المشاركة السابقة : المشاركة التالية

عنف الانجيل الجديد

غير متصل حالياً

المجموعةعضو مميز

المشاركات49

تاريخ التسجيلالسبت 29-03-2014

معلومات اخرى
حرر في السبت 03-01-2015 06:46 مساء - الزوار : 1162 - ردود : 3

عنف الانجيل الجديد
"ملكوت الله يُغتصَب، والمغتصِبون يأخذونه عنوة"



المطران سعد سيروب

لقد وردني تسأول من أحد الاصدقاء عن العنف في المسيحية: لماذا ترفض المسيحية العنف وما هو موقفها من كل ما يجري مما يحدث للمسيحيين؟ كنت قد كتبت كتيباً صغيراً عن "المسيحي والعنف". واليوم أكتب موضحاً الآية من الانجيل التي يوردها الانجيلي متى في الفصل الحادي عشر. أية تبدو غريبة جدا علينا عندما نقرأها الآن، في قول للرب يسوع المسيح لتلاميذه: "ملكوت السماوات يُغتصَب، والمغتصبون يأخذونه عنوة... من له أذنان فليسمع" (متى 11/ 12-15). أية تبدو اليوم مشكّكة وغامضة. فلم يُعط حتى اليوم تفسير مقنع لها. ولا أقول أني أريد أن أعطي جواباً شافياً فهذا أتركه لحكمة الله وعلمه الواسع أن يكشفه لنا. ولكني أريد أن أقرأها على ضوء ما جاء في بقية الانجيل.
لقد رأى العديد من المفسرين للكتاب المقدس، أن هذه الآية تحتوي على "عنف باطني" وذهبوا الى أنها تمثل تعليم المسيح للمرء الذي يطلب القداسة، أن يعنّف ذاته ويقهر أهواءه ويُضحي بملذاته. وأعتقد بان التفسير هذا معقول. ولكني اعتقد بأن الاية تنطوي على ما هو أكثر وخفي على الفهم! هناك قول للبابا بيوس الثاني عشر عن الكتاب المقدس، جميل جداً، أورده هنا للقارىء الكريم: "انه ليس من المستبعد على الاطلاق أن تدركنا نهاية العالم قبل أن نتمكن من فهم بعض ما أوحاه المسيح في الكتاب. وما هذا في الحقيقة إلا البرهان على أن كلامه يسمو علينا وعلى مداركنا، وانه يحمل في اعماق ذاته المطلق الذي يأتيه من وجود الله فيه. إلا أنه يجدر بنا ألا نقف مكتوفي الأيدي أمام المقاطع الصعبة، بل المطلوب أن نصغي الى علامات الازمنة، وهي أقدر مما نظن على مساعدتنا لاستجلاء معاني الكتاب. فلا يبعد أن يكون لكل زمان، ولكل مشكلة جديدة تواجه الانسان، جواب حاضر يخبئه المسيح، ويترتب علينا اكتشافه بالخضوع للروح القدس الذي لا يني يعمل ويكشف لنا عن كلّ شيء".


العنف المتطرّف
العنف أخطر قضية من قضايا عصرنا وزماننا. ليس العنف جديداً على الانسان، فهو منذ البدء. وليس العنف اليوم عامل قوة دفاع فحسب، بل أنه مفهوم فلسفي وسوسيولوجي وسياسي وحتى لاهوتي. فهناك عنف الثورات الدامية؛ وهناك عنف المظاهرات والاضرابات والاستنكارات؛ وعنف التمرد والعصيان والرفض، هناك العنف عند المقتدرين الذين يلجمون الحريات؛ وعنف الفقراء الذين يطلبون العدالة الاجتماعية والمساواة؛ هناك العنف ضدّ السلطة الدينية؛ وعنف الحروب والمعارك...
العنف موقف محيّر وصعب التفسير. فالمسيح في العظة على الجبل طوّب الودعاء وهنّأ المسالمين (متى 5/ 1-11). فالمسيحي يجد نفسه بين أمرين: ان يسكت ويصمت ويخضع ملتزماً بما يعلمه الانجيل، وبين أن ينبذ الظلم والتنكيل والهميش، فيحمله هذا على ركوب موجة العنف المضطرب! ولهذا نرى العديد من المخلصين يتوجهون نحو الكنيسة، نحو المسيح فيطلبون اليه الهدى، لا بل يطالبونه به.
وهنا أعتقد بأننا بحاجة الى قراءة معمّقة في الانجيل واستجلاء لكنوز الحكمة الموجودة فيه بمزيد من الصدق والشجاعة والعزيمة، للوصول الى جواب الله عن المشكلة التي نواجهها اليوم.


