المنتدى » منتدى الكتابات الروحانية والدراسات المسيحية » البدع والهرطقات في القرون الأولى للمسيحية - الجزء الثامن
المشاركة السابقة : المشاركة التالية

البدع والهرطقات في القرون الأولى للمسيحية - الجزء الثامن

الكاتب : وردااسحاق

غير متصل حالياً

المجموعةالمشرفين

المشاركات1293

تاريخ التسجيلالسبت 02-01-2010

معلومات اخرى
حرر في الإثنين 18-06-2012 07:38 مساء - الزوار : 5673 - ردود : 1

البدع والهرطقات في القرون ألأولى للمسيحية – الجزء الثامن


الفرق الغنوصية


نافع البرواري


 


رابعا : بدعة مرقيون أو مارسيون


--------------------------------


ولد مرقيون في سينوب ، في بلاد البنطس ، الواقعة على الشاطئ الجنوبي للبحر ألأسود في آسيا الصغرى , سنة 85 م . وكان والده أُسقفا من عائلة تنتمي الى طبقة ألأشراف . جاء الى روما حوالي سنة 140 م ، أيّام حكم ألأمبراطور " أنطونين التقي " والتحق بمؤمني كنيسة روما . وعلى رغم أنّه وهب الكنيسة أمواله لأنّه كان رجلا غنيّا ، فلقد أستُبعد بسبب تعاليمه التي شقّت الكنيسة ، فاصبح هو بدوره رئيس كنيسة هرطوقيّة منظّمة تنظيما محكما انتشرت انتشارا سريعا ، وكان ما يزال لها جماعات في سورية في القرن الخامس . لقد علَّم مرقيون أنَّ المسيحية هي دين الحق ، وأعلن تمسكه الشديد بها ورفضه للدين اليهودي الذي ناصبه العداء ، ألأمر الذي جعل بعض المؤرخين يُلصقون به تهمة معاداة الساميّة . ففي نظره ، المسيح يمثل الخير ، في حين أنَّ يهوة ، اله اليهود ، اله قاسِ شرس لايستطيع أن يصل في وصاياه الى أكثر من العدل أو الحق : "العين بالعين والسن بالسنّ" . كذلك ينكر "مرقيون" وجود أيّ علاقة على ألأطلاق بين المسيحية وما سبقها من أديان ، سواء كانت يهوديّة أو وثنية . فالمسيحية ليست ، في نظره ، امتدادا أو تطوّرا لليهودية ، بل هي مختلفة كُلِّ ألأختلاف عنها . والمسيح لم يولد من أمراة ، ولكنّه هبط فجأة من السماء في مدينة كفرناحوم في السنة الخامسة عشر من عهد ألأمبراطور "طيباريوس " ليكشف للبشر عن اله الخير الذي أوفده اليهم . وليس لهذا المسيح أي علاقة بالمسيّا (المشيح) الذي بشّر بمجيئه العهد القديم . أمّا ألأله الحقيقي ، في رأي "مرقيون" فهو اله محتجب . هو ألأله المجهول الذي تحدّث عنه القديس بولس في "أوريوس باغوس"  (أعمال الرسل 18 : 23)، والذي ظهر في شخص يسوع المسيح ليخلص الناس من ألأله اليهودي يهوة . هذا المسيح لم يمت على الصليب ، ولم يدفن ، ولم يقم من الموت ، لكن جسده كان طيفا أو شبحا ، اختفى فجأة ليبشّر الموتى في الهاوية ، ثم رجع بعد ذلك ليقوم بعمله كالآب المحتجب في السماء( والأسلام اخذ فكرة عدم صلب المسيح من هذه الهرطقة ) . كذلك رفض" مرقيون "


أجزاء كثيرة من العهد الجديد . فلم يقبل من ألأناجيل ألأربعة إلاّ أنجيل لوقا  بعد أن إستبعد منه الفصول ألأربعة ألأولى ، حتى يتفادى نسب يسوع الى اليهود ونسل داود .حتى أعمال الرسل رفضها لأنَّه إعتبر أنّ فئة من المسيحيين  المتهوّدين قد كتبتها . قال فيه ترتوليانوس القرطاجي" :" إنّ مرقيون يُعلِّم الكتاب المقدس لا بقلمه بل مشرطه (مقصِّه) مستأصلا كُلِّ ما لايوافق تفكيرهُ " .


