المنتدى » منتدى الكتابات الروحانية والدراسات المسيحية » ((( الأسبوع الثالث : عيش الفرح في الحق )))
المشاركة السابقة : المشاركة التالية

((( الأسبوع الثالث : عيش الفرح في الحق )))

الكاتب : ماري ايشوع

غير متصل حالياً

المجموعةعضو مميز

المشاركات1472

تاريخ التسجيلالإثنين 11-07-2011

معلومات اخرى
حرر في السبت 14-12-2013 02:41 مساء - الزوار : 1206 - ردود : 0



((( الأسبوع الثالث: عيش الفرح في الحَق )))



1. تأمل الأسبوع : "فرح المجيء" " التوق إلى عيش السماء من الآن على الأرض"  
                                                     
   
   الصلاة الإفتتاحية للقداس:


اللّهم، إنَّ شعبَكَ يَتَطلَّع إلى مولِدِ المسيح، فمُنَّ علينا بأن نعيش من فرحِ هذا السِرِّ العجيب، كيما نحتفل بخلاصنا بقلبٍ جديد حَقًا، برَبِّنا يسوع المسيح ابنك، الإله الحي، المالك معك ومع الروح القدس، إلى دهر الداهرين. آمين.


إن الأحد الثالث من المجيء هو الأحد المُسَمَّى بأحد "الفَرَح": "إِفرَحُوا، يقول الرب، إِفرَحُوا في الربِّ دائمًا.. إن الرَبَّ قَريب." إنه أحد الفَرَح إذن.. أحد فرحِ المجيء. لأن هناك فرح خاص بالمجيء، مثلما أن هناك فرح خاص بزمن الصوم، وكذلك فرح ميلاد الرب، وفرح القيامة... عسى أن تساعدنا هذه المرحلة الثالثة من رياضتنا على عيش هذا الفرح. ستساعدنا على ذلك الشخصيات الثلاثة الأساسية لزمن المجيء: النبي أشعيا، وأمنا العذراء مريم، ويوحنا المعمدان...

تأمل في كلام الله: أشعيا   35: 1 - 10

في قراءات هذا الأحد الثالث من زمن المجيء، يَفرض الفرحُ نفسه، وهذا يبدو متناقضًا مع طبيعة الفرح بالذات... فالفرح كما نعلم، ليس سهل المنال أو بديهي! أشعيا النبي يفرح ويُبتهج قائلا:

"لِتَفرح البرِّيَّةُ والقَفْر (حرفياً: أرض العَطَش) ولتبتهجُ الباديةُ ولتُزهرُ كالورد. لتُزهر إزهاراً، وتبتَهجُ ابتهاجًا وتُرَنِّم فَرَحًا. قد أُعطِيَ لها مجدَ لُبنان، وبهاءَ الكرمَلِ والشارون؛ سيشاهدون مجدَ الربِّ وبهاءَ إلهنا. قَوُّوا الأيديَ المستَرخِية، وشَدِّدوا الرُكَبَ الواهِنة؛ قولوا لِفَزِعِي القلوب: "تَقَوَّوْا، لا تخافوا: هوذا إلهُكم، مكافأةُ اللهِ حاضرة: هو يأتي ويُخَلِّصُنا. حينئذ تتَفَتَّح عيونُ العُمي، وآذانُ الصُّمِّ تَتَفَتَّح؛ وحينئذ يَطفُرُ الأعرَجُ كالأَيِّل، ويترنَّمُ لسانُ الأبكم، اذ قد انفَجرتِ المياهُ في البريَّة، والأنهارُ في البادية.  والأسرى الذين فَداهُمُ الربّ، سيرجِعونَ ويأتونَ وهم يرنمون، وسيُنير وُجوههم فرحٌ أبديّ؛ ويتبعُهمُ السرور والفرح، وتبتعد عنهم الحَسرةُ والتَّأَوُّه."

