المشاركة السابقة : المشاركة التالية

كيف نبني المستقبل؟

الكاتب : زائر

غير متصل حالياً

المجموعةالزوار

المشاركات270

تاريخ التسجيلالإثنين 14-09-2009

معلومات اخرى
حرر في الأربعاء 02-12-2009 10:30 مساء - الزوار : 3871 - ردود : 0

كيف نبني المستقبل؟
مجلس بطاركة الشرق  الكاثوليك، معاً أمَامَ  الله في سبيل الإنسان  والمجتمع: " العيش  المشترك بين المسلمين  والمسيحيين في العالم  العربي "، الرسالة  الراعوية الثالثة،   


1994


الأب بيير مصري


واقع العيش المشترك


 21. إنَّ أوَّل واقع يجب  الانطلاق منه لتدعيم  العلاقات بين المسيحيين  والمسلمين وتطويرها هو  واقع العيش المشترك  القائم اليوم في جميع  بلدان الشرق الأوسط،  بالرغم من الخلل الذي لحق  بهذه العلاقات لأسباب  متعددة داخلية وخارجية،  منها الحروب الأهلية التي  اتخذت طابعاً طائفياً  والأغراض السياسية  المحلية والعالمية، ونزعة  التعصُّب الديني لدى بعض  الفئات وما تؤدي إليه من  تصريحات أو أعمال عنف،  وما تقوم به بعض وسائل  الإعلام من وصف غير  موضوعي للعلاقات القائمة  بين المسلمين والمسيحيين  في المنطقة. ناهيك عن  المشاكل الاقتصادية  والمعيشية الجمّة التي  تواجهها مجتمعاتنا والتي  يجد فيها التطرُّف بكلِّ  أنواعه غذاء ومرتعاً.
بالرغم من ذلك كله، فإنَّ  خبرة العيش المشترك التي  عشناها في الماضي لا تزال  صامدة أمام كل العقبات  والعراقيل. فهناك  إيجابيات كثيرة وقواعد  كثيرة سليمة، ومودَّة  حقيقية تربط بين  المسيحيين والمسلمين على  جميع الأصعدة المدنية  والدينية، وفي مختلف  شرائح المجتمع. ويجمع  بينهم، بالرغم من  الاختلافات الأساسية بين  الديانتين، الإيمان بالله  الواحد، كما يجمع بينهم  الانتماء إلى وطن واحد  والارتباط بمصير واحد.  وهذا كله يشكِّل منطلقاً  متيناً للجهد الرامي إلى  ترسيخ العلاقات بين  الاخوة وتوطيدها في  الحاضر والمستقبل.
مهما قيل ومهما ظهرت  السلبيات التي لا بد  منها، لا أحد يستطيع أن  ينكر الواقع البديهي وهو  أنَّ المسلمين والمسيحيين  في بلداننا العربية  ينتمون إلى وطن واحد ولهم  فيه مصير واحد وأحاسيسهم  وردود فعلهم واحدة أمام  التحديات العالمية  والمحلية. وفي ما يلي  نلقي الضوء على بعض  النقاط التي من شأنها أن  تُنمِيَ العيش المشترك  وان تفتح أمامنا آفاقاً  جديدة.


جرأة روحيَّة على مواجهة  الحقيقة


 22. إنَّ الحوار الذي يجب أن  تقوم عليه كل علاقة بشرية  يقتضي، قبل كلِّ شيء،  جرأة روحيَّة على مواجهة  الحقيقة. عندما نتناول  موضوع العلاقات المسيحية  الإسلامية، فإنه من السهل  أن نلجأ إلى المجاملات  وإعلان المبادئ النظرية،  متغاضين عن مواجهة حقيقة  الأمور. ويذهب بعضهم إلى  حدِّ القول إنه من غير  الضروري إثارة مثل هذه  القضايا لشدَّة  حساسيَّتها، وخوفاً من  تفجير سلبيات لا يقوى أحد  على ضبطها بعد انفلاتها.