عنف يوحنا المعمدان
يجب علينا وقبل كل شيء أن نقرأ هذه الآية بعد أن نضعها في اطارها الكامل. فهي ترد في معرض جواب يسوع على تلاميذ يوحنا الذين جاؤوا ليسالوه عن المسيح. وبعد أن أجاب المسيح، أخذ يعلم يسوع الجموع عن يوحنا المعمدان ويقول عنه أنه ليس "بقصبة تهزها الرياح" (متى 11/ 7) وأنه لا يشبه أولئك الذي "يلبسون الثياب الناعمة ويسكنون في قصور الملوك" (متى 11/ 8). فهو لا ينصاع للضغوط ولا يغير مبادئه بسبب الاغراءات. "أنه نبي" و"أفضل من نبي". فهو يمثل إنساناً جاهد ودخل بقوة الى ملكوت الله.
العنف الذي يتكلم عنه المسيح يأتي من صورة المعمدان الشخصية التي عرفها، فقد كان يسوع قد سمع وربما شاهد سلوك يوحنا وتصرفه ومواقفه. فمن هو يوحنا، "أعظم الانبياء" و"أعظم من قام في مواليد النساء"؟ يوحنا نابذ للأعراف وثائر على التقاليد والاتباعية. يوحنا متمرد، يُضادّد مجتمعه البرجوازي والطبقي. هو صلب الطباع ومتزهد الى حدّ أن طعامه الجراد وعسل البر (متى 3). هو ثائر، يقوم على الرياء والخبث، وعلى الظلم بانواعه. لا يحابي الامتيازات الاجتماعية، ولا يتملق لأصحاب السلطة الدينية (متى 3/ 7-8).
يوحنا غيور يدفعه عنفه المقدس الى "التحدي" و"التطلب". لا يخاف من المخاطر ولا يجمل الالفاظ ليتغاضى عن المظالم. فهو عنيف، ولكن عنفه أعزل وأمام ترتجف الحجارة. أنه عنيف ولكن عنفه يتمثل وعياً وإدراكاً بأن عليه التضحية بحايته للدفاع عن الدالة والمظلومين. عنفه عنف لا يقتل بل يبذل حياته ويُعرّي زيف المجتمع والسلطة الدينية الزائف، ويكشف للفقراء والصغار الإله الحق "الذي جاء يدافع عن المظلومين".
موقفه وكلماته تقوده الى السجن، وأخيراً الى الموت. ولكنه يعرف بان ملكوت الله لا يمكن أن يأتي إلا بصعوبة وعنف، لا بالتنازلات الجبانة. يوحنا لا يعرف الحياد والرقص على حبال المواقف: فهو يقف بوجه هيرودس ويقول له: "لا يحق لك أن تأخذ أمرأة أخيك" (متى 14). يوحنا العنيف الاعزل يجلجل قصر هيرودس المتسلح الخائف. انه العنف المجرد من السلاح، الضارب بقوة الحقيقة. انه جبروت العنيف البار النزيه، الذي له من القوة الادبية والروحية والانسانية ما يخيف البغاة والظالمين. عنف يعرض حياته للخطر، لكي يحافظ على حياة الاخرين. لقد أُعجب به المسيح.


عنف يسوع
يسوع كان عنيفاً أيضاً. فهو لم يخاف ولم يتوانى من التنديد بمساوىء عصره ومجتمعه، وعنفه هذا قاده الى الصليب. عنفه كان بعطفه على المساكين ومحبته للخطأة وانتقاده للسلطة الدينية التي تتخاذل وتتنصل من واجباتها الدينية. عنفه أقوى من بطش السلطات.
يظهر هذا في جواب يسوع لتلاميذ يوحنا المعمدان: "العمي يبصرون، والعرج يمشون، والبرص يطهرون، والصم يسمعون، والموتى يقومون، والمساكين يبشرون" (متى 11). هذه هي رسالته وهذا هو عنفه. رسالته هي خلاص أصغر الناس، وأخر الاخرين، الذين لا جاه لهم ولا فعالية ولا اقتدار. انها التفاته الى الفقراء والكادحين والخاطئين هو أخطر الاساليب العنف لمواجهة الظالمين.
عنف يسوع يكمن في كلامه مواقفه التي هزت بدن الفريسيين ومكانتهم، وانتقدهم على تحميل الناس أثقالاً وأحمالاً، استعبدت الإنسان بدلاً من تحريره وعتقه. انه عنيف كيوحنا الذي رفض الاعتراف بألوهية قيصر: "أعط ما لقيصر لقيصر وما لله لله" (متى 22/ 21). عنفه لا سيف له: "رُد سيفك الى مكانه. فمن يأخذ بالسيف يهلك بالسيف" (متى 26/ 52). ولكن كلمته وموقفه وصدقه وامانته وحبه الفادي والمخلص أمضى من كلّ سيف ذو حدين.
عنف يسوع يفترض شجاعة أدبية مذهلة وعزة نفس عظيمة: "إن كنت