لمرقيون كتاب أسمه "النقائض" والذي يقول فيه(نقلا عن الشريعة في العهد القديم )  "أحب جارك وأكره عدّوك .....والعين بالعين والسن بالسن " بينما اله العهد الجديد يوصينا بأن نحبَّ أعداءنا ونبارك لاعنينا . وبما أنَّ مشكلة الشرّ في العالم قد شغلته كليّا ، كان أعتقاده أنَّ المادة هي الشرّ الكلي  ، وأنّ هذا الشر لايقتصر على الجسد بل يمتد الى الروح والجسد .  وأنتهى به هذا الأعتقاد الى أنَّ ألأله الحقيقي لا بدَّ أن يكون منفصلا تاما عن أي شيء مادي . ومما لاشكل فيه أنّ ايمانه بان جسد المسيح ليس سوى طيفِ انما هو نتيجة طبيعية لمقته الشديد للمادة  . وعلى رغم  التزامه المسيحيين بقوانين ألأخلاق ، فإنّهُ نادى بأقصى درجات التفشُّف والزُهد وعدم ألأشترك  في أيِّ احتفالات دينية  ، فضلا عن ألأمتناع عن الزواج وأكل اللحوم وشرب الخمر . ولم يسمح بأكل السمك . كما أنّه سمح بتعميد ألأزواج شرط أن يتعهَّدوا بالأمتناع عن ممارسة الجنس . ولقد أستبعد الخمر في المناولة ، واحتفظ بالخبز المقدّس . وكان يعطي المعمّذين حديثا لبنا ممزوجا بالعسل . والغريب أنَّه سمح للسيدات بممارسة شعائر العماد وهو ألأمر الذي رفضته الكنيسة تماما .


وبأختصار لم تكن المرقيونيّة مجرد فلسفة بل كانت كنيسة أو تنظيما دينيّا له أتباعه المنتشرون في أوروبا ومصر وشمال أفريقيا وقبرص وسوريا . وأستمرت حتى القرن الخامس الميلادي . ولشدة خطرها قال القديس "يوستينوس الروماني" الشهيد إن "مرقيون" أخطر مبتدع في عصره ، حتى أن الكنيسة ، قبل موته سنة 160م أعادت اليه كل عطاياه المالية . ويقال أيضا انه عندما تقابل مع القديس "بوليكربوس"  أسقف ازمير في روما سأله "هل تعرفني ؟ " فأجابه "بوليكربوس": نعم .أنت ألأبن ألأكبر للشيطان " (1) .


جاء في كتاب " تاريخ الكنيسة  ليوسابيوس القيصري- الفصل الرابع والعشرون- "مايلي :


"في زمن ثيوفيلس ، أسقف إنطاكيا ، الذي كتب مؤلف عنوانه " ضد هرطقة هرموجيس" . ونظرا لأنَّ الهراطقة كانوا وقتئذٍ – كما في كُلِّ وقت آخر – كالزوان ، مفسدين الحق النقي الذي للتعاليم الرسولية ، فإنَّ رعاة الكنائس في كُلِّ مكان ، أسرعوا لصدِّهم – كوحوش مفترسة – عن حضيرة المسيح ، تارة بنصح ألأخوة ، وتارة اخرى بالنضال ضدّهم بصرامة في مناقشات شفوية وفضح ضلالهم، وكذلك بتصحيح آرائهم ببراهين قويّة في مؤلافات مكتوبة .  وقد ناضل ضدهم (الهراطقة) ثيوفيلس هذا مع غيره . وهذا ما يتَّضح من بحث جليل الشأن  كتبه ضد "مركيون".


