المنتدى » منتدى الكتابات الروحانية والدراسات المسيحية » 1حضور المسيحي في الشرق: شهادة ورسالة
المشاركة السابقة : المشاركة التالية

1حضور المسيحي في الشرق: شهادة ورسالة

الكاتب : زائر

غير متصل حالياً

المجموعةالزوار

المشاركات270

تاريخ التسجيلالإثنين 14-09-2009

معلومات اخرى
حرر في الأربعاء 02-12-2009 10:43 مساء - الزوار : 1499 - ردود : 0









































































الحضور المسيحي في الشرق:  شهادة ورسالة




قراءة في الرسالة الثانية  لمجلس بطاركة الشرق الكاثوليك




الأب بسام آشجي



 

مقدمة
 سوف أستعرض في معالجة هذا الموضوع بعض أفكار ونصوص الرسالة الثانية الصادرة عن " مجلس بطاركة الشرق الكاثوليك " CPC، وهي تحمل العنوان نفسه: "الحضور المسيحي في الشرق، شهادة ورسالة" (فصح 1992) ، كما أستعرض أيضاً، بعض فقرات الخطابات التي ألقيت في أثناء الزيارة التاريخية التي قام بها قداسة البابا يوحنا بولس الثاني إلى دمشق السنة الماضية، ونصوصاً ومواقف أخرى. لن نتمكن من قراءة كل ما هو مكتوب، ولكنني نقلت الكثير من النصوص في سياق هذه المحاضرة لأقدّمها لكل من يود التعمّق في الموضوع.
 1-  الحضور المسيحي: تجسُّدٌ لسرّ الكنيسة..
إن الكنيسة هي تعبير الرسمي عن الحضور المسيحي ليس في الشرق وحسب بل في جميع أصقاع المسكونة. والكنيسة، لاهوتيّاً، هي سرٌّ، كالمسيح، يجمع الإلهي والبشري في آن. إنها استمرارٌ لحضوره في الزمان والمكان، ومتابعة تجسدّه عبر العصور. تقول رسالة البطاركة: إن تجسد الكنيسة هو وجه من أوجه سر المسيح المتجسد. فالكنيسة واقع إلهي وإنساني يعاش في نطاق الزمان والمكان بكل ما يرتبط بهما من حيثيات تاريخية وجغرافية واجتماعية وحضارية. تتفرس الكنيسة في هذا الواقع البشري الملموس لتأخذ منه ملامح وجهها المميز وطابعها الخاص، وهذا ما ينعكس على شكل ممارستها لدعوتها ورسالتها، الآن وهنا. (بند رقم27) لقد فهم تلاميذ يسوع يوم العنصرة أن دعوتهم لتحقيق تجسّد الكنيسة كسرّ مقدّس لحضور المسيح الجديد، بعد موته وقيامته وصعوده إلى السماء، لا يتمُّ إلا من خلال انثقافهم في مختلف الحضارات، هذا ما يدلّ عليه التكلّم بلغات "كل أمة تحت السماء" (أنظر: رسل2/1-14). نستطيع القول أن حدث العنصرة هو تعميم للتجسد في الثقافات والحضارات عبر العصور.تقول رسالة البطاركة: إن الكنيسة حضور، ويتم هذا الحضور عن طريق الكنائس الخاصة (أي المحلية) عندما تتجسد في عالم الإنسان الواقعي "الذي يتحدث بلغة بعينها وله تراث ثقافي معين، كما له نظرته إلى العالم وماضيه التاريخي وتكوين إنساني خاص". "إن البشارة الإنجيلية تفقد الكثير من قوتها وفاعليتها، إن لم تأخذ في الاعتبار واقع الشعب الذي تخاطبه، وتستخدم لغته، وإشاراته ورموزه، وإن لم تجب عن التساؤلات التي يرددها، ولم تندمج في حياته الواقعية"، على ألا يؤدي ذلك إلى تفريغ البشارة من مضمونها أو إلى تحريفها. إن هذا التجسد لهو من متطلبات جامعية الكنيسة وشموليتها، الذي لا يمكن أن يعطي ثماره الحقيقية إلا إذا ظلت الكنائس الخاصة في شركة إيمان عميقة وحية مع الكنيسة الجامعة. (بند رقم27)وبالمثل، يدعو البابا إلى التعبير عن سر الكنيسة بأن تتجسّد في الواقع الإنساني وتنثقف في حضارات الشعوب منتبهاً، كرسالة البطاركة، إلى خطر ضياع أو تغيير المعنى، فيقول: على مثال بولس، يواجه تلاميذ المسيح تحدياً كبيراً: لزام عليهم أن ينقلوا البشرى السارة بلغة تناسب كل ثقافة، دون أن يضيع منها الجوهر، أو يتغير فيها المعنى. (عظة القداس،3)
 2-  الحضور المسيحي في الشرق.. تجسُّدٌ في  الثقافات القديمة المتنوّعة