الدرب الأول: استقبال الفرح

بالنسبة للنبي أشعيا، الفرح هو من الآن هنا.. مُهدَى.. مُقَدَّم: "لِتَفرَح البرية والقَفْر!" لأن "مجد لبنان هو (من الآن) قد وُهِبَ لها"؛ لكن هذا الفرح الذي هو من الآن هنا، هو في نفس الوقت، في حالة الوعد: "إن الربَّ سيأتي وسيخلصكم". مرة أخرى، نحن أمام نفس الموضوع الذي تكلمنا عنه منذ بدء رياضتنا: "الحاضر منذ الآن" و "ليس بعد هنا بأكلمه".. وهذا الموضوع هو في قلب الإيمان المسيحي، وهو أيضاً ما يُمَيِّز فرحَ زمن المجيء: أي أن نعرف أو أن نتعلم كيف نفرح بما هو من الآن مُعطى لنا، كبذرة، لكنه لم يكتمل بعد. إنه فرحٌ يشبه فرح المرأة الحامل، فهي تفرح بأبنها الذي تحمله في داخلها.. لكنه ليس بعد مكتمل. يمكن أن تساعدنا هنا، في هذا الأسبوع الثالث أو في هذه المرحل الثالثة من زمن المجيء، أمنا العذراء مريم. وهذا هو ما تتأمل به الطوباوية أليصابات للثالوث في إحدى رسائلها، المؤرخة 22 تشرين الثاني 1903، والمُرسَلة إلى أختها مرغريت، التي كانت تنتظر مولودها الأول (رسالة رقم 183):

"هل تتخيلين ما كان يغمر العذراء مريم، بعد البشارة، عندما كانت تمتلك في داخلها الكلمة المتجسد، عطية الله؟ في أي صمت.. وفي أي افتتان، أو في أي خشوع، كانت تتوارى في عمق نفسها لكي تَضُمّ إليها (تحتضن) هذا الإله الذي هي أمه. (...) إنه فينا. آهٍ! لِنَبقَ قريبين جداً منه، في نفس صمت العذراء وحبها له؛ أليس هكذا يجب علينا أن نعيش زمن المجيء؟"

لنحاول سوية في هذه الأيام، التي ننتظر فيها ميلاد الرب يسوع في حياتنا، أن نتأمل ونتحد بخبرة أمنا العذراء هذه. إن فرح المجيء ليس محصوراً بالطبع بالنساء الحوامل! فعلى مثال اليصابات للثالوث، يمكن لصلاتنا أن تختبر هذا الفرح. هذا يمكن أن يكون إذن بالنسبة لنا الدرب الأول لهذا الأسبوع: أي أن نستقبل كل الوعود التي تسكن فينا (وعود الله لنا) وأن نفرح منذ اليوم بما تحتويه. إنها مثل الحبوب أو البَذْر الذي يحمل في داخله الإزهار في صحراء قلبنا. "لتبتهجُ الباديةُ ولتُزهرُ كالورد. لتُزهر إزهاراً، وتبتَهجُ ابتهاجًا وتُرَنِّم فَرَحًا!"

في الحقيقة، نحن عندما نؤمن بهذه الوعود، فهذا يعني أننا في نفس الوقت، نُذَكِّر أنفسنا من جديد بهذه الوعود، أي نجعلها آنية.. الآن.. وكذلك نرجو تحقيقها. هذا يقربنا من تأمل البابا فرنسيس في رسالته البابوية الأولى "نور الإيمان" (9) عندما تكلم عن إيمان إبراهيم:

