المنتدى » منتدى الحوار الهاديء » مراحل تنفيذ نصب الحرية في فلورنسا (أيطاليا)
المشاركة السابقة : المشاركة التالية

مراحل تنفيذ نصب الحرية في فلورنسا (أيطاليا)

الكاتب : وردااسحاق

غير متصل حالياً

المجموعةالمشرفين

المشاركات1293

تاريخ التسجيلالسبت 02-01-2010

معلومات اخرى
حرر في الإثنين 25-02-2013 08:09 مساء - الزوار : 3803 - ردود : 0

 

 

مراحل تنفيذ نصب الحرية في فلورنسا ( أيطاليا )

نصب

 

في يوم 23 آذار 1959 وصل الفنان الكبير جواد سليم الى روما والتقى بالفنان النحات محمد غني حكمت الذي كان يدرس فن النحت هناك . غاية ذهاب الفنان جواد الى أيطاليا هو لتنفيذ مشروع نصب كبير يمثل حرية الشعب العراقي . هيأ جواد تخطيطات للمشروع من بغداد لكن  تلك التخطيطات الفنية الثمينة فقدت في الطائرة التي أقلته الى روما . بدأ يتذكر ما أنجزه فأعاد رسمها في أيطاليا .

كان للفنان محمد غني مشغلاً خاصاً ( ستوديو) يعمل فيه أعماله المميزة التي تعجب بها أحد المهندسين المعماريين فطلب منه نحت ثلاث أبواب لكنيسة جديدة قرب روما .

تصادف وصول جواد الى روما في تلك الفترة ، لكن رغم ذلك قال غني : هيئت لجواد مكاناً للعمل ولوحة كبيرة من الخشب وقطعاً من الطين الأصطناعي فبدأ جواد ينحت القسم الوسط من الجدارية . يضيف غني قائلاً كنا نعمل معاً هو في الطين وأنا أؤمن الخشب ، أي أنضم الفنان محمد غني الى العمل مع جواد . يقول غني ، قال لي جواد قبل الشروع في العمل ، هل تعلم أن مكافئتي من هذا المشروع هي ثلاثة آلاف دينار فقط . فأستغربت ! فقال لي ( خفت أن يرفضوا العمل أن رفضت ، علماً بأن هذا سيكون أول عمل نحتي كبيريوضع في الشارع العام . والناس لا يسألون عن قيمة المكافأة ، ولن تكتب تحت النصب ، لكن العمل الفني وحده سيبقى خالداً في التاريخ ) . كان كلامه درساً بليغاً لي ، فمرت السنين وحين قال لي أمين العاصمة في بغداد طالباً عمل مصغر تمثالي لعلي بابا وأربعين حرامي ( أنا لي فقط 600 دينار مكافأة ، هل تقبل بها أم لا ؟ ) فتذكرت قول جواد ، فقلت موافق.

وصل الى روما المهندس المعماري رفعت الجادرجي وهو مصمم نصب الحرية معمارياً على شكل لافتة كبيرة ، وهو الذي اقترح أن يُنفذ النصب من قبل النحات جواد سليم بعد موافقة الزعيم عبدالكريم قاسم ، فاجتمع مع جواد وكنت معهم للبحث عن معامل قص الحجر ولأختيار الأفضل والملائم لجو العراق الحار . تم أختيار نوع من الحجر الأبيض ليغطي  أرضية نصب الحرية .

يقول الفنان محمد غني في مذكراته بدأنا بالبحث عن مشغل كبير للعمل لا يقل ارتفاعه عن 8-10 أمتار لغرض البدء بعمل النصب ، فوجدناه في فلورنسا . طلب جواد من وزارة الأسكان لكي أكون مساعداً له في تنفيذ العمل فجاءت الموافقة . جلب جواد عائلته الى فلورنسا ( زوجته وأبنته زينب ) واستأجر بيتاً والتحقت بهم . بدأنا بالعمل بتاريخ 10-5-1959 في تمثال المرأة التي تمثل الحرية ، حاملة المشعل .

 

 

كان جواد مستمراً في استذكار المواضيع المرسومة على الأوراق المفقودة فينحتها على الطين ويعدل بها ويغير ويضيف على الطين ويحذف من أجل الوصول الى الأفضل . أما أنا فقد اخذت طبعة جبسية على مصغر لأمرأة الحرية تحمل المشعل وبدأت أخطط عليها تقسيم المربعات ومثله على الحائط الخشبي لأجل تكبير العمل .  وكان العامل يرفع لي الطين للأعلى وأنا أضعه فوق التخطيط فبدأ شكل المرأة يظهر على السطح الخشبي تمثالاً نعمل له النموذج الجبسي لغرض الصب .

بعد أن نكمل الأعمال يأتون العمال المختصون بأخذ القوالب الجبسية لينقلوها الى المصهر في مدينة بستويا ، وفي المعمل يغلفون القوالب بالشمع ويضعونها في فرن خاص لأذابة الشمع ثم يبدأون بأذابة مادة البرونز ويسكبونها في تلك القوالب لتظهر النتيجة تمثالاً من البرونز .

كنت أذهب مرة كل أسبوع الى مصهر البرونز في بستويا لملاحظة ومراقبة العمل وتنظيف الزوائد الشمعية التي تظهر على سطح العمل وأقوم بتشذيبها وتعديلها .