وفي الفصل الخامس والعشرين من نفس الكتاب اعلاه ، جاء ماليلي "


" كذلك ألّف فيليبس (اسقف أبرشية جورتينا ) مؤلفا بليغا ضد مركيون ، كما فعل إيريناوس ومودسيتوس ، وهذا ألأخير قد فضح ضلال الرجل  أكثر من كُل الباقين"(2).



لقد ردَّ القديس اغناطيوس الانطاكي (110م) في رسالته إلى السميرنيّين، قائلاً: إن لم يعِش يسوع ويتألم إلا في الظاهر، فنحن أيضًا لم نخلص إلا في الظاهر، إذاك تتحول كل الحقائق في المسيحية إلى أمور ظاهرية . أن يكون يسوع، ابن الله، في الوقت عينه إنسانا حقيقياً تاماً، ليس حقيقة واقعية وحسب، بل حقيقةٌ خلاصية. فلأن الله دخل جسدياً في لحمنا ودمنا البشريين افتدانا أيضاً في بشريتنا. إنه جمع في يسوع المسيح كياننا البشري بجملته (القديس إيرناوس أسقف ليون - القرن الثاني)، ومنذ ذلك الحين لم يعُد أي بعد بشري خارجاً عن الله أو بعيداً عنه. فالله في يسوع المسيح اتخذ كل ما هو بشري وقدسه. ومن ثم فالخلاص والفداء ليسا خلاصاً روحياً للنفس وحسب، ولكنهما يهدفان إلى خلاص الإنسان في كل كيانه. من بشرية هذا الخلاص أيضاً وُهب لنا بيسوع المسيح على نحو بشري. ومن ثم فبشرية يسوع ليست إذن قناعاً لله، ولا أداةً ميتة، ولا نوعاً من دمية بين يدي الله. فهو يحقق الخلاص من خلال طاعته وخدمته البشريتين. وهكذا أصلح بطاعته عصيان آدم. وإذا كان باستطاعة يسوع المسيح أن يفدينا، فما ذلك إلا لأنه ليس إلهاً حقيقياً وحسب، بل لأنه إنسان حقيقي (أنسيلم أسقف كانتربري ( 3)..


كتب العلامة  ألأب بولس الفغالي موضوع عن " مرقيون  في الكتاب المقدس "جاء فيه :


"حين نقرأ  ما بقي لنا من آثار مرقيون ، نكتشف أنَّ هذا الذي أسَّس كنيسة تُقابل الكنيسة الكاثوليكية ما زال حيّا حتى اليوم . فهو يرفض العهد القديم باسم العهد الجديد ، ويفصل اله موسى عن اله يسوع المسيح ، بل يعتبر أنَّ أسفار العهد الجديد ، ولا سيّما ألأناجيل ، قد دخلتها أمور يهودية . لهذا يجب أن نُطّهر العهد الجديد من شوائب عُلِّقت به بسبب اليهوديّة المسيطرة . وهو ينطلق من بولس الذي نال وحيا خاصا ، ومن لوقا الذي هو تلميذ بولس ، وهكذا يكوِّن ديانة خاصة نجد آثارها اليوم لدى عدد من الذين يسمّون نفوسهم " بحّاثة " مع أنّهم ينطلقون من أمور مسبقة فيسخِّرون نصَّ الكتاب المقدس من أجل أغراضهم الشخصية التي قد لا تكون بعيدة عن حب المال الذي أعتبره بولس أصل كُلِّ الشرور (1 تيموثاوس 6 : 10 )


حين جاء مرقيون الى رومة ليتفلَّت من محيط سينوب ، بدا فقدّم الى الجماعة المسيحية هناك هديّة تتألف من 200 ألف سسترس . يروي ترتليان في كتابه ضد مرقيون أنَّ مرقيون قدّم هذه الهدية السخيّة "في حرارة إيمانه ألأولى "  ، وأنَّهُ ما صار هرطوقيا إلاّ بعد أن تتلمذ لقردون وخلفه في هرطقته.