"كجوابٍ على كلام الله ووعده الذي حدث في الماضي، يقوم إبراهيم بفعل إيمان، يتضمن تَذَكُّر كلام الله ووعده. غير أن "فعل التَذَكُّر" هذا لن يبقى مجرد تَذَكُّر لكلام الله الذي حصل في الماضي، ، لكنه ولكونه تَذَكُّر لوعد، سيصبح قادراً على أن ينفتح نحو المستقبل، وأن يُنير الخطوات طوال الطريق. هكذا نرى كيف أن الإيمان، كفعل تَذَكُّر منفتح نحو المستقبل، هو مرتبط بشكل مباشر وقريب بالرجاء". بكلمة أخرى، إن إيمان إبراهيم هو أولاً "إصغاء" لكلمة الله، ثم "دعوة" للخروج من التمركز على الذات نحو الإنفتاح على حياة جديدة و "وعد" بالمستقبل يسمح بمتابعة مسيرتنا في ضوء الرجاء الذي نحمله في قلبنا. لنبسط أكثر الفكرة: الله يعدنا مثلاً بالحياة الأبدية.. إصغاءنا لوعد الله وثقتنا به، هذا يجعل هذا الوعد آني..
حالي.. ويجعلنا بالتالي ننفتح على المستقبل وكلنا رجاء بأن هذا الوعد سيتحقق يوماً ما بشكل كامل.  


الدرب الثاني: تحويل الفرح ( أي تغييره.. أن نَرُدُّه إلى معناه الحقيقي العميق ) .

من بين هذه الوعود، هناك حضور الله في قلبنا. في هذا الخصوص، اليصابات للثالوث كانت قد وضعت في مقدمة إحدى رسائلها المذكورة سابقاً هذه الآية من الإنجيل: "إن ملكوت الله في داخلكم" (لوقا 17: 21) وهي عبارة كانت تدهشها كثيراً. إن هذا الحضور هو إذن وعد وعطية، ويجب أن يكون من الآن مصدر فرح كبير لنا. هذا ما تؤكده لنا اليصابات للثالوث في أحد أشعارها (رقم 67):

"وحده يسوع يمكنه أن يرضيني. إنه كنزي، وخيري الوحيد. بالقرب منه وحده، أكون فَرِحَة. إنه حياتي وحُبّي."

كما أنها تشهد لهذا الفرح في رسالتها رقم 175 فتقول:

"إن عذوبة حُبِّه وحضوره داخلنا، هو ما يُحَوِّل ويُغيِّر ويُنير الحياة، هذا هو سر الفرح."

لنستغل هذه الأيام كفرصة نجدد فيها إيماننا بهذا الحضور العجيب فينا  وبالحياة الموعودة لنا من قبل الرب يسوع. إن هذا الإيمان هو فرحنا. حاولوا أن تتأملوا في حقيقة أن إيماننا هو كنز. واليصابات للثالوث تشجعنا على أن نكتشف حضور الله هذا، فينا وحولنا، في رسالة موجهة إلى والدتها في آب 1905 (رقم 23):  

"إن الطبيعة بأكلمها تبدو لي مليئة تماماً بالله: فالريح التي تحرك الأشجار الكبيرة، العصافير الصغيرة التي تغني، والسماء الزرقاء الجميلة، كل هذا يُحَدِّثني عنه. آه يا أمي، أود أن أقول لك بأن فرحتي تكبر دوماً، وتأخذ حجماً لا متناهٍ مثل الله نفسه، وهو فرح هاديء وعذب جداً؛ وأرغب هنا في أن أكشف لك سِرَّ فرحي هذا!

 يقول القديس بطرس، في رسالته الأولى: "لأنكم تؤمنون، ستمتلئون بفرح لا يتزعزع." أعتقد بأن الراهبة الكرملية تستمد وتستقي كل فرحها في الحقيقة من هذا النبع الإلهي: أي من الإيمان. فهي (أي الكرملية) تؤمن، كما يقول يوحنا الإنجيلي، "بالحُب الذي يحمله الله تجاهها". إنها تؤمن بأن نفس هذا الحُب، هو الذي جذبه كي يتجسد في أرضنا، وكذلك كي يقيم في نفسها هي (الكرملية)، لأن ذاك الذي سَمَّى نفسه الحق، قال في الإنجيل: "أقيموا فيَّ، كما أنا أقيم فيكم."  وهكذا تنصاع الكرملية لوصية الرب العذبة هذه وتعيش في الألفة مع الله الذي يقيم داخلها، وهو حاضر فيها وقريب منها أكثر من قربها هي من نفسها.