تقول رسالة البطاركة مستقرئة تجسد سر الكنيسة  في واقعنا المحلي، فتشير إلى التعددية  الثقافية والحضارية التي تميّزت بها بلادنا،  كالسريانية بمختلف فروعها، واليونانية،  والأرمنية، والقبطية، فتقول:لا بد لنا من أن نلاحظ أن كنائسنا في الشرق  أظهرت عبر التاريخ مقدرة فائقة على التكيف  الحضاري، الذي أدى إلى نشوء حضارات وتراثات  مختلفة ومتنوعة غذت التراث الكنسي العام  والثقافة الإنسانية بغنى عطائها وأصالة  مساهمتها. وهو التراث الذي أشار إليه المجمع  الفاتيكاني الثاني، وأشاد بغناه، واعتبره ثروة  للكنيسة بأسرها. ولا تزال هذه التراثات حية  عبر مختلف الكنائس المشرقية تستضيء بها وتضيء،  وتجد فيها حافزًا لمواجهة التحديات الثقافية  والحضارية الحالية..وفي الموضوع عينه، يقدّم البابا "الإجلال"  لازدهار كنيسة بلادنا لما قامت به من تجسد  وانثقاف متعددين ومتنوّعين، فيقول: كيف  أستطيعُ أن أنسى المساهمة العظيمة التي  أدَّتها سوريا والمنطقة المجاورة في تاريخ  المسيحية؟ هنا عاشت جماعات مزدهرة منذ فجر  المسيحية. (خطاب الاستقبال، 3).منذ فجر المسيحية عرفت أرضكم حياة مسيحية  مزدهرة. ففي المسار الروحي للقديسين اغناطيوس  وأفرام وسمعان ويوحنا الدمشقي والعديد من  الآباء والرهبان والنساك والقديسين، الذين هم  حقاً مجد كنائسكم، يبقى هذا الازدهار حاضراً  في ذاكرة الكنيسة الجامعة. (عظة القداس، 4)..أود، هنا في دمشق، أن أقدِّم الإجلال للتقليد  السوري بكامله مع وحدته الغنية بالتنوع.  القديسون بولس واغناطيوس الأنطاكي وأفرام  ويوحنا فم الذهب وسمعان العمودي ويوحنا  الدمشقي وكثيرون آخرون هم معلمون لامعون نرى  فيهم أن طاعة الإيمان وألم الصليب لا يمكنهما  إلا أن تثمرا للخلاص.إن روعة الإبداع في تقليدكم تتجلى في وجهٍ مثل  أفرام النصيبيني "كنارة الروح القدس" الذي ما  لبثت أن تُرجمت أعماله إلى كل اللغات المسيحية  القديمة. عسى ألا ينقطع هذا النوع من تبادل  المواهب.. رجائي الحار أن يعود المسيحيون، في  كل مكان، فيفتحوا قلوبهم للثروات الروحية  والعقائدية الخاصة بكنائس التقليد السوري.. بين العديدين ممَّن تبعوا الحَمَل (أي يسوع)  قديسٌ من بلدكم لا يُجارى، هو سمعان العمودي  الذي كان في زمانه أيقونة حية للقداسة، وهو  اليوم موضوع تكريم الكنيسة في العالم أجمع..  (عظة كنيسة السريان الأرثوذكس، 5)..لم تتأخر الكنيسة في سوريا عن إظهار ازدهار  فائق في الحياة المسيحية...، كيف لا نتذكر  عديد الشهداء والمعترفين الذين، بأمانتهم  للنعمة حتى سفك الدم، عملوا على إشراق بدايات  الكنيسة في هذه البلاد! كم من راهب وراهبة قد  انقطعوا إلى الوحدة، مالئين صحارى وجبال سوريا  بمناسك وأديرة، ليعيشوا، تمجيداً لله، حياة  صلاة وتضحية.. كم من لاهوتي سوري ساهم في نهضة  المدارس اللاهوتية في أنطاكيا وفي الرها! كم  من مرسل انطلق من سوريا نحو الشرق، متبعاً  حركة التبشير التي صارت في ما بين النهرين وما  يليها من الأصقاع حتى "كيرالا" في الهند.  الكنيسة في الغرب أوليست هي الأخرى مدينة  لرعاة عديدين من أصل سوري فكانوا فيها أساقفة،  والبعض منهم أسقفاً على روما؟ فليكن اسم الرب  ممجداً من أجل الشهادة والإشعاع الذي أدَّته  بطريركية أنطاكيا القديمة. (عظة الكنيسة  المريمية،2)وبدوره أيضاً، يُعلن البطريرك اغناطيوس الرابع  هزيم أن هذا التجسد لسر الكنيسة في الثقافات  الشرقية المحلية، رغم أنه سبب انقسامات مؤلمة  في جسد المسيح السري، منح مسيحيي بلادنا  التآخي والحوار، واحترام ما وُجد في "ثقافاتنا  المختلفة" من "تباعدات مشروعة"، فيقول في خطاب  استقباله البابا: في هذه البلاد، أقام  المسيحيون أنفسهم على حوار تآخ يومي يعينهم  على تخطي العقبات الماضية. وقد وضعنا منذ بضع  سنوات أساسات لتفاهم اكبر ولتعاون حقيقي في  مجالات التعليم والرعاية. إن الحب الأخوي  يحركنا اليوم اكثر مما مضى. رغم التباعدات  المشروعة المرتبطة بثقافاتنا المختلفة فإننا  نعتقد أن قراءة واحدة للتقليد لا تزال ممكنة.  إننا لهذا السبب نشعر إننا نشكل حضوراً  مسيحياً واحداً في استقبال قداستكم هنا فيما  بيننا. هذا الحضور المرتبط بحضور بطرس وبولس  وربوات القديسين الانطاكيين يجعل منكم اليوم  حاجّاً أمام الله وحاجّاً لأنكم تحملون في  شخصكم كل كاثوليك العالم إلى ينابيع إيمانهم  إلى انطاكيا هذه التي دُعي فيها التلاميذ  مسيحيين أولاً (أع 26:11).





