لتيورجية يوحنا الذهبي الفم متبعة خاصة في الكنيسة البيزنطية.

كما اهتم بحياة رجال الدين وخاصة الرهبان منهم الذين فُسدوا بسبب ارتباط الكنيسة بالبلاط الامبراطوري. وحارب طبقة الأغنياء بشكل عام وخاصة اللصوص منهم. قال في هذا الأمر: ( إن السرقة لا تكون فقط عندما نأخذ ما لغيرنا، بل نكون سارقين عندما لا نوزع ما نملك). كان يخاطب الغني قائلا ً : ( أود تخليصك من البخل، وجعلك محبوباً من الجميع وحاصلاً على الملكوت. أنا أحبك، أنا طبيبك وأريد نجاتك، ولا أخاف عليك إلا من شيء واحد: الخطيئة ).

لكن التحدي الأكبر كان من الأمبراطورة افذوكسيا المتسلطة والتي كان يُوجّه لها القديس يوحنا الكثير من الانتقادات لسلوكها الأخلاقي غير اللائق، فحقدت عليه وبدأت تتحين الفرص للإيقاع به. وحدث أنه في شهر شباط من العام 400 ترأس يوحنا مجمعاً في القسطنطينية فيه أثنائه فضح أحدُ الأساقفة الجرائم التي كان يرتكبها بعض أساقفة آسيا الصغرى من بيع الدرجات الكهنوتية بالمال وبيع ممتلكات الكنائس والعيش مع امرأة!. وتدخل يوحنا ودعا إلى مجمع في أفسس وأصلح الأمور، لكنه ألَّّب ضده جماعة من الأساقفة الذين سرعان ما اجتمعوا مع الامبراطورة وبعض الناقمين وصمموا على التخلص من القديس.

في مجمع السنديانة الذي دعت إليه الامبراطورة في عام 403 والذي عقد بحضور 36 أسقفاً وبالأخص أسقف الاسكندرية الحسود والطامع في كرسي القسطنطينية وُجّهت إلى القديس يوحنا قائمة اتهامات وجرائم كثيرة ارتكبها، منها: إن الذهبي الفم رقىّ إلى الدرجة الكهنوتية عبداً سابقاً، وأنه يأخذ حمامه يومياً، ثم انه يأكل حبة من العسل قبل الوعظ، ثم أنه يأكل خضاراً على انفراد ويضع النبيذ في الماء في أيام الحر...إلخ.

وهرب يوحنا من قصره الفقير خوفاً من الشعب الذي سيثور إذا ما عرف أن البطريرك تركه، وذهب إلى المنفى. لكن الشعب رغم ذلك ثار وأرغم الحكام على إعادته إلى القصر الأسقفي، ورجع يوحنا وخطب في الجموع قائلاً: ( لا أرغب في حياتي إلا إذا كانت تساعدكم على التقدم في الصلاح، حبكم هو وطني وعائلتي، أنتم إخوتي وأولادي... يا لشرف قطيعي في غيابي ترك الذئاب تهرب ).

عاد الخلاف يظهر مرة أخرى بين القديس يوحنا والامبراطورة التي استدعت من جديد الأساقفة الذين سبق أن حكموا عليه، ولكن هذه المرة ينجحون في مسعاهم وخضع الامبراطور لمشيئتهم، فدخل رسله على القديس في يوم سبت النور وهو في الكنيسة وأمروه بترك الكنيسة فلمّا رفض استعمل الجنود العنف، وجرت مذبحة رهيبة جرت فيها الدماء في الكنيسة كالأنهار.

وهرب القديس يوحنا مرة أخرى حقناً للدماء، فألقي القبض عليه و سجن، وتقرر نفيه إلى مكان بعيد. ذهب أولاً إلى خلقدونية، ثم رحل في العام 404 إلى نيقيه، ثم إلى كيركوز وهي قرية واقعة على حدود الأمبراطورية في أرمينيا الصغرى، ثم إلى منطقة كومان حيث توفيَّ في 14 أيلول من العام 407 .

كتاباته

الآن ننتقل إلى القسم الثاني من هذا الموضوع ألا وهو كتاباته ومؤلفاته التي أغنى بها الفكر المسيحي على مر العصور واكتسب من خلالها لقب الذهبي الفم.