يتحدَّث القديس  ايريناوس عن قردون وتأثيره على مرقيون فيقول :


"وأنطلق قردون هو أيضا من تعليم الذين حول سيمون الساحر (سبق وان كتبنا عن سيمون الساحر الغنوصي في مقالة سابقة ) . اقام في رومة في أيّام هيجين


ّالذي كان تاسع من تسلَّم الوظيفة ألأسقفية بالتسلسل من الرسل ، وعلَّم أنَّ ألأله الذي أعلنته الشريعة وألأنبياء (في العهد القديم ) ليس أبا ربِّنا يسوع المسيح، فألأول عُرف والثاني لا يعرف . واحد هو عادل وألآخر صالح ".....


ونورد هنا نصا يُجعل فكر مرقيون كما نقرأه في إيرينه (ايريناوس) ، ضد الهرطقة


"خلفه (قردون) مرقيون البنطي (الذي من بنطس) الذي توسّع في تعليمه وجدّف بوقاحة على ألأله الذي أعلنته الشريعة والأنبياء (أي العهد القديم ) : في رأيه (رأي مرقيون)، هذا ألأله هو كائن مسيء يحب الحرب ، ومتقلِّب في أحكامه ، ومتضارب مع نفسه . بألأضافة الى ذلك ، شوَّه مرقيون ألأنجيل بحسب لوقا ، فأزال منه كُلِّ ما يتعلق بولادة الربّ، وحذف أيضا عددا من تعاليم الربِّ ، ولاسيّما تلك التي يقرُّ فيها بأوضح عبارة أنَّ خالق هذا العالم هو أبوه . وهكذا اقنع(مرقيون) تلاميذه أنّه أهل للتصديق أكثر من الرسل الذين كتبوا ألأنجيل ، ووضع بين أيديهم ، لا ألأنجيل ، بل جزءا صغيرا منه . وشوّه ايضا رسائل الرسول بولس فألغى جميع النصوص التي فيها يشير الرسول الى نبوءات تعلن مسبقا مجي الرب " . حسب مرقيون ، لا خلاص إلاّ للأنفس التي تعلمت تعليمه . أما الأجساد التي من التراب ، فلاتشارك في الخلاص " .


جعل ايرينه(ايريناوس ) مرقيون مع الغنوصيين الذين يشدّدون على المعرفة الباطنية ، ويعتبرون المادة شرّا بحيث لا يكون للكلمة أن يتجسَّد ، أن يلبس المادة . لاشك في أنَّ مرقيون لامس الغنوصية ، ولكنّه في الواقع لم يكن غنوصيّا مثل باسيليد وولنطين وهرقليون وغيرهم . فهو يُعتبر أوَّل "مصلح" في الديانة المسيحيّة ، ومُعيد ألأعتبار الى تعليم بولس الذي سيصبح في القرن التاسع عشر مؤسِّس المسيحية ، مع أنَّه يسمّى نفسه "عبد يسوع المسيح " وخادمه .


مشروع الخلاص بالنسبة الى ألأنسان


----------------------------------------


بعد هذه النظرة السريعة الى فكر مرقيون وإرتباطه بالعالم الغنوصي ، وقبل التوقف عند اتِّجاهه بالنسبة الى الكتاب المقدس ، نعالج تعليمه حول خلاص ألأنسان "أو السوتيريولوجيا ) ، وحول تكوين ألأنسان (أو ألأنتروبولوجيا).