3- الحضور المسيحي في الشرق: تجسُّدٌ في  الثقافة العربية..





 تبرز  رسالة البطاركة أهمية انثقاف الحضور المسيحي  المشرقي في الحضارة العربية: إن التفاعل  الحضاري لكنائسنا لم يتوقف في وقت من الأوقات،  بل احتفظ بحيوية متجددة عبر الأجيال والمراحل  التاريخية المتعاقبة التي مرت بها منطقتنا.  وهنا لا بد من الإشارة إلى الحيوية الثقافية  التي امتازت بها كنائسنا بعد الفتح العربي،  حيث لم تقف الكنائس الشرقية المختلفة متفرجة،  سجينة ماض ولى، بل راحت تعمل جاهدة للتعبير عن  ذاتها، وفق الظروف الثقافية الجديدة. فدخلت  اللغة العربية تدريجيًا في مجالات حياتها  الطقسية والفكرية واليومية. وبهذا نجحت  كنائسنا في اجتياز تلك العتبة التاريخية  بنجاح، بالرغم من جميع الصعوبات والعقبات،  فاكتسبت أوراق اعتمادها، وأصبحت جزءًا لا  ينفصل عن المسيرة الحضارية في هذه البقعة من  العالم، التي أرادها الله حيزًا لإيمانها  وعمقًا لتجسده الحضاري. ولهذا فإن المقولة  السائدة: "أبت العربية أن تتنصر والنصرانية أن  تتعرب" تناقضها الوقائع التاريخية الدامغة.





  أ-  الانـثقاف اللاهوتي العربي :





 أحب،  على سيل المثال، أن أتأمل إليكم نصاً من  التراث العربي المسيحي يساعدنا في فهم كيفية  الانثقاف اللاهوتي الذي قام به أجدادنا  ابتداءً من القرن التاسع الميلادي، إبّان  الفتح العربي ودخول الإسلام إلى بلادنا، هذا  النص هو من "مقالة في التجسد" لحبيب بن خدمة  أبو رائطة التكريتي (825م) : "قالوا: وما الذي  دعا الله (سبحانه) إلى أن يتجسّد ويصير  إنساناً؟.. يقال لهم: إن الذي دعاه (سبحانه)  في البدء إلى أن يخلق آدم وذريته من التراب،  بعد أن لم يكن شيئاً، فنفخ فيه من روحه ، ومن  مَلَكَة تصرف فعاله، وجلب إليه جميع حالاته،  وخوّله ما في البحر والبر والهواء، وأمره  بمنافعه ونهاه وحذّره مضارّه، وأسكنه جنّته،  وأوعده ملكوته، هو الذي دعاه إلى التجسد  والتأنس، التماساً بذلك إنقاذه وذرّيته،  وتخليصهم من ضلالة تسلّطت عليهم بتضعُّفهم  أنفسهم بطول أُلفَتهم بها، وإنهاضهم من  صرعتهم، وردهم إلى مرتبتهم الأولى. فإن قالوا:  وما الذي دعاه إلى أن يخلق آدم وذريته؟.. يقال  لهم: الذي دعاه إلى ذلك صلاحه وتفضله!.. فالذي  دعاه إلى أن يتطأطأ إلى ما ليس بموجود، لا  عبثاً ولا غرضاً، فيصيّره شيئاً ذا قدر وخطر،  هو دعاه إلى أن يجدّد خلْقَتَهُ لما  أخْلَقَتْهُ الخطيئة، وأعاد بريّته إلى حالها  الأولى، كسابق علمه (له الحمد لم يزَل!) "





 ب-  التجسُّد المسيحي العربي في الحياة اليومية  والحضارية:





 نتابع  مع رسالة البطاركة: لم يكتف المسيحيون في  الشرق باتخاذ اللغة العربية كأداة تعبير في  طقوسهم وثقافتهم ومعاملاتهم اليومية، بل تعدوا  ذلك إلى الاهتمام بالشأن الثقافي والحضاري  العام. لم يقف المسيحيون متفرجين إزاء التبلور  التدريجي للحضارة العربية، بل أسهموا فيها  مساهمة فعالة، سواء عن طريق الترجمة أو  التأليف، خالقين بذلك صيغة رفيعة للتعاون  الحضاري مع اخوتهم المسلمين تعتبر نموذجًا  حضاريًا نفخر به بحق، وصورة من الصور المشرقة  للعيش معًا. وهذا هو التعاون الذي أدى إلى  تفتح حضارة عربية أصيلة مدت الثقافة الإنسانية  بديناميتها وغناها لقرون عديدة. وبذلك نشأ  التراث الثقافي الواحد.... ولم يقتصر الأمر  على تلك الحقبة المبدعة للحضارة العربية، بل  تعداه إلى الفترات التاريخية اللاحقة. ففي عصر  النهضة الحديثة كان المسيحيون، أسوة بإخوتهم  المسلمين، من رواد تلك النهضة الثقافية  والسياسية في العالم العربي التي لا نزال ننهل  من معينها حتى اليوم. وهذا هو الحوار الحضاري  الخلاق الذي ندعو الجميع في بلداننا إلى المضي  به قدمًا، مما يقتضي التواصل المستمر بينهم في  ظروف تاريخية جديدة تفتح الباب أمام المستقبل.  (بند رقم27-31)