إن إنتاج الذهبي الفم من كتابات ومؤلفات وعظات كثيرة جداً، وتشمل نواحي عديدة من أوجه الحياة المختلفة. ويمكن تقسيم إنتاجه إلى ما يلي:

1- عظات وشروحات إنجيلية

وهي في مجملها تتعلق بشرح الكتاب المقدس وربطه بالواقع المُعاش، وقد اتبع في اسلوبه طريقة الشرح والتحليل العميق من خلال خبرات حياتية عاشها هو بنفسه أو استقاها من الناس والمجتمع، ونسكية من خلال خبراته في هذا المجال.

1- في العهد القديم: نشير إلى سلسلتين من العظات والشروحات لسفر التكوين، الأولى وعددها تسعة كتبها في العام 386 ، والثانية وعددها 67 كتبها في العام 388. وأيضاً سلسلة من العظات والشروحات عن 58 مزموراً منتخباً، و6 عظات تدور حول سفر أشيعيا.

2- في العهد الجديد: 90 شرحاً وعظة عن إنجيل القديس متى. 88 عِظة عن إنجيل القديس يوحنا، 63 عِظة عن كتاب أعمال الرسل.

لكن الغريب أنه لا توجد أي شروحات أو عظات عن إنجيلي القديسين مرقس ولوقا إلا مقطعاً من إنجيل لوقا: 16: 19-31 الذي يدور حول الغني ولعازر، وقد كتب 7 عظات حوله قال فيها: ( إذا وجب علينا أن نقول الحق، فالغني ليس هو المُحاط بأشياء كثيرة أو الذي يملك أشياء كثيرة، بل هو مَن ليس في حاجة إلى أشياء كثيرة. والفقير ليس من لا يملك أي شيء، بل هو الشهواني الذي يشتهي كل شيء، ثِقوا هذا هو المفهوم الحقيقي للغنى والفقر). لكن انتاجه الضخم يبقى من نصيب رسائل القديس بولس وهو المعجب الكبير به. وتَعدُ العظات التي كتبها حوالي 250 عظة. اسمعوا ما قاله في مديح القديس بولس:

( تقبَّل هذا الرسول مواهب الروح القدس متدفقة عليه بغزارة عجيبة. ومن تلك المواهب تتدفق لنا أنهر عجيبة لا أربعة فقط كما في الفردوس بل إنها أكثر جداً ومياهها لا تتعكر أبداً... إن هابيل لقي حتفه من أخٍ له لم يكن قد تصدى له بشتيمة ولا أمده بإحسان، وأما بولس فقد ذبحه أناسٌ كان يريد أن يخلصهم من شرور لا تحصى... طوبى لبولس فقد أظهر كل ما يستطيعه إنسان من اتقاد الغيرة وتمكن من أن يطير إلى السماوات ويرتفع فوق الملائكة ورؤساء الملائكة وجميع القوات السماوية ). وقال أيضاً: ( فهذا الرجل العظيم إذ هو مشتعل بنار المحبة التي هي أولى الفضائل، كان له قلب أشد من لظى النار التهاباً. وكما أن الحديد إذا ألقي في النار يعود كله ناراً، هكذا بولس الملتهب بنار المحبة قد صار كله محبة ).

2- كتابات حول

الحياة الرهبانية، والعفة، والآلام وغيرها... وأيضاً حول:

