المنتدى » منتدى الحوار الهاديء » التعصب طريق مسدود لا يخدم شعبنا
المشاركة السابقة : المشاركة التالية

التعصب طريق مسدود لا يخدم شعبنا

غير متصل حالياً

المجموعةعضو مميز

المشاركات186

تاريخ التسجيلالجمعة 14-09-2012

معلومات اخرى
حرر في الإثنين 15-10-2012 04:49 صباحا - الزوار : 1312 - ردود : 0

التعصب طريق مسدود

لا يخدم شعبنا

الدكتور عبدالله مرقس رابي

استاذ وباحث اكاديمي

                        افرزت التغيرات السياسية بعد انهيار نظام الحكم في العراق سنة 2003 حالة شاذة في نظام  الحياة السياسية والاجتماعية على مختلف الاصعدة ،لانها عقبت تغيير سياسي مفاجىء ذو نظام دكتاتوري اتخذ من اسس نظرية الحزب الواحد في الحكم اساليبا لحركة المجتمع العراقي سياسيا واجتماعيا وثقافيا واقتصاديا، وعليه عندما سقط النظام بدأت تطفو مخزونات العقل الباطني للانسان العراقي الى السطح اي من الكبوت اللاشعوري بسبب القمع النفسي الذي فرضه ذلك النظام الى الشعور بسبب الانفراج الذي حصل.

   كانت من جملة تلك المكبوتات ،حرية التعبير عن الراي ،حرية الانتماء السياسي ،حرية الاعلان الفرد العراقي عن انتمائه القومي أو الطائفي وغيرها ، ولما كانت هذه الثورة عملاقة لانها تكالبت عمالقة القوى العالمية لاسقاط نظام تربع على عقول العراقيين عشرات السنين،الا انها كانت ثورة فوضوية غير مدروسة بالمقاييس السياسية بدليل النتائج التي تمخضت عنها ،وان كانت مدروسة من قبل تلك القوى لتحطيم العراق فهذا شان آخر . فاذن التخلص من عامل القمع والفوضى التي خلفتها هذه الثورة ،ارجعت التركيبة النفسية للفرد العراقي الى العصور المتخلفة التي تتميز بعقلية التفسير الديني للظاهرة الاجتماعية .

   من خصائص التركيبة النفسية والاجتماعية للفرد العراقي التي تشكلت جراء الفوضى الاجتماعية والسياسية هي التعصب القومي والتعصب الديني تلك الخاصيتين اللتين بداتا تضمحلان من نفسية الانسان في العالم المتحضر بينما بدات من جديد تنمو في المجتمعات النامية ومنها العراق بعد التغيير بدعم من الاحزاب السياسية التي تاخذ من العقائد الدينية فلسفة وتسترا لتبرير وجودها ،وثم من  تلك الاحزاب التي انطلقت في صيرورتها من المفاهيم القومية .

       ولان المجتمع العراقي من المجتمعات اللامتجانسة اثنيا ودينيا ومذهبيا ،فساعد ذلك على التناحر القومي والديني والمذهبي وانعكست على التناحر السياسي بين الاحزاب الكبيرة المتنفذة في الحكم بالرغم من وجود دستور قانوني وضع من قبل هذه الاحزاب نفسها ولكن تضرب الدستور عرض الحائط عندما تتعرض مصالحها المالية والسياسية للخطر مما استدعت الحالة منذ سنة التغيير والى يومنا هذا عن عدم الاستقرار بدليل فقدان الامن وارتفاع عدد الضحايا يوميا وتخلف البرامج التنموية المختلفة .

      لم ينجو شعبنا المسيحي بمذاهبه المختلفة من ٍٍهذه المأسات التراجيدية التي سببتها المفاهيم القومية،فنرى الاحداث التي تعرض لها ابناء شعبنا المتمثلة في :سقوط يوميا عدد من الضحايا ،وتشريد العديد من مناطقهم السكنية،واضطرارهم لترك بلدهم وتعرضهم للمستقبل المجهول ،وتفجير الممتلكات والكنائس ،والتهديد المستمر بالقتل لمن صمد ،وتفشي البطالة بين القوى العاملة في سن العمل منهم لترك وظائفهم السابقة تحت التهديد من جهة وعدم فسح الفرصة للشباب للعمل بسبب المحسوبية السائدة في مؤسسات الدولة، وما تتعرض اليه قرانا وبلداتنا من التغيير الديمغرافي المتعمد والمخطط له وبالاخص في محافظة نينوى ،والاخطر من هذا كله القلق النفسي والاجتماعي الذي ينتاب شعبنا جراء هذه الاوضاع، والحقيقة لولا حكومة اقليم كوردستان التي تتمتع بالاستقرار، واستقطابه لابناء شعبنا من المناطق الملتهبة لكانت الحالة اكثر قسوة واضمحلالا وتدهورا .