 4-  الحضور المسيحي في الشرق: من الانغلاق إلى  الشهادة





لا شك أن الحضور المسيحي في الشرق لم يكن، على  المستوى العام، متألقاً في جميع العصور،  خصوصاً، وبكل أسف، عندما اعتبر نظام "الذمّة"،  ومن بعده نظام "الملّة"، المسيحيين في  مواطنيّة الدرجة الثانية، مما سبب، في تلك  العصور الغابرة، شيئاً من واقع الانغلاق. أما  اليوم، ومنذ عدّة عقود ساهم المسيحيون  الشرقيون في نهضتها، وقد عادت المواطنيّة  مشتركة ومتساوية بين جميع فئات شعوب المنطقة،  وجب على هذا الحضور العودة إلى انفتاحه  المعهود والتخلي عن انغلاقه البغيض، لذلك تدعو  رسالة البطاركة عن أهمية تمسك المسيحي بشهادته  لإيمانه في الحياة اليومية والالتزام بشؤون  وطنه، وخدمته، وبعدم "الانعزال أو الذوبان".  وتتحدّث الرسالة أيضاً عن التضامن الإنساني  خصوصاً مع المتألمين، فتقول: إن حضورنا  المسيحي لا يريد أن يكون حضورًا من أجل  ذواتنا، لأن السيد المسيح لم يؤسس كنيسته كي  تبقى في خدمة نفسها، بل لتكون شاهدة وصاحبة  رسالة هي رسالة مؤسسها ومعلمها بالذات... إن  المسيحيين والجماعات المسيحية يندمجون في صميم  حياة شعوبهم. وهم "آيات" إنجيلية بأمانتهم  لوطنهم وشعبهم وثقافتهم الوطنية، ومع الاحتفاظ  بالحرية التي أكسبهم إياها المسيح. (راجع متى  13: 44 ـ 46). إن الشهادة للتطويبات الإنجيلية  تبقى الطريق الأول للإنجيل نحو قلوب البشر  وضمائرهم. وإذا كانت الجماعات المسيحية في  الشرق قد انغلقت في الماضي على ذاتها، وفقدت  معنى الرسالة والشهادة بسبب ظروف تاريخية  قاهرة، مكتفية بالبحث عن الاستمرار في الوجود  فحسب، فإنها مدعوة اليوم إلى التحرر من رواسب  الماضي لتحيي معنى الرسالة في حياتها فتنفتح  على العالم المحيط بها، وتشهد لذاك الكنز  الثمين الدفين، الذي عثرت عليه، والذي يفرح  قلبها كما يفرح قلب كل إنسان (متى 5: 14 ـ  16).إننا نجد في تعليم سيدنا ومخلصنا ما يدعونا  إلى مثل هذا الحضور حيث يدعونا إلى أن نكون  نورًا (متى 5: 13)؛ وملحًا (متى 13: 33)؛  وخميرة (لوقا 12: 13). فإذا انعزل النور عن  البيت فإنه يفقد معنى وجوده، وإذا انتزع الملح  عن الطعام فلا فائدة منه، وإذا خرجت الخميرة  من العجين تحجرت وفسدت. وعندما لا نكون نورًا  وملحًا وخميرة فإننا نتحول إلى كيان جامد  متحجر يكون عبئًا على نفسه وعلى مجتمعه.البابا أيضاً يدعو بدوره الحضور المسيحي في  الشرق إلى الانفتاح والشهادة: بتجذُّركم في  أرض الأجداد وبقبولكم السخي في عيش إيمانكم  عليها، تغدون بدوركم شهوداً لخصوبة الرسالة  الإنجيلية التي نُقِلت من جيل إلى جيل. عليكم،  مع جميع مواطنيكم، من دون تمييز وبغض النظر عن  انتمائهم، أن تواصلوا بلا هوادة، جهودكم من  أجل بناء مجتمع أخوي حقيقي متضامن، يلقى فيه  كل واحد احتراماً لكرامته الإنسانية وحقوقه  الأساسية.... الإنجيل عامل فعال في تطوير  العالم. عسى أن يستطيع إنسان اليوم، على نور  شهادة حياتكم، أن يجد الجواب لانتظاراته  الأكثر عمقاً، ويكتشف قواعد العيش معاً في  المجتمع!