إننا نعتقد أنَّ مثل هذه  الهواجس غير صحِّية في  مجتمع يريد أن يطوِّر  مشروعاً حضارياً حقيقياً.  فالمجتمعات الأصيلة هي  تلك التي تمتلك القدرة  على مواجهة الواقع في  حقيقته، بكل أوجهه  ومظاهره، بصدق وإيجابية  وموضوعية، بغية إصلاح ما  يتعثَّر، وتلافي السلبيات  التي قد تطرأ، لما هو في  مصلحة المجتمع ككل. لا  ينفع أحداً في هذا المجال  جهل السلبيات أو تجاهلها  أو التهرُّب منها أو  التكتُّم على ما يجري على  أرض الواقع، والاستعاضة  عنها بالمجاملات التي قد  نغطِّي بها عجزنا أو  جبننا في مواجهة الحقيقة،  والتي قد تخفي وراءها، في  بعض الأحيان، ميولاً  عدوانية لا يجرؤ المرء  على مصارحة النفس بها.  وتتطلَّب هذه المصارحة  التمييز بين المبادئ  السامية التي نجدها في  كلٍّ من المسيحية  والإسلام، وبين الممارسات  العملية على أرض الواقع،  لدى المنتمين إلى  الديانتين، والتي قد  تخالف المبادئ السامية  التي تناديان بها.


من جهة أخرى نؤكِّد أنَّ  هذه المصارحة يجب أن  تتِمَّ بنيَّة حسنة  وبالمحبَّة والصدق وفي  سبيل المصلحة العامة،  بعيداً عن التجريح والجدل  العقيم والتهجُّمات  والتشكيك في الآخر  وتصنيفه تصنيفاً ذاتيَّاً  ومجحفاً. وإلاَّ فإنّنا  نوسِّع الهوَّة، بدل  سدِّها وتسويتها. ولا  ننسَ أيضاً أن هنالك من  يطيب لهم أن يستغلُّوا  هذه القضايا بسوء نية،  مما يقتضي أن نظلَّ  جميعاً على حذر، كي  نتقدَّم على أرض صلبة،  واعين وعياً كاملاً جميع  أبعاد الوضع بالرغم من  حساسياته الكثيرة. إننا  ندعو أبناءنا جميعاً إلى  الحذر من هؤلاء الذين  يجدون من مصلحتهم زجَّ  مجتمعنا في متاهات،  يكونون هم فيها دائماً  المستفيدين، ونحن جميعاً  الخاسرين. إنَّ الحقَّ في  المحبة هو النهج السليم  الذي نهتدي به. فالحقُّ  يحرر، والمحبة تجمع بين  القلوب: "تعرفون الحقَّ  والحق يحرركم" (يوحنا  32:8).


النـزعة الطائفية


 23. لعلنا نخدع أنفسنا إذا  تجاهلنا واقع النـزعة  الطائفية لدى كلٍّ منَّا،  لدى المسيحيين والمسلمين  على السواء، بوعي أو بغير  وعي، بشكلها الظاهر أو  المبطَّن. وقد تظهر هذه  النـزعة على السطح لأتفه  الأسباب وأوهاها. فإذا ما  اختلف اثنان مثلا في أمر  ما وكان الواحد منهما  مسيحياً والآخر مسلماً  تَحوَّل الاختلاف الفردي،  إثر كلمة طائشة أو تصرُّف  أهوج، إلى نزاع طائفي  ولربما إلى فتنة عامة.  ومن المؤسف أنَّ مثل هذه  الحوادث تثير في جماعات  بأكملها المشاعر السلبية،  وتشعل العصبيَّة الدينية  العمياء التي تُعطِّل  العقل وتنفي كل القيم  الروحية والدينية.


أمَّا الذين اتخذوا من  التعصُّب الديني نهجاً  لهم ـ وقد نجدهم في أي  مجتمع ـ فإننا نرجو أن  يجدوا في وعي المجتمع ككل  حصناً منيعاً تتكسَّر على  أسواره جميع أشكال  التطرُّف والتعصُّب. يجب  أن تتعاون جميع المؤسسات  الاجتماعية والدينية  لاستئصال هذه الظاهرة عن  طريق تخطيط تربوي شامل  وعمل دؤوب يتَّسم بروح  المودَّة والمشورة  الحسنة.


التحرُّر من الجهل  والأفكار المسبقة


 24. قيل إنَّ الإنسانَ عدوُّ  ما يجهل. وهذا ما ينطبق  إلى حد كبير على المسلمين  والمسيحيين في واقع  عيشهما المشترك. كثيراً  ما يجهل كلٌّ من الطرفين  مَن هو الآخر في حقيقة  ذاته ومشاعره وطموحاته.  ومن ثمَّ يرسم كلُّ واحد  لنفسه صورة عن الآخر  انطلاقاً من مخاوفه  وشكوكه. ومن باب الدفاع  عن النفس فيرسمها صورة  عدوانية، بدلاً من أن يرى  في الآخر شريكاً له في  البناء.