      ففي الوقت الذي يتعرض ابناء شعبنا لهذه المأساة فان احزابنا التي افرزتها السياسة الحديثة في العراق منشغلة بامرين مهمين تركا بصمات واضحة على الاساءة والفرقة والتدمير النفسي والاجتماعي وانماء التخلف بين ابناء شعبنا وهما :اولا انشغالهم بمصالحهم الذاتية ,وثانيهما التعصب القومي الذي اضعف شعبنا امام التحديات التي يتعرض اليها كما اسلفنا اعلاه ذلك التعصب الذي هو موضوع مقالتي هذه .

قبل البدء في تشخيص مدى تاثير التعصب على شعبنا لابد من تقديم تعريفا اجرائيا له وماهيته وعوامله وآثاره وسماته النفسية والاجتماعية بشىِء من الاختصار،فالتعصب كما يراه (البورت ) هو التفكير السيىء عن الاخرين دون وجود دلائل كافية فهو اتجاه سلبي نحو جماعة عنصرية او دينية أو قومية ،فيكون الفرد موقفا متصلبا نحو جماعة من الاشخاص. حيث ان المتعصبين اكثر تصلبا من غيرهم في الحياة الاجتماعية والفكرية والسياسية والدينية ،فهم يرون الاخر باطار سلبي ولهم حكم مسبق نحو الجماعة بدون سند منطقي . فالتعصب هو تحيز اعمى لفرد أو جماعة أو لمذهب أو دين أو فكر سياسي، وهو مرض يفتك بالمجتمع ويدمر فيه روابط الالفة والمحبة والتماسك ويدفع بالمجتمع الى الضياع والتمزق فهو رؤية احادية للاشياء والافكار .

        من خصائص الشخصية المتعصبة ،انها متسلطة ومضطربة نفسيا وتتمسك تمسكا صارما بالقيم المتفقة مع تطلعاتها وتمتاز بسلوك نمطي غير قابل للتغير.ويحمل المتعصب الكراهية والحقد والانتقام ،وهو يتقلب مع من يؤيده ومهما كان الذي يؤيده ملحدا أو مؤمنا او بركماتيا نفعيا ،انما الذي يختلف معه يصبح خصمه وعدوا له .وهو دائم الصراع مع نفسه وعاجزا عن التكيف مع المستجدات ،والمتصلب في الرأي يكون فاشلا في تكوين العلاقات الاجتماعية وهو يقترب من الانحراف نحو المرض العصابي والذهاني .

   اما اهم العوامل المسؤولة عن تميز الفرد واكتسابه صفة التعصب هي تلك العوامل التي ترتبط بالتنشئة الاجتماعية للفرد في اسرته ،اذ يضطلع الوالدين في تكوين وبلورة فكرة التعصب عند ابنائهم منذ طفولتهم ،فالاطفال يتقبلون آراء الوالدين وتصبح عندهم المثل العليا في حياتهم فينطلقون وفقا لما تمليه هذه المثل وتوجههم ،وبالطبع ان هذه المثل هي نفسها السائدة في المجتمع أو الجماعة المرجعية التي تنتمي اليها الاسرة كالقبيلة او جماعة قومية او دينية او مذهبية او جماعة سياسية، فتقوم الاسرة بنقلها الى الابناء منذ الصغر ،ويتضاعف تأثير الوالدين كلما ازداد احتكاك الابناء بهم ،وعليه ستكون من الصعوبة ان تقوم التاثيرات الخارجية عن الاطار الاسري بتعديلها،لا بل قد تكون التاثيرات الخارجية احيانا هي الداعمة والمشجعة للتعصب ففي هذه الحالة سيكون المتعصب اكثر خطورة على المجتمع، وبالاخص الاعلام الموجه الذي يتبنى ايديولوجية سياسية أو دينية معينة أو المناهج الدراسية في المدارس والاحزاب السياسية.

        أما فرويد يرى ان التعصب ينمو في ضوء بعض الميكانيزمات مثل الاسقاط والتبرير .وتشير الدراسات النفسية ان كل مرض او انحراف سلوكي او نزعات في السلوك مثل التعصب والتطرف له جذوره التكوينية في مرحلة عمرية من مراحل النمو النفسي ،فالتعصب في علم النفس كما يقول عالم النفس المصري المعروف "مصطفى زيور " هو اشكالية في الادراك والتفكير والسلوك .

أما النظرية الصراعية في علم الاجتماع ،تؤكد على ان التعصب آفة اجتماعية تؤدي الى النزاع بين الجماعات التي يتكون منها المجتمع ،فالصراع الطبقي ماهو الا انعكاس للتعصب الذي تتميز به الطبقات الاجتماعية تجاه البعض ،واذا تكون المجتمع من اثنيات ومذاهب دينية متعددة سيتعرض الى نزاعات قد تصل احيانا الى دموية وابادة بشرية ،وهذا مايحصل الان في مناطق الشرق الاوسط.