 5  – الحضور المسيحي في الشرق: واجب ثقة في  المسيح..





"لا تخف، أيها القطيع الصغير".. تحمل الكلمات  الإنجيلية الآنفة الذكر بشرى سارة عظيمة  للمسيحيين في الشرق. وإذا قرأناها في ضوء  وضعنا كأقليات في مجتمعاتنا، فإنها تصبح قادرة  على أن تحول هذا الوضع، من واقع اجتماعي يضغط  على نفسياتنا ونظرتنا إلى أنفسنا ونظرة  الآخرين إلينا، إلى واقع دعوة وشهادة ورسالة  نعيشه في فرح الإيمان. إن النور ضئيل في البيت  ولكنه يضيء البيت كله، والملح قليل في الطعام  ولكنه يعطيه نكهته، والخميرة صغيرة في العجين  ولكنها تخمره وتعده لأن يكون خبزًا. إننا  نذكركم بما قلناه في رسالتنا الأولى: "إن  الكنيسة لا تقاس بالأرقام والإحصاءات، بل بوعي  أبنائها الحي لدعوتهم ورسالتهم". لقد حان  الوقت لنستوعب هذا الواقع الكمي لنحوله إلى  واقع نوعي، حيث يحل حجم القوة الروحية محل  الحجم العددي. وبذلك نتحرر من كل ما خلفه وضع  الأقلية في التاريخ من رواسب نفسية واجتماعية  قاتلة، كتجربة الانكفاء، وعدم الثقة بالنفس  وبالمجتمع، والتظلم، والانعزال أو الذوبان:  "لا تخف، أيها القطيع الصغير".. لقد كان  المسيحيون الأولون، الذين نشأوا في بلادنا،  أقلية صغيرة متواضعة. غير أنهم كانوا يمتازون  بحيوية الإنسان الجديد وحماسه وفرحه، مما جعل  الناس أجمعين ينظرون إليهم بإعجاب واندهاش:  وكانوا "ينالون حظوة عند الشعب كله" (1  تيموتاوس 6: 14). إن نظرة الناس إلينا تقررها،  بشكل من الأشكال، نوعية حضورنا وكثافته، لا  قلة عددنا أو كثرته. (بند رقم18-20).يقول البابا في الموضوع عينه: أيها الأخوة  والأخوات، لا تتوانوا عن البحث عن وجه المسيح  الذي يتجلى لكم. ففيه تجدون سر الحرية  الحقيقية وفرح القلب! دعوا الشوق إلى الأخوَّة  الحقيقية بين جميع الناس، يهتز في أعماقكم! في  تأهبكم، بحماس، لخدمة الآخرين تجدون معنى  لحياتكم، ذلك بأن الهوية المسيحية ليست في  معاداة الآخرين، بل في القدرة على الخروج من  الذات والذهاب لملاقاة الأخوة. إن الانفتاح  على العالم، بوضوح وبدون خوف، هو جزء من دعوة  المسيحي، الواعي لهويته والمتأصل في تقليده  الروحي، الذي يعبر عن غنى شهادة الكنيسة.  (خطاب القداس 4-5)





 6-  الحضور المسيحي في الشرق: حضور من أجل  الإنسان..