1 – مرقيون والخلاص في المسيح


نبدأ فنقرأ هذا المقطع من ترتليان في كتابه ضد مرقيون . فهو يعطينا نقطة ألأنطلاق في تعليمه حين يحاول أن يطرح مشكلة الشر :


"تألَّم مرقيون ، شأنه شأن عدد كبير من الناس ولاسيما الهراطقة ، بسبب مشكلة الشر ، وضعفت عيناه بسبب إفراطه في الفضولية . عندئذ وجد كلمة الخالق  : "أنا الذي خلقتُ الشرور" "اشعيا 45 :7 ". وبقدر ماظنَّ  أنّ الخالق هو صاحب الشر مستفيدا من براهين أخرى تقنع العقول الفاسدة  في هذا ألأتجاه ، قدر ذلك فهم في تفسيره أن هذا الخالق هو الشجرة الرديئة التي تحمل ثمارا رديئة، أي الشرور .


        وهكذا أعتقد أنَّه يجب أن يوجد اله آخر يقابل الشجرة الصالحة التي تحمل ثمارا صالحة . وهكذا أكتشف في المسيح تدبيرا آخر مصنوعا كُلّه من الصلاح ، لأنَّه يعارض تدبير الخالق . فأستنتج بسهولة وعن طريق البرهان ، إلها جديدا وغريبا كشف عن نفسه في مسيحه.............."


أ – نقطتان أساسيّتان : في أساس نهج مرقيون ، هناك نقطتان أساسيتان ، كما يقول ترتليان : معارضة بين الشريعة وألأنجيل . ثم ، مجانية الخلاص المطلقة في المسيح . لا علاقة للشريعة بالأنجيل ، لأنّها ترتب باله يختلف كل ألأختلاف عن اله ألأنجيل . فالعهد القديم كُلُّه يقف على مستوى العدل ، على عدالة مخيفة تفرض على ألأنسان عبودية تسحقه . والاله الخالق في هذا العهد القديم ، هو اله اليهود الذي يضرب ألأبرار والخطاة معا . أمّا اله العهد الجديد ، فهو غير هذا ألأله . هو اله صالح ، وغريب عن عالمنا ، وغريب عن الذي خلق العالم . هذا ألأله يعرف كلّ شيئ ، ولاسيّما شقاء الأنسان . وما توقع أحد كيف يكون لو لم يكشف عن نفسه . إذن ، ما أنتظره أحد ولا تصوّره إنسان .


ب – تعليم عن الخلاص : إنَّ "أبا المراحم واله كلِّ تعزية " (2كو 1: 3 ) جاء في يسوع المسيح  يعلن إنجيل المحبّة لجميع البشر ، لا لعدد قليل كما يقول مرقيون ، بعد أن يلغي من البشرية اليهود المرتبطين بالأله الخالق . ولا نتمثَّل المسيح بشكل ماسيّا ينتظره اليهود فتحمل رسالته في كلِّ مكان تسلّط الشريعة.


وبما أنَّ يسوع هو تجلّي ألآب ، أو بما أنَّ ألآب يتماهى مع يسوع بعد أن تجرّد من بشرية مستعارة ، فهو يكاد لايتميّز عنه  . هو ما ولد من إمرأة ، وما عرف النمو البشري البطيء ، بل ظهر فجأة ، ناضجا كل النضوج في مدينة كفرناحوم  . من أجل هذا ، حذف مرقيون إنجيل الطفولة من لوقا ، ويبدأ ألأنجيل الخاص به في الفصل الثالث من إنجيل لوقا . ومع ذلك ، أراد المسيح حقا أن يحتمل ألآلام ، فأختار الموت على الصليب لكي يتحدّى الخالق الذي لعن الصليب . غير أنَّ جسد يسوع لم يكن مصنوعا من عناصر مادية مثل اجسادنا . بل كان يظنُّ أنَّه من لحم ودم  . كان خيال الجسد ، روح الخلاص. اشترى يسوع ألأنسان بموته . هو ما أفتداه ، لأنَّ الفداء يفضُّ التضامن . ولكن يسوع ظلَّ غريبا عن ألأنسان " .