كل هذا يا أمي الحبيبة، ليس مجرد مشاعر أو تخيلات، بل إنه الإيمان النقي، وأنا أعرف أن إيمانكِ هو قوي لدرجة بحيث يستطيع الله أن يكرر لك هذه العبارة التي قالها سابقاً: "أيتها المرأة، ما أعظم إيمانك!"


إن هذا الإيمان بالطبع هو ليس سهل المنال. إن إنجيل اليوم يُظهِر لنا ذلك مع شخصية يوحنا المعمدان الذي كان يتساءل في سجنه، وأرسل تلاميذه يسألون يسوع: "أَأَنتَ الآتي، أم آخرَ ننتَظِر؟" نحن أيضاً، نحن مدعوون إلى أن نَتجاوز شكوكنا. وهذا هو الدرب الثاني لهذه المرحلة. "وطوبى لمن لا أكونُ له حَجَرَ عَثْرَة!"

من المفيد أن نُحَدِّد شكوكنا التي يُمكنها أن تهاجمنا وتُرهقنا، لكي نسَلمها ليسوع وهكذا سنعبرها ونتجاوزها معه وبمساعدته. نحن مدعوون إذن بهذه الطريقة إلى أن "نُحوِّل" آمالنا الإنسانية إلى رجاء مسيحي حقيقي، وكذلك إلى أن "نُحَوِّل" فرحنا الإنساني، إلى فرح الإنسان بهكذا إله، أي بالكلمة الذي صار بشراً. " فمُنَّ علينا يا رب بأن نعيش من فرحِ هذا السِرِّ العجيب"، هكذا نصلي في الصلاة الأفتتاحية لقداس اليوم والتي بدأنا بها تأملنا اليوم. هذا أيضاً يتطلب الصبر وقبول تسليم أنفسنا وحياتنا لله.. تسليم الذات لنعمة الله المُحَوِّلة.
 
الدرب الثالث: أن نتهيأ لميلاد المسيح

استقبال الفرح و تحويل الفرح، هذا هو الطريق المُقتَرَح في الدربين السابقين لهذا الأسبوع الثالث من رياضتنا. نأتي إلى الدرب الثالث:
منذ يوم الثلاثاء، ستَدخل طقوس المجيء في مرحلة أو طور ثاني مُكَرَّس لتحضير أو لتهيئة "أقرب" أو "أكثر مباشرة" لميلاد المسيح، كي نستقبل بطريقة مُتجَدِّدَة، بشرى الكلمة الذي صار بشراً. هذا هو الدرب الثالث المُقَتَرح علينا في هذا الأسبوع إذن: إن نصوص الإنجيل لكل يوم من هذه الأيام (من الثلاثاء إلى السبت)، ستساعدنا على الدخول خطوة فخطوة في الأحتفال بميلاد الرب يسوع:
الثلاثاء: إنجيل نسب المسيح (متى 1: 1-17)؛ الأربعاء: بشارة القديس يوسف (متى 1: 18-24)، الخميس: التبشير بميلاد يوحنا المعمدان (لوقا 1: 5-25)، الجمعة بشارة مريم (لوقا 1: 26-38)، والسبت: الزيارة (لوقا 1: 39-45). حاولوا قراءة هذه النصوص يوماً بيوم وبتعمق حتى تساعدنا على تحضير قلبنا بأفضل شكل كي يقيم الله فينا.

2.   لنصلي كل يوم من أيام الأسبوع مع اليصابات للثالوث:


الاثنين  16/ 12:   
 "أطلب من الرب أن يجعلكِ تتذوقين عُذوبة حُبِّه وحضوره داخلنا، هذا ما يُحَوِّل ويُغيِّر ويُنير الحياة، هذا هو سِرُّ الفرح"  (رسالة رقم 174)


الثلاثاء  17/ 12:   
"كتحضير للمجيء وللميلاد، أعطيك موعداً خاصاً، وهو في نفس المواعيد اليومية الثلاثة لصلاة السلام الملائكي؛ سنطلب سوية من الكلمة المتجسد أن يجعل مسكنه في نفسينا وأن لا تبتعدا عنه أبداً." (رسالة رقم 213)