ولهذا نقول للمسيحي:  تحرَّر من الأوهام  والجهل، واسعَ جاهداً لكي  تفهم فهماً مباشراً ما هو  الإسلام، ومَن هو المسلم.  ولا تتوقَّف عند أقاويل  مبتذلة أو معلومات  سطحيَّة تشوُّه الحقيقة.  وللمسلم أيضاً نقول القول  نفسه: تحرَّر من الأوهام  والأفكار المسبقة، وحاول  أن تعرف ما هي المسيحيَّة  ومَن هو المسيحي معرفة  مباشرة، ولا تكتفِ  بالأفكار السطحية  والمشوَّهة، وحاول أن  تنظر إلى الواقع المعاش  اليوم لتطَّلع على كلِّ  ما يدور فيه لتتدارك  الصدامات، وتبثّ  الطمأنينة في المجتمع  كلِّه. وللمسيحي والمسلم  نقول: ليس أحدكما عدوَّاً  للآخر ولا مُهدِّداً  لكيانه أو مُعوِّقاً  لنموِّه. بل على العكس من  ذلك إنَّه أخٌ وصديقٌ  وجارٌ وشريكٌ يغتني بغناه  وينمو بنموِّه.


وهذا كلُّه يتمُّ بالحوار  المستمرِّ والتلاقي  الشخصي المباشر والأخوي،  الذي يتيح للطرفين أن  يكتشف الواحد الآخر،  بعيداً عن القوالب  الجاهزة والأفكار  المسبقة. إنَّ حضارتنا  العربيَّة هي حضارة  الوجه، والوجه لا نكتشفه  إلا بالتلاقي الودِّي  والتحاور الحقيقي  والتخاطب المباشر. عندئذ  تسقط الحواجز النفسية  والاجتماعية، التي تحول  دون معرفة الآخر  والاعتراف به. يجب أن  يفهم كلُّ واحد الآخر كما  هو وكما يفهم ذاته وكما  يُحِبُّ أن يُفهَم.


قبول التعددية والتنوُّع


 25. من شروط العيش المشترك  إذن معرفة الآخر  والاعتراف به وقبوله كما  هو، ولو كان مختلفاً عنا.  إنَّ عدداً من المشاكل  تنجم عن رفضنا لمن هو  مختلف عنَّا، لأنَّنا  ننظر إليه وكأنَّه خطر  علينا أو تهديد لنا أو  حتى نفيٌ لوجودنا، وهذا  ما يجعل التنوُّع  والتعدُّدية في المعتقد  وفي نهج الحياة مصدر خلاف  وعداوة في كثير من  الأحيان، بدلاً من أن  يكون مصدر غنى متبادل  للأفراد والمجتمعات.


وعليه فالمسيحي لا يمكن  أن ينتظر من المسلم ألاَّ  يكون مُسلماً، ولا المسلم  من المسيحي ألاَّ يكون  مسيحيَّاً، بل على  المسيحي أن يحترم أخاه  المسلم في إسلامه، وعلى  المسلم أن يحترم أخاه  المسيحي في مسيحيَّته.  ومتى قبِلنا الآخر بهذا  الشكل، فالسبيل سالك أمام  التفاهم المتبادل  والمحبة، والمحبة بدورها  تفتح الأبواب أمام  التعاون والمشاركة.  وبهذين الاعتراف والقبول،  بما فيهما من محبة  وتعاون، لا يُضحِّي أيُّ  جانب بذاته وبما يميِّزه،  بل يفترض في صاحبه عمقاً  في الإيمان وثقة بالنفس  تفسح المجال للتعامل مع  الآخر، بعيداً عن عقدة  النقص أو الاعتلاء. فعلى  المؤمن أن يكون قويَّ  الإيمان، عارفاً نفسه  وهُوِّيته، بحيث لا يخاف  التعرُّف إلى أخيه  المختلف عنه، ولا يمتنع  عن الاغتناء بكل ما لديه  من قيم وثراء.