 فيرد ترتليان على مرقيون : " المسيح أحبَّ هذا ألأنسان ، هذا الدم ( المتجمّد) الذي تكوّن في الحشا وسط القذارات ، هذا ألأنسان الذي جاء الى العالم بواسطة ألأعضاء النجسة . من أجله نزل . من أجله بشَّر . من أجله تنازل بكل تواضع حتى الموت بل موت الصليب (فل2 :8) في الظاهر ، أحبّ ذاك الذي أفتداه بثمن كبير (1كو6 : 20 ، 7 : 23 ) . إن كان المسيح جاء من الخالق ، وجب عليه أن يحبَّ ما يخصّه . ولكن إن جاء من اله آخر ، فيحبّه حبا أكبر بعد أن إفتدى فيه غريبا . وهكذا أحب في الوقت عينه ، ألأنسان ، وأحب ولادته ، وأحب لحمه ودمه " .


2- تعليم مرقيون عن ألأنسان


"إذا اراد ألأنسان أن يدخل الملكوت ، وجب عليه أن يحيا بحسب روح التطويبات ، التي تعارض معارضة جذرية الشريعة القديمة . لهذا برزت الحاجة لنسك قاس جدا ، من أجل تدمير أعمال الخالق واحتقارها ولعنها . هذا ما يورده ترتليان في كتابه حول الصوم ، فيتبعه إيرونيم في ردَّه على يوفينيان: هناك العفّة الدائمة والصوم كُلِّ سبوت السنة . بالأضافة الى ذلك ، يجب ألأمتناع عن ممارسة الحياة الجنسية لئلا يتواصل عمل الخلق . وهكذا نكون في قلب الحركة التعفُّفية. والزواج هو تجارة الفحش والفجور(62) . هو زنى وتعدِّ على ألآخر ".


هنا نقرأ ما قاله إيريناوس في كتابه على الهراطقة : " هناك أناس يستلهمون ساتورنين ومرقيون ، ويسمّون المتعفّفين . يعلنون رفض الزواج ، ويتخلّون عمّا جبله الله في القديم (ألأنسان ) ، ويتَّهمون بشكل غير مباشر ذالك الذي صنع الرجل والمرأة من أجل ألأنجاب (راجع تك 1 : 27 – 28) . أدخلوا العفّة (ألأمتناع) عمّا يسمّونه "حيواني" ، وأنكروا جميل ألأله الذي صنع كلّ شيء . كما أنكروا خلاص ألأنسان ألأول ..... أعلن (تاتيان) في خطى مرقيون وساتورنين أنَّ الزواج فساد وفجور وأعتبر أنَّ الكلام عن خلاص آدم يعارض نفسه بنفسه "


نظرة مرقيون الى الكتاب المقدّس .


-------------------------------


إتجاه مرقيون في هذا المجال إتجاه غنوصي ، ولاسيّما حين ينقّي نصوص العهد الجديد من كُلِّ شائبة ، فينزع منه كُلِّ المقاطع التي تربطه بالعهد القديم . ألغى مرقيون التماهي بين أبي المسيح وخالق الكون ، بين المسيح وأبن الله الذي صنع السماء والأرض ، بين أبي يسوع المسيح واله اليهود . ومنذ البداية ، رذل العهد القديم كُلّه لأنّه يرتبط باله اليهود هذا الذي لايمكن إلاّ أن يكون شريرا ومنتقما .


إعتقد مرقيون أنّ اليهود حرَّفوا إنجيل يسوع ألأصلي (*)، فأدخلوا فيه عناصر من عندهم . لهذا حاول المسيح أن يعيد ألأنجيل الى شكله ألأول . ولهذا أيضا دعا الرسول بولس . غير أنَّ الرسائل نفسها حرَفها أعداء بولس . من أجل هذا ألغى مرقيون أناجيل متى ومرقس ويوحنّا . ورذل كُلِّ ما أعتبره تحريفا يهوديا في إنجيل لوقا الذي يرى أنَّه يتضمَّن جوهر إنجيل المسيح . وأستبعد مرقيون من الرسائل البولسية الرسائل الراعوية والرسالة الى العبرانيّين . كما أزال بعض المقاطع من الرسائل التي قبل بها (4).