1- الكهنوت: بحث في سر الكهنوت عقائدياً على شكل حوار بين اثنين أو ربما أكثر... قال في الكهنة والكهنوت: (عندما يدعو الكاهن الروح القدس ويحتفل بالذبيحة الإلهية، وعندما يأخذ بيديه رب الطبيعة الأسمى، أسألك في أي منزلة نضعه ؟ كيف تكون اليدان اللتان تُستخدمان لهذا السر ؟ كيف يكون اللسان الذي ينطق بالكلمات التي تعرفها ؟ وهل هناك درجة في القداسة والطهر أرفع من هذه الدرجة التي تَرقى إليها النفسُ التي تستقبل روح الله ؟ مع الكاهن تَحضر الملائكة وتنشد الأجواقُ السماوية أناشيدَها فتَعبقُ الأجواء حول المذبح بالترانيم إكراماً للذبيحة المرفوعة. إنه المسيح هنا. وهو الذي هيأ هذه المائدة، وهو أيضاً من يُؤخذ منها ). وإليك ما ورد في عظاته الأخرى عن الكهنوت: (ان كان الملك قد أؤتمن على الأرضيات فإني قد اؤتمنتُ على السماويات، وإذا قلت أنا فقد عنيت الكاهن. إذن إن وجدتَ كاهناً رديئاً فلا تتهم الكهنوت فاللوم ليس عليه ولكن أَقبِل بلومِكَ على الذي يسيء استعمال الأمر الجيد. وإذا وقعتَ يوماً في جدال وقيل لك: ألا ترى ذلك المسيحي ؟ قل: لا أجادلك في الأشخاص وإنما حديثي في الأشياء. فما أكثر الأطباء الذين أضحوا رسل الموت فجادوا بالسموم بدل الأدوية، ومع هذا فلا يُتهم الطبُّ بذلك بل الذي يسيء استعمال مهنته).

2- التربية: إن القديس يوحنا الذهبي الفم، وهو يعطي التوجيهات في أمور التربية، يقرر أول ما يقرر أن تربية الأطفال تتركز وينبغي أن تتركز في المنزل. يقول إن الأب يفكر في كل الوسائل، ليس التي بها يوجّه حياة الطفل بحكمة، بل التي بها يزينه ويلبسه الملابس والحلي الذهبية. لماذا تربي ابنك على هذه الرفاهية وهو لا يزال يجهل معنى هذا البذخ ؟ إن الحاجة إلى المرشد القوي الذي يوجّه الصبي، وليس إلى المال الذي يغرس فيه منذ البداية الولع المفرط بالثروة، ويعلّمه ويثير فيه الأشياء العديمة المنفعة. ويؤكد القديس يوحنا على موضوعين أساسيين في تربية الطفل: الأول- أن الوالدين مسؤولان عن تربية أولادهما. والثاني- ينبغي عليهما توجيه تدريب أولادهما نحو الحكمة. وليس على الوالدين أن يكونا مرشدين حازمين بل أيضاً ناقدين غيورين، ويجب أن يشكلا الطفل، فالوالدين بحسب تعبيره هم مثل صانعي التماثيل، يزيلون الزوائد ويضيفون النواقص، يفحصون أولادهم يوماً بعد يوم ليروا أي صفة جديدة حصلت عليها طبيعتهم حتى يُكثِروا منها وأية أخطاء حتى يستأصلوها.

وقد حدد القديس يوحنا عدة فضائل حميدة يمكن للوالدين أن يساعدا الأولاد على بلوغها، وأيضاً حدد سجايا رديئة وانفعالات غير مرغوبة للتخلص منها. فمن الفضائل: الإعتدال، الإزدراء بالثروة والشهرة، اللطف، التقوى، السمو في الكلام، الرصانة، الاستقامة، تمجيد الله، الصلاة، الوقار، قمع الذات، البساطة، الرزانة، الحكم السليم على الأمور، الثبات، الشكر، الفهم، التيقظ، العفة. ومن الخصائل الرديئة: السكر، زلاقة اللسان، الحماقة، الحقد، العجرفة، الخلاعة، كلام الفسق، المشاكسة، التهور، الانحلال الخلقي، حدة الطبع، الإفتراء، الحلف. ويسجل الذهبي الفم أمراً أخر فيقول: إنه يجب تعليم الطفل الأكبر أن يفضّل أخاه الأصغر في كل شيء.

3- خُطب في مواضيع مختلفة


1- خطب بحسب الأوضاع المحيطة: من أهمها 21 خطبة عن التماثيل. قال في إحداها:

( أ أسقطوا تماثيلَكَ ؟ ولكن في طاقتك أن ترفع أجمل منها. احجم عن معاقبة المسيئين وتجاوز عن عقابهم فيرفعوا لك ليس تمثالاً من النحاس منصوباً في الساحة أو نُصباً من الذهب أو المرمر، بل تمثالاً مغشى بأبهى حُلة من العطف والرأفة، ينصبونه لك كل واحد في داخل نفسه، فتصبح تماثيلك بعدد قاطني المسكونة والذين سوف يقطنونها ).