     اما منظري الوظيفية يؤكدون على ان التعصب ظاهرة اجتماعية له وظيفة انطلاقا من مبدا ان كل الموجودات والظواهر موجودة لحاجة المجتمع اليها للحفاظ على توازن النسق الاجتماعي وديمومته ،لكن بعض هذه الظواهر لها وظائف سلبية يعكس وجودها آثارا  لا يتقبلها الجميع وتكون وسيلة لشحن المجتمع بالمشكلات الاجتماعية منها ، التعصب والجريمة بانواعها .

     واما مظاهر التعصب بين ابناء شعبنا الكلداني والاشوري والسرياني المعاصر تتجلى في مسالة الانتماء القومي والهوية ،تلك الظاهرة التي برزت معالمها الى الوجود بعد عام 2003 ،وقد لعبت الاحزاب السياسية من الاثنيات الثلاث في ترسيخ مفاهيم التعصب بعدما اكدت في انظمتها الداخلية انها هي الاصل وحاولت كل جهة سياسية الغاء الاخر.

   ولعل اهم العوامل المساعدة لهذا التعصب ظهور دراسات ومؤلفات اجريت من قبل اشخاص غير اختصاصيين من ابناء شعبنا تاثرت افكارهم بالايديولوجيات السياسية التي انتموا اليها وقد حاولوا بشتى الوسائل البحث عن عبارة او قول لاحد الكتاب من المستشرقين او من كتابات رجال الدين والتي غالبا تعد كتابات غير اكاديمية لكي تكون تلك العبارة مبررا لالغاء الاخر، فيقول احدهم اننا جميعا اشوريين منذ آلاف السنين، واخر يقول اننا كلدان منذ آلاف السنين والسرياني كذلك ،وبالمقابل ان الاكتشافات العلمية تفاجئنا بحقائق عن الوجود البشري الذي يمتد الى ملايين السنين فعجبا هل لهم العصا السحرية لكي يؤكدوا ويثبتوا انهم الاصل منذ ملايين السنين لكي يقولوا نحن ولا غيرنا ؟  .

   وقد درسوا التاريخ لا لكي نستفيد منه لحاضرنا ومستقبلنا بل لترسيخ مفاهيم الحقد والكراهية بين ابناء شعبنا،اليس من السخرية ان نتجادل على امر مضى عليه الاف السنين من غير ان ننتفع منه لحاضرنا او لمستقبلنا شيئا ،ومن اعجب العجب ان ينتاب الغرور بعضهم الى حد الادعاء بان كلمة الحق لا تخرج الا من فمه ومايسطره قلمه وحده لا شريك له،حيث قال الفيلسوف البيروني في كتابه "الاثار الباقية عن القرون الخالية " "ان التعصب عند الكتاب هو الذي يحول دون تقريرهم الحق"نعم ان الكلدان والاشوريين والسريان عاشوا في بلاد النهرين منذ القدم ونحن احفادهم لو قبلنا جدلا ،ولكن هل من عاقل يعقل اننا نتمكن من فرز هؤلاء ؟ بالطبع كلا ،لان من تحليل المحكات الانثروبولوجية والجغرافية واللغوية والدينية والقيمية  تشير الى اننا شعب واحد معاصر والا اية محاولة اخرى لتفريق ابناء هذا الشعب يعني توظيفها لتحقيق مصالح شخصية،والا لماذا هذا الاصرار العقيم الذي لا يخدمنا ،بل يخدم من يريد النيل منا والاستحواذ على بلدنا .

       وقد تطورت حالة التعصب عند بعض الكتاب الى الشتائم المتبادلة والاساءة الشخصية المقرونة بمتابعتهم وتهديد بعضهم والايقاع بهم والاساءة لسمعتهم  ،وهكذا ظهرت كيانات في كل من الجماعتين الاشورية والكلدانية المعاصرتين لتصبح اداة لترويج التعصب ، فماذا تعني مثلا تشجيع الكتاب الكلدان الى الكتابة لمقاطعة المطرب الفلاني لسبب قوله انا اشوري وأحترم الاحزاب الاشورية ، وماذا يعني قول احد الاساقفة من الكنيسة الشرقية لنقاطعهم تماما ولا نتعامل معهم في مختلف الانشطة لكي لا نمنحهم القوة ،وماذا تعني ايضا ان بعض الكتاب من الكلدان والاشوريين اصبحت مقالاتهم اذا صح التعبير مقالات استخباراتية لفضح الاخرين كانما هناك جهاز استخباراتي متبادل موجه للبعض .