كان للمواجهة التي تمت بينه وبين القديس بوليكاربوس عام 155م ألأثر الكبير في رجوع عدد كبير من أتباع ماركيون الى الكنيسة . أصدرت الكنيسة قرار الحرم الأول عام144م ضد ماركيون ويعتبر هذا هو أول تاريخ لأنشقاق جماعة في جسد الكنيسة (5) .


 



 



 


 (1) (الكنيسة الكاثوليكية والبدع للأب جورج رحمة ) .


 (2) راجع تاريخ الكنيسة ليوسابيوس القيصري .


 


( 3) راجع  الموقع ادناه


http://www.christian-guys.net/vb/showthread.php?90186-%C7%E1%E3%D3%ED%CD-%DD%ED-%C7%E1%CA%DD%DF%ED%D1-%C7%E1%E1%C7%E5%E6%CA%ED


(4) راجع المواقع  أدناه


 http://www.boulosfeghali.org/home/index.php?option=com_content&view=article&id=5205%3A-lr-&catid=415%3A2010-04-12-10-21-26&Itemid=128


http://www.boulosfeghali.org/home/index.php?option=com_content&view=article&id=5207%3A-1&catid=415%3A2010-04-12-10-21-26&Itemid=128


 


 


(5) راجع الموقع أدناه


 


http://www.coptcatholic.net/section.php?hash=aWQ9MTE0


 


(*)(ومن جذور هذه الهرطقة أستمد علماء المسلمون إدِّعائهم  تحريف الكتاب المقدس )



توقيع (وردااسحاق)
فأنا لا أستحي بالأنجيل ، لأنه قدرة الله للخلاص ، لكل من يؤمن رو 16:1

 

(آخر مواضيعي : وردااسحاق)

  صوم دانيال وتحديه لقوانين نبوخذنصر

  الصوم في المسيحية ... أهميته وغاياته

  وعي وجهل يسوع الإنسان

  الألعاب والنشاطات الترفيهية والتراثية في منكيش

  اليهود وشهود يهوه وجهان لعملةٍ واحدة

 

 

 

 تنبيه : جميع الاراء الواردة تعبر عن رأي أصحابها و لا علاقة لإدارة موقع مانكيش كوم بها

 

جميع المواد المنشورة في موقع مانكيش كوم بكل أقسامه لا تُعبّر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع

ويتحمل صاحب الموضوع المسؤولية كاملة عما نشره وجميع ردود الفعل المترتبة عليه

 

رقم المشاركة : #4360
الكاتب : وردااسحاق

غير متصل حالياً

المجموعةالمشرفين

المشاركات1293

تاريخ التسجيلالسبت 02-01-2010

معلومات اخرى
حرر في الثلاثاء 19-06-2012 07:05 مساء

شكراً لك أخ نافع على هذا البحث الدقيق عن بدعة المرقيون التي أسسها الهرطوقي  (مرقيون ) في القرن الثاني في بلاد البنطس ، لكن يد الرب كانت مع الكنيسة لكي يبقى تعليمها نقياً وطاهراً لأن روحه القدوس كان يعمل برسله الحقيقيين الذين جابهوا تلك التيارات المضادة للتعليم القويم الذي أسسه رب المجد ونشروه بقوة وسرعة رسله وتلاميذه الحاملين نور الروح الذي طهر الكنيسة من كل شائبة  بركة الرب معك والى المزيد من العطاء .



توقيع (وردااسحاق)
فأنا لا أستحي بالأنجيل ، لأنه قدرة الله للخلاص ، لكل من يؤمن رو 16:1