       
الأربعاء  18 / 12:   
 "أعتقد بأن الراهبة الكرملية (وهذا ينطبق على الجميع) تستمد وتستقي كل فرحها في الحقيقة من هذا النبع الإلهي: أي الإيمان. إنها تؤمن، كما يقول يوحنا الإنجيلي، "بالحُب الذي يحمله الله تجاهها". إنها تؤمن بأن نفس هذا الحُب، هو الذي جذبه كي يتجسد في أرضنا"  (رسالة رقم 236)     



الخميس 19 / 12:
  "تَذَكَّري أن الهُوَّة تجذب إليها هُوَّة أخرى، وهكذا فهُوَّة بُؤسِك تجتذب إليها هُوَّة رحمة الله."   (رسالة رقم 298)
أي مهما كان ضعفنا وبؤسنا كبيرين، فرحمة الله أعظم!    
                   


الجمعة  20 / 12:
  "هل تتخيلين ما كان يغمر العذراء مريم، بعد البشارة، عندما كانت تمتلك في داخلها الكلمة المتجسد، عطية الله؟ في أي صمت.. وفي أي افتتان، أو في أي خشوع، كانت تتوارى في عمق نفسها لكي تَضُمّ إليها (تحتضن) هذا الإله الذي هي أمه؟"   (رسالة رقم 183)
 


السبت  21 / 12:
  "مع العذراء، يمكنك أن ترَنِّم "تُعظِّم الربَّ نفسي" وأن تبتهج روحك في الله مخلصك، لأن كُلِّي القدرة يصنع فيك كل يومٍ عَظائِم، ورحمته تدوم إلى الأبد." (رسالة رقم 232)



قراءات القداس: (أشعيا 35: 1- 6أ . 10)، (يعقوب 5: 7-10) ، (متى 11: 2-11)
كرازة الأحد الثالث للمجيء (أ)   

في ذلك الزمان:
2 سَمِعَ يُوحَنَّا فِي السِّجْنِ بِأَعْمَالِ الْمَسِيحِ، فأَرْسَلَ تلاميذَه يَسأله بِلِسانِهم: 3«أَأَنْتَ هُوَ الآتِي أَمْ نَنْتَظِرُ آخَرَ؟» 4فَأَجَابَهم يَسُوعُ: «اذْهَبوا وَأَخْبِروا يُوحَنَّا بِمَا تَسْمَعون وَتَنْظُرون: 5اَلْعُمْيُ يُبْصِرُونَ، وَالْعُرْجُ يَمْشُونَ مشيًا سَوِيًّا، وَالْبُرْصُ يَبرأُون، وَالصُّمُّ يَسْمَعُونَ، وَالْمَوْتَى يَقُومُونَ، وَالْفُقَراءَ يُبَشَّرُونَ. 6وَطُوبَى لِمَنْ لاَ أكونُ له حَجَرَ عَثْرة».
7  فَلَمّا انصرفوا، ابْتَدَأَ يَسُوعُ يَقُولُ لِلْجُمُوعِ عَنْ يُوحَنَّا: «مَاذَا خَرَجْتُمْ إِلَى الْبَرِّيَّةِ لِتَنْظُرُوا؟ أَقَصَبَةً تَهُزُّها الرِّيحُ؟ 8لكِنْ مَاذَا خَرَجْتُمْ لِتَنْظُرُوا؟ أَرَجُلاً يلبَسُ الثيابَ الناعِمة؟ ها إنَّ الَّذِينَ يَلْبَسُونَ الثِّيَابَ النَّاعِمَةَ هُمْ فِي قُصُورِ الْمُلُوكِ. 9 فمَاذَا خَرَجْتُمْ لِتَنْظُرُوا؟ أَنَبِيًّا؟ أقول لكم: نَعَمْ، بل أَفْضَلُ مِنْ نَبِيٍّ. 10فَإِنَّ هذَا هُوَ الَّذِي كُتِبَ عَنْهُ: هَاءَنذا أُرسِلُ رسولي قُدَّامَكَ، لِيُعِدَّ الطريقَ أمامَك. 11اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: لَمْ يَظهَرْ في أولادِ النِّسَاءِ أَكبَرُ مِنْ يُوحَنَّا الْمَعْمَدَانِ، وَلكِنَّ الأَصْغَرَ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ أَكبرُ مِنْهُ".