يتَّسم مجتمعنا العربي  بالتنوُّع والتعدُّدية  الواسعة على مستويات  متعدِّدة، ومنها  التعدُّدية الدينية. وهو  يتَّسع لجميع أبنائه.  والتعدُّدية لا تتناقض مع  وحدة المجتمع وتآلفه  وانسجامه، فالتنوُّع  ثراءٌ للوطن الواحد الذي  تُغنيه كلُّ الفئات  بأصالة قيَمها وعطائها  وإبداعها. وعليه فمن  الضروري أن يُعطَى هذا  التنوُّع فرصةَ التعبير  عن ذاته وتطوير خواصِّه  من غير حرج في إطار خير  الوطن العام. إنَّ أيَّ  مشروع وطني لا يأخذ في  الحسبان واقع التعدُّدية،  أو يعجز عن التعامل معها  تعاملاً إيجابياً، يحكم  على نفسه بالفشل.


الدين والعنف


 37. مما يؤسَف له أنَّ  البشرية بأسرها لجأت إلى  العنف في جميع مراحل  تاريخها، لحلِّ  النِـزاعات بين البشر.  ومن المؤسِف أيضاً أنَّ  الحضارات والشعوب كلَّها  كثيراً ما سخَّرت  الديانات وجعلت منها  عاملاً للحروب، أو لجأت  إلى العنف للدفاع عن  الدين أو لإقرار مبادئه.  والأسوأ من ذلك أنَّ  أبناء الدين الواحد  يلجأون إلى العنف أحياناً  فيما بينهم لأسباب دينية  أو لغيرها من الأسباب.  وما زالت هذه العقلية  قائمة إلى اليوم بشكل من  الأشكال. ومع ذلك، فإنّنا  نقول إنَّ العنف ليس من  الدين في شيء، بالرغم من  هذه الجذور البعيدة في  التاريخ من حيث استخدامُ  العنف ومن حيث ربطُ الدين  به. بل الدين إيمان بالله  وبما يوحي به الله من  حقٍّ وعدل ومحبَّة ورحمة  تُقرِّب الناس بعضهم من  بعض. فهو عامل تقريب  بينهم. وليس الدين وليس  الله بحاجة إلى أن يقتتل  الناس في ما بينهم  فيغذُّوا النفس بالكراهية  المتبادلة.


قال السيد المسيح في  إنجيله المقدَّس: "طوبى  للودعاء فإنهم يرثون  الأرض" (متى 4:5). وجاء  في سفر الأمثال: "إنَّ  عنف الأشرار يجرفهم"  (أمثال 7:21). وقال يوحنا  الرسول في رسالته الأولى:  "نحن نعلم أننا انتقلنا  من الموت إلى الحياة  لأنَّا نُحبُّ إخوتنا، من  لا يُحبُّ بقي رهن الموت.  وكلُّ من أبغض أخاه فهو  قاتل" (1يوحنا 3 : 15).


..إننا نواجه اليوم في  مناطق عدَّة من العالم،  وفي بعض مجتمعاتنا  العربية، مظاهر العنف  الطائفي والديني. وهذا ما  نتألَّم له ومنه. إنّنا  لا نستطيع أن نبقى  متفرِّجين إزاء ظاهرة  العنف باسم الدين، أيّاً  كانت ضحاياه، سواء كانت  من بني قومنا أم من  غيرهم، من بني ديننا أم  من غيرهم. ومع رفضنا  لجميع مظاهر العنف  المعنوي والجسدي، وخاصة  الديني والطائفي، فإننا  لا نستطيع أن ننسى  الأسباب التي قد تولِّده  وهي المظالم السياسيَّة  والاجتماعيَّة  والاقتصاديَّة والفساد  والفقر وروح الهيمنة  وإذلال الشعوب. وإذا ما  أراد العالم أن يتحرَّر  من العنف فعليه أن يعمل  بشكل جذري على استئصال  الأسباب التي تؤدِّي  إليه. إنَّ الظلم يولِّد  العنف والعنف المضاد،  ويُدخِل المجتمع في  دوَّامة لا نهاية لها.



توقيع (زائر)

 

(آخر مواضيعي : زائر)

  أجراس و الشوق الطويل

  العراق بلد في مهب الريح

  دفتر الرسم

  حكومة الملائكة

  الحرب العالمية الإعلامية الأولى

 

 

 

 تنبيه : جميع الاراء الواردة تعبر عن رأي أصحابها و لا علاقة لإدارة موقع مانكيش كوم بها

 

جميع المواد المنشورة في موقع مانكيش كوم بكل أقسامه لا تُعبّر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع

ويتحمل صاحب الموضوع المسؤولية كاملة عما نشره وجميع ردود الفعل المترتبة عليه