2- مدائح لبعض الشخصيات: مثل يعقوب النبي و القديسين والشهداء.

3- خطب ذات طابع جدلي : عقائدي. مثال كتاباته ضد المسيحيين-اليهود.

4- خطب ذات طابع لاهوتي أخلاقي: حول التعليم الديني والتوبة والإحسانات المادية والمعنوية وأعمال الخير. يقول في مساعدة الفقير: ( لا أكلم الأغنياء فقط بل الفقراء أيضاً ولا الأحرار فقط بل العبيد أيضاً، ولا الرجال فقط بل النساء أيضاً، فلا يستثني أحد نفسه من هذا العمل الصالح وتذكروا الأرملة التي ذكرها الإنجيل بأنها قدمت كل ما عندها ).

5- خطب في مناسبات دينية: عيد الميلاد، وعيد الظهور الإلهي، وعيد الفصح المجيد. الذي كتب فيه ما يلي:
( من كان تقياً محبا للهً، فليتمتع بهذا الموسم البهي. من كان حكيماً، فليدخل إلى فرح ربه مسروراً. من تحمل مشقة الصوم، فلينل الآن الدينار، ... أيها الأغنياء والفقراء، أيها
الممسكون والمتوانون، كرموا هذا النهار. أيها الذين صاموا والذين لم يصوموا، افرحوا اليوم. المائدة حافلة، فتنعموا كلكم. العجل سمين، فلا يخرج أحد جائعاً. لا يبكين أحد زلاته، لأن الغفران أشرق من القبر. لا يخشى الموت أحد، لأن موت المخلص قد حررنا. أخمدَ أنفاس الموت حين قبض الموت عليه. سبى الجحيم الذي انحدر إلى الجحيم. غاظها لما ذاقت جسده. ذلك ما أدركه النبي أشعيا سابقاً فأعلن قائلاً: اغتاظت الجحيم لما لقيتك أسفل. اغتاظت لأنها أُبطلت. اغتاظت إذ قد هُزىء بها. اغتاظت لأنها أُميتت. اغتاظت لأنها أُبيدت. اغتاظت لأنها قُيدت. تناولت جسداً فصادفت إلهاً. تناولت أرضاً فلقيت سماءً. أين شوكتك يا موت ؟ أين غلبتك يا جحيم؟ قام المسيح والملائكة جذِلَت. قام المسيح والحياة انتظمت. قام المسيح ولم يبقَ في القبر ميت. لأن المسيح بقيامته من بين الأموات، صار باكورة الراقدين. فله المجد والعزة إلى دهر الداهرين).







توقيع (زائر)

 

(آخر مواضيعي : زائر)

  أجراس و الشوق الطويل

  العراق بلد في مهب الريح

  دفتر الرسم

  حكومة الملائكة

  الحرب العالمية الإعلامية الأولى

 

 

 

 تنبيه : جميع الاراء الواردة تعبر عن رأي أصحابها و لا علاقة لإدارة موقع مانكيش كوم بها

 

جميع المواد المنشورة في موقع مانكيش كوم بكل أقسامه لا تُعبّر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع

ويتحمل صاحب الموضوع المسؤولية كاملة عما نشره وجميع ردود الفعل المترتبة عليه

 

رقم المشاركة : #124
الكاتب : meme 26

غير متصل حالياً

المجموعةالاعضاء

المشاركات282

تاريخ التسجيلالجمعة 06-11-2009

معلومات اخرى
حرر في الثلاثاء 24-11-2009 01:10 مساء
رائع أخ مارسين عاشت أيدك.

 

توقيع (meme 26)
كل الظلام الذي في الدنيا لا يستطيع أن يخفي ضوء شمعة مضيئة

http://www.iraqup.com/up/20100211/dM8kK-3Ug5_326780392.jpg
رقم المشاركة : #126
الكاتب : زائر

غير متصل حالياً

المجموعةالزوار

المشاركات270

تاريخ التسجيلالإثنين 14-09-2009

معلومات اخرى
حرر في الثلاثاء 24-11-2009 02:27 مساء
شكرا ميمي على المرور

توقيع (زائر)