الكرازة
يوحنا المعمدان بشر بمجيء المسيح وكانت له صورة خاصة عنه. كان يظن بأن المسيح سيكون ربما على هذه الصورة، أي أنه سيأتي كديان، ويُنزِل غضب الله على كل الخطأة الذين لم يتوبوا. لكنه ومن سجنه، عرف وسمع عن طريق تلاميذه، بالطريقة التي يُبَشر بها يسوع ويحقق رسالته. هو كان قد اكتشف وأعلن في شخص يسوع، كونه ابن الله، حمل الله الحامل خطايا العالم، لكن طريقة تصرف يسوع لا تتفق تماماً مع الفكرة التي كان يحملها يوحنا عن المسيح المنتَظَر. فهو كان يتوقع أن يأتي المسيح بسلطان وقوة رافعاً فأسه ويدين الخطاة ويُرسلهم إلى العذاب الأبدي كما سمعنا في إنجيل الأحد السابق، لكنه يسمع بأن يسوع ينتقل من قرية إلى أخرى، فاتحاً ذراعيه لكل الخطأة والبؤساء والحزانى: فهو يشفي المرضى: البُرص، العميان، الصُم؛ يغفر الخطايا للرجل المعاق ثم يشفيه؛ يدعو خلفه متى العشار الذي كان يُنظَر إليه كخاطئ كبير من قبل الجميع، وكذلك يسمع بأن يسوع يجلس على مائدة الخطأة والزناة. أي بدلاً من المسيح الذي كان ينتظره ويعلن مجيئه.. مثل قاضٍ ودَيان مخيف وقاسٍ.. بدل ذلك، يرى يسوع يتصرف بعكس ذلك فهو جاء مثل الخادم يخدم الآخرين ويستقبلهم مهما كانوا خطأة ويتقاسم الطعام معهم.
ويسوع يُجيب على مبعوثي يوحنا المعمدان ويقول لهم مستعملاً نبوءة لأشعيا النبي بخصوص مجيء المسيح: "اذهبوا وأخبِروا يوحنا بما سمعتم ورأيتم. وعود الأنبياء تتحقق. وما أنبأ به يوحنا المعمدان قد تحقق، لكن ليس بالضرورة كما كان يتوقع، لأن هناك دائماً اختلاف بين إرادة الإنسان وإرادة الله. نعم إن الله هو هنا، وإن وعده قد تحقق. أُنظروا، وسترون بأن كل المُهمَلين والبؤساء في المجتمع بسبب عوقهم ومرضهم مثل العُميان والعرج والصم ... يستقبلهم الله ويشفيهم أمام أعينكم. والبشرى السارة، أي إعلان حُب الله للبشر، قد أُعلن للكل، خاصة للفقراء."
يسوع بجوابه هذا كأنه يقول للمعمدان: إن عملك لم يكن بدون فائدة، فأنت قد أَعددت الطرق أمام الرب، وهيأتَ القلوب بواسطة تعاليمك إلى التوبة والرجوع إلى الله. لكن ملكوت الله لا يتحقق بواسطة القوة والسُلطة كما كنتَ تظن، فالملكوت لا يمكن أن يُبنَى ويكبر إلاّ على المحبة. إن هذا الملكوت هو في قلب الإنسان، يدعوه لأن يغير تصرفاته. يدفعه إلى الإيمان بحب الله لكل واحد منا. الملكوت يعطينا السلام والفرح كون الله يحبنا كما نحن مهما كنا خطأة ويطلب منا العودة إليه بتوبة حقيقية.
نحن أيضاً نختبر في بعض الأحيان نفس خبرة يوحنا المعمدان في السجن.. فأمام الصعوبات، نحن أيضاً نشك بأن الله موجود معنا أو أنه يأتي لنجدتنا. والسبب هو لأننا، مثل يوحنا المعمدان والكثير من البشر، ننتظر إلهاً كلي القدرة يأتي ليقضي تماماً على الأشرار ويرفض المتسلطين في هذا العالم ويقلب الموازين بلحظة. ننتظر أن يحقق الله رغباتنا وإرادتنا نحن. لكننا إذا تأملنا في البشرى السارة التي جاء بها يسوع، سنفهم شيئاً فشيئاً بأن الله جاء كي يغير رغباتنا وطريقة تفكيرنا.
