المنتدى » منتدى المنبر السياسي » الشهادة من اجل الوطن لا تعـّوض بالمال
المشاركة السابقة : المشاركة التالية

الشهادة من اجل الوطن لا تعـّوض بالمال

الكاتب : كمال يلدو

غير متصل حالياً

المجموعةعضو مميز

المشاركات129

تاريخ التسجيلالإثنين 24-12-2012

معلومات اخرى
حرر في الأربعاء 13-02-2013 09:58 مساء - الزوار : 1046 - ردود : 0

 

الشهادة من اجل الوطن لا تعـّوض بالمال

 

 

   ثلاث مرات خلال 34  عاما ، التقيت الشـــهيد  "عبد حبيب"  ، طالب قسم البايولوجي في كلية العلوم ، جامعة بغداد . الأولى كانت في كانون ثان 1979 ، في شارع الجمهورية قرب بداية نفق التحرير عشـــية ركوبي رحلة الغربة ، والثانية حينما قرأت إســـمه من بين شهداء الحزب الشيوعي العراقي  في القائمة التي ظهرت  بتموز 2003 ، اما الأخيرة فكانت عام 2012 عندما نشــر الزميل طالب الداوود صورة جمعتهما في نادي كلية العلوم .

 

لا يختلف اثنان بالحديث عن الراحل ، في وداعته او بساطته ، في الفته او احلامه ، في صبره او اصراره . ولأنه  هكذا كان ، ربما عجـّل في مشروع شهادته . لم نسمع الكثير عنه بعد الأعتقال ، ولا حتى وضعه هناك. كلمتان ربما تختصر آخر مشوار مسيرته : ( اعتقل ، اعدم) اما العالم الواسع والشاسع الذي يفصل هاتان الكلمتان ، بقى ، وربما سيبقى مجهولا  للأبد ، فأنى للشهداء ان يعودوا ثانية ويحكوا لنا القصة منذ البداية؟

 

لم يكن مغاليا بأحلامه ، فكل من عرفه عن قرب ، كان يتلمس البيئة الفقيرة التي انحدر منها ، والمدينة البائسة بخدماتها التي كان يسافر منها صباح كل يوم دراسي ، مدينة الثورة، كل ما كان يتمناه ان يعيش اقرانه العراقيين حياة حرة نزيهة وهانئة ( بعد كل تلك السنين ...مازالت الناس تحلم بتلك الأحلام البسيطة التي كانت تعرض حاملها للأعدام) . لم يرفع السلاح او يحمل الأحزمة الناسفة . كان يتأبط كتبا وجريدة .

 

دار الزمن دورته الطويلة والقاسية ، وصعد الى دفة السفينة اناس جدد!

رغم صدور بعض القوانين لتكريم الشهداء ، الا انها بقت قاصرة عن النظر الى " الشهادة" كفعل انساني مجرد كل التجريد ومرتفع اعلى من الطائفية او التحزب ، جاءت قاصرة ببعض بنودها في التمييز  في فعل " الشهادة " مع ان الفعل حدث بيـد ذات الجلاد ! ثم جاء ليستبدل الموقف الوطني بحفنة من ( الدولارات) او بقطعة ارض ! وكأن كـل من شبع ضربا وتعذيبا  وأهانة ، كان يوما ينظر لهذه "المكرمات" على انها الثمن المقابل . هذا القصور في الفعل هو الذي يقتل فكرة " الشهادة" من اجل الوطن او المبادئ ، ليستعيض عنها بالمال ، او بمزايا زائلة ، غير ذات قيمة او هدف .

 

 في عراق اليوم ،  هناك جهات ومنظمات وجمعيات ، تستطيع ان تجعل من فكرة " الشهادة" كفعل انساني ، اداة تثقيفية لهذه الأجيال ، وفكرة تبجل وتحترم من ولج هذا الطريق ، وحرمت عائلته وأهله من الأحتفاء بها  طوال سني حكم الدكتاتورية ، هناك طرقا ، ربما يكون المال احدها وليس كلها ، منها تكريم الأفكار التي ضحى من اجلها هؤلاء ،كوضع نصب تذكارية ، او الواح نحاسية تعريفية  أو حتى وضع اسمائهم كعلامات في الأماكن العامة او الشوارع او المؤسسات  .  ماذا لو حملت  بعض صفوف الثانويات  او القاعات الجامعية ، او اماكن عملهم . ماذا لو قامت  الثانوية التي تخرج منها  الراحل " عبد حبيب" بذلك ، او عمادة كلية العلوم في جامعة بغداد  ...ماذا لو ؟   اذ لطاما تحججنا اما العالم بأننا اصحاب اقدم الحضارات وأننا اعطينا للأنسانية الكثير ، تعالوا اذن نكون قدوة للآخرين!

 

يقينا ، ان مجتمعنا ، ونخبه الوطنية والمثقفة بحاجة للتصالح مع نفسها ، بحاجة للأقرار ، بأن هذه المسيرة التي قطعها هذا الشعب ، بكل تعرجاتها وأخفاقاتها ، وحتى " نجاحاتها" النسبية ، لم تكن سهلة . فقد كانت مخضبة بالدماء والتضحيات ، ليس فقط من الشهيد الذي دفع اغلى الأثمان ، بل حتى ممن اعتقلوا أو طوردوا او لوحقوا او حوربوا أو حتى من اضطرتهم الحياة لأن يتركوا ويهاجروا ، او حتى اهاليهم التي احيلت حياتهم الى جحيم بجريرة ابنائهم وبناتهم .

 

ان الأحتفاء بالشهداء ، وبما يليق بهم ، بعيدا عن العنصرية والتخندق والتحزب الضيق الأفق ، ليس كثيرا على هذا الوطن الذي يريد ان ينهض ليبني دولة تقوم على اساس العدالة الأنسانية والمواطنة والمساوات والعيش المشترك.

 

يحق لنا ، ونحن  ( بعض) من الشهود على جرائم النظام المقبور ، ان نطالب بأنصاف الشهداء ، كل الشهداء ، ومنهم شهداء كلية العلوم  ، فريال عباس السامرائي ، انتصار جميل عاكف الآلوسي ، نصير الصباغ ، صـبّار نعيم ، اكرام عـواد ســعدون ، وطيب الذكر ، الغالي ، عبد حبيب ، طالب البايولوجي في كلية العلوم ، جامعة بغداد ، من مدينة الثورة .

 

 

 

    كمال يلدو

كانون ثان 2013



توقيع (كمال يلدو)
ميلاد المسيح خلاص للبشر

 

(آخر مواضيعي : كمال يلدو)

  في ظل ضعف القانون والدولة وقفة على معاناة الشعب (المسيحي) مع الوزير فارس ججو

  كمال يلدو: عن الآثار السلبية والصادمة لقرار اغلاق بعض الكنائس في بغداد مع المهندس سالم جدو

  كمال يلدو: كيف يمكن جعل العمل القومي في الخارج رصيدا للوطن مع الناشط والكاتب صباح برخو

  عن مظاهرات طلبة الكوت وعيد المعلم والطبقة الفاسدة الحاكمة في العراق

  فديو اللقاء مع القانونية نضال يوسف ايليا‎

 

 

 

 تنبيه : جميع الاراء الواردة تعبر عن رأي أصحابها و لا علاقة لإدارة موقع مانكيش كوم بها

 

جميع المواد المنشورة في موقع مانكيش كوم بكل أقسامه لا تُعبّر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع

ويتحمل صاحب الموضوع المسؤولية كاملة عما نشره وجميع ردود الفعل المترتبة عليه