 أ-  احترام الإنسان فعل إيمان :





إن البطريرك هزيم، في خطابه الآنف الذكر، يدعو  بشجاعة المسيحيين إلى الالتزام بقضايا الإنسان  وخدمته واحترام حقوقه، فيقول: "في كل الأحوال،  لا يُرى سلام الإنسان الداخلي إلا من خلال  اللطافة الإنجيلية. إن اللطفاء لن يكتفوا بان  يرثوا فقط ملكوت السماوات. بل عليهم أن يكشفوا  الملكوت للعالم. بعد قرون عديدة من المجازر  والتكفير من كافة الأشكال ورفض للآخر فان  الجماعة المسيحية مدعوة لان تجسد رسالة يسوع  اكثر فأكثر من اجل الفقراء: لا الأفراد فقط بل  وكل الشعوب الفقيرة. يجب علينا أن نجد الكلمات  والوسائل الملائمة من اجل أن نذكر الأمم  الغنية بضرورة توزيع الممتلكات الأرضية لنيل  ملكوت السماوات. بهذا سيكتشف المحرومون أن وجه  الله انكشف قلب اكتمال الملكوت. الكل لله. ليس  العالم إلا الوليمة التي يدعو إليها كل  أبنائها دون أي إقصاء لأحد. يجب على المسيحيين  على غرار معلمهم أن يغسلوا أرجل كل الناس دون  النظر إلى دينهم أو إلى عرقهم. إننا مدعوون  إلى أن نمسح دموع كل الذين يبكون.علينا أن نقوم بهذه المهمة معاً. إنها تشكل  شهادة قوية إلى جانب الشهادة التي تحاول كل  كنيسة من كنائسنا أن تحملها في حضارة البلاد  حيث تعيش. إن حقوق الله على فكر الناس وعلى  قلبهم تشكل تمهيداً لحقهم في الحياة والكرامة.  من دون أن نهمل الحسنات التي تقدمها العولمة  فان واجبنا يقتضي أن نشير إلى مخاطرها وان  نعلن سيادة الله وحق كل الناس في اقتسام  الطعام الأرضي والخبز النازل من السماء."ولو تابعنا مع رسالة البطاركة نجد إن الرسالة  الروحية للكنيسة لا تنفصل عن رسالتها  الاجتماعية، لأن محبة الله التي أفيضت في  قلوبنا تتوجه إلى الإنسان في الوقت عينه الذي  فيه تتوجه إلى الله.. إن سير الكنيسة نحو  خيرات الملكوت السماوي لا يليها عن الشؤون  الزمنية والأرضية، بل بالعكس من ذلك يزيد  التزامها بكل ما هو إنساني، عزمًا وتصميمًا.  فهي "السامري الرحيم" الذي يتوقف ليداوي جراح  الإنسان.. وتظل الكنيسة علامة حية وملموسة  ومرئية تشهد في التاريخ لهذا التضامن الإلهي  بوقوفها إلى جانب الإنسان كي تخفف من آلامه  بكل أنواعها وكي تعزز نموه من كل جوانبه.




توقيع (زائر)

 

(آخر مواضيعي : زائر)

  أجراس و الشوق الطويل

  العراق بلد في مهب الريح

  دفتر الرسم

  حكومة الملائكة

  الحرب العالمية الإعلامية الأولى

 

 

 

 تنبيه : جميع الاراء الواردة تعبر عن رأي أصحابها و لا علاقة لإدارة موقع مانكيش كوم بها

 

جميع المواد المنشورة في موقع مانكيش كوم بكل أقسامه لا تُعبّر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع

ويتحمل صاحب الموضوع المسؤولية كاملة عما نشره وجميع ردود الفعل المترتبة عليه