      تعقد المؤتمرات والندوات وتوجه الدعوات لمن تتماشى افكاره مع الجهة التي تنظم المؤتمر واذا اختلف احدهم مع تلك الجهة في افكاره فهذا عدو لايستحق الدعوة. اليس مايجري في مواقع شعبنا يشير الى التعصب الاعمى، فتلك مواقع كلدانية تستنفر كل ما بحوزتها الى الايقاع بالاشوريين وهناك بالطرف الاخر مواقع لا ترحم وتقهر الكلدانيين كانهم في حرب ضروس؟الا يكتفي بهذه المؤشرات لكي نقول ان ابناء شعبنا الكلداني والاشوري والسرياني المعاصر مصابون بمرض التعصب؟

  ومن الغريب والعجيب والمذهل ان يستغل هذا التعصب باطنيا لتحقيق المصالح الذاتية ،واكتفي بمثال واحد لحدث لا يزال خبره على موقع عينكاوة الذي هو توضيح من المجلس الشعبي الكلداني السرياني الاشوري الذي صرح بمناسبة اخفاق ممثلينا في البرلمان العراقي لتحقيق عضوية احد افراد شعبنا في مفوضية الانتخابات ،وكيف يكشف هذا التصريح ما يجري وراء الكواليس .وما التصلب في الرأي عند الكتاب والنزعة التسلطية عند قادة الاحزاب السياسية وعدم التسامح من جهة وعدم المرونة مع النفس ومع الغير الا من مظاهر التعصب الاعمى الذي تكون تحت تاثير العوامل اعلاه .

   لو حاولنا مقارنة عوامل تكوين التعصب وآثاره التي ذكرتها في المقدمة مع حالة شعبنا يتبين اننا فعلا مصابون بمرض التعصب العصابي النفسي. حيث اننا في حالة نفور وعدم التماسك، ومجتمع مختل التوازن اجتماعيا ،وما السلوك التعبيري الوجداني للعديد من ابناء شعبنا الذي يتمثل بالكراهية المفرطة والغاء الاخر،وضعف الحس الانساني في التواصل مع الاخرين بل المحاولة بالايقاع به وتدميره باساليب ملتوية ،وتفشي الحقد والاضطراب في العلاقات بين مكوناتنا الثلاث ،ليست هذه الاثار الا حالة تعبيرية وجدانية للتعصب الاجتماعي .  

     مضت حوالي عشر سنوات ونحن في هذه المهزلة الفكرية والنفسية والاجتماعية والسياسية التي عكست على شعبنا بسمومها ولم نصل الى قناعة الحوار الذي هو الاجدر والوسيلة الحضارية الاسمى في التحليل وتبادل الافكار والاقتناع ، والتواصل من خلاله يؤدي الى نتائج ايجابية ، ولكي يتم الحوار يجب ان تتوفر في المتحاورين قيم التسامح وقبول الاخر وحق الاختلاف وعدم الاقصاء وان تتوفر عند رجال الدين قبل العلمانيين وعند السياسيين قبل العامة من ابناء شعبنا ،ومن ثم سنحقق الوحدة الحقيقية بمنح الفرصة لكل الاطراف للعمل من اجل المصلحة العليا لشعبنا.

 واخيرا اقول ألم يأت الزمان لتتفتح الاذهان  

 

مصادر معتمدة :

الدكتور اسعد الامارة، سايكولوجية الشخصية

الدكتور علي الوردي ،مهزلة العقل البشري

George Ritzer. Modern  Sociological Theory

                                                                                       Richard A. King.         Introduction  to  Psychology

   Phillip R. Shaver .Human Aggression and Violence

         

           

 

             



توقيع (الدكتور عبدالله مرقس رابي)

 

(آخر مواضيعي : الدكتور عبدالله مرقس رابي)

  هل نتائج مؤتمر بروكسل شرعية ؟ ولماذا ؟

  الى المشاركين في مؤتمر بروكسل ألتزموا العقلانية وتجنبوا المخاطر

  تناقضات وتشويهات ومغالطات في محتوى رد تنظيمات شعبنا السياسية لبيان الرابطة الكلدانية

  السادة المطارنة السريان الموقرون بيانكم بحاجة الى الدقة في صياغة العنوان وتحديد الموقف

  ناشط في حقوق الانسان يعترض على مبادىء حقوق الانسان

 

 

 

 تنبيه : جميع الاراء الواردة تعبر عن رأي أصحابها و لا علاقة لإدارة موقع مانكيش كوم بها

 

جميع المواد المنشورة في موقع مانكيش كوم بكل أقسامه لا تُعبّر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع

ويتحمل صاحب الموضوع المسؤولية كاملة عما نشره وجميع ردود الفعل المترتبة عليه