محم

 

كان عملنا اليومي مستمراً من الصباح حتى رجوع زينب من المدرسة ونركب الحافلة الى البيت حيث لورنا زوجة جواد قد هيأت لنا الغداء . بعد أستراحة الظهيرة نعود بالحافلة الى العمل حتى الغروب وهكذا كل يوم عدا الأحد حيث نخرج لزيارة أحدى الكنائس المهمة لمشاهدة ما فيها وما عليها من رسوم على الجدران ومن تماثيل ونقوش جميلة من الفسيفساء . أو نقوم بزيارة قصور عصر النهضة حيث المعمار المميز وهكذا كنا نبحث عن الأعمال الفنية والمعمارية حتى في القرى المجاورة .

قبل حلول يوم 14 تموز 1960 طلبت الحكومة العراقية من جواد أن يسرع بأنجاز النصب لأفتتاحه في هذه المناسبة الوطنية ، فأضطر جواد أن يوعز بصب تمثال المرأة حاملة المشعل بمادة البرونز لكن للأسف النتيجة لم ترضي جواد لكن تم شحنها الى بغداد وتعليقها لوحدها على سطح جدارية نصب الحرية . تأثر جواد بهذا النصب التعجيزي وبسوء تنفيذ صب تمثال المرأة فبدأ يفكر ويقلق صامتاً بالأضافة الى الأخبار التي كانت تصله من بغداد ، فأصيب بالأنهيار العصبي فأضطرنا أنا وزوجته بنقله الى المستشفى واخبرنا السفارة بالأمر . يوقف العمل  الى أن جاء رفعت الجادرجي مع بعض أعضاء السفارة العراقية وأخرجو جواد من المستشفى على كفالتهم وبدأ جواد باسترجاع عافيته بعد حوالي الشهر والنصف . بدأنا بمواصلة العمل في الأستوديو كالمعتاد الى أن أنهينا العمل .

شحنا كل الأعمال الى بغداد وسافر جواد وبعد وصوله أرسل لي رسالة مع الأستاذ فاضل البياتي مدير الأشغال العام ورئيس لجنة النصب التذكاري حاملاً لي رسالة من الفنان جواد سليم مؤرخة في 7-1-1961 وكانت تلك آخر رسالة يكتبها جواد في حياته ، طلب بها سرعة أرسال اللحام الأيطالي ( كاريبالدي ) مع كمية من أسلاك النحاس لغرض القيام بلحام القطع الموضوعة تحت جدار النصب في ساحة التحرير .

قمت بالأجراءات اللازمة مع السفارة وحينها التقيت بزميل الدراسة الذي أصبح في السلك الدبلوماسي وهو هاني النائب . بعد السلام سألته عن جواد فقال لي ( مات ) !! كانت كلماته كالصاعقة فلم أستطيع الكلام . كانت لحظة لا توصف من الألم وكان ذلك في 30-1-1961 . أنهيت معاملة أرسال العامل دون ان أخبره بالخبر المؤلم وكتبت رسالة الى الصديق الرسام سعد الطائي في بغداد لغرض مساعدته وترجمة اللغة الأيطالية ، كما طلبت منه أن لا يخبره بوفاة جواد .

أعطيت كاريبالدي صوراً فوتوغرافية للنصب وعليها مواقع توزيع مفردات المواضيع مؤشرة بالأرقام والسنتمترات كان جواد قد خططها وهكذا تم وضع الأشكال البرونزية على جدار النصب ( لأن جواد مات قبل تعليق البرونز على الجدار ) .

أخبرني كاريبالدي أنه أكمل المهمة بفخر وكان آسفاً لفقدان الفنان الكبير جواد سليم ، مات الفنان جواد سليم ليبقى عمله شاخصاً وخالداً يتحدى السياسات المتعاقبة والمتناقضة في مبادئها وأهدافها . توفي جواد صبيحة يوم 23 كانون الثاني 1961 ، وشيع جثمانه بعد الظهر من معهد الفنون الجميلة في الكسرة (آنذاك) بجمع مهيب الى مثواه الأخير في مقبرة الأعظمية . من أبرز مرافقي النعش الفنان الكبير فائق حسن ، وأخو جواد الفنان سعاد ، وأسماعيل الشيخلي ، وفرج عبو، وعميد المعهد والشاعر الكبير محمد مهدي الجواهري . غابت الشمس الحمراء خلف الأفق ، وبقيت أعماله الفنية تحكي لنا وللأجيال قصة عبقريته النادرة التي أنتهت بعد عمر قصير ولن تعود . ليرحمه الله برحمته .

في المقال القادم سنشرح كل مجسم في النصب والمتكون من 14 جزءا

 

www.mangish.com

 

بقلم الفنان التشكيلي

وردا أسحاق عيسى

ونزرد – كندا

 



توقيع (وردااسحاق)
فأنا لا أستحي بالأنجيل ، لأنه قدرة الله للخلاص ، لكل من يؤمن رو 16:1

 

(آخر مواضيعي : وردااسحاق)

  صوم دانيال وتحديه لقوانين نبوخذنصر

  الصوم في المسيحية ... أهميته وغاياته

  وعي وجهل يسوع الإنسان

  الألعاب والنشاطات الترفيهية والتراثية في منكيش

  اليهود وشهود يهوه وجهان لعملةٍ واحدة

 

 

 

 تنبيه : جميع الاراء الواردة تعبر عن رأي أصحابها و لا علاقة لإدارة موقع مانكيش كوم بها

 

جميع المواد المنشورة في موقع مانكيش كوم بكل أقسامه لا تُعبّر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع

ويتحمل صاحب الموضوع المسؤولية كاملة عما نشره وجميع ردود الفعل المترتبة عليه