لأن علامات مجيء المسيح هي مختلفة جداً وبعيدة عن رغباتنا هذه. فالمسيح لم يأت كي يغير بِعَصاً سحرية وفي لحظة العالم حولنا، لكنه جاء كي يغير نظرتنا إلى هذا العالم. جاء كي يفتح عيوننا، وآذاننا وقلبنا، حتى نستطيع التعرف عليه في حياتنا. إن الطريقة التي جاء بها المسيح إلى عالمنا بعيدة كل البعد عن فكرتنا عن القوة والسُلطة والدينونة كما كان يوحنا المعمدان أيضاً يتصور.
فقط إذا فهمنا هذا، سنستطيع أن نكتشف حضور الله في حياتنا وأن نقبل علامات حضوره في العالم.
لكن ماذا كانت هذه العلامات؟
ولادته المتواضعة، ولادة طفل في مذود للحيوانات في بيت لحم / موت يسوع المؤلم على الصليب / وقيامته غير العلنية، في صباح أحد الفصح.
إذا قبلنا أن الله هو ليس كما نحن نظنه، وكما نريده أن يأتي بالقوة والسُلطة ليحقق رغباتنا ... إذا قبلنا علامات مجيئه العجيبة هذه... عندها فقط، سنستطيع أن نكتشف حضوره الواضح في حياتنا اليومية وفي حياة الآخرين. أي سنكتشفه في الآخر، سنكتشفه في جسده السري، أي في الكنيسة، هذا الجسد الذي قد يكون متمزق وضعيف وغير موحد ومليء بالعيوب لكنه مقدس لأن الرأس، أي المسيح هو القدوس. إذا قبلنا بأن الله هو ليس هنا فقط حتى يستجيب لطلباتنا ويحقق إرادتنا، سنكتشف في حياتنا اليومية معجزة حضوره العجيب والسري فينا وسنكتشف بأن تاريخنا وحياتنا الشخصية، هي تأريخ مقدس، لأن الله القدوس، يأتي كل يوم ويولد في حياتنا وفي قلوبنا.
لنسهر إذن، كما يطلب المسيح، لنسهر ولنتهيأ لميلاده فينا، لنرجع إلى الله بتوبة حقيقية، واثقين ومتأكدين من أنه يريد أن يولد في حياتنا لكنه ينتظر منا أن نفتح قلوبنا لكي يأتي ويسكن فيها ويغيرها على مثال قلبه الطاهر، آمين . 


الأب غدير الكرملي

 



توقيع (ماري ايشوع)

 

(آخر مواضيعي : ماري ايشوع)

  كيف لي ...

  خذ مني حريتي

  رياضة زمن الصوم الكبير عبر النت مع ايليا ( 2016) للأب غدير الكرملي

  رياضة روحية عبر النت مع الرهبانية الكرملية: استقبال جدة الله( جديد الله) مسيرة مع اول زوجين قديسين ف

  رياضة روحية عبر النت لزمن الصوم للأب غدير الكرملي ( دير الكرمل في العراق أقليم باريس الكرملي )

 

 

 

 تنبيه : جميع الاراء الواردة تعبر عن رأي أصحابها و لا علاقة لإدارة موقع مانكيش كوم بها

 

جميع المواد المنشورة في موقع مانكيش كوم بكل أقسامه لا تُعبّر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع

ويتحمل صاحب الموضوع المسؤولية كاملة عما نشره وجميع ردود الفعل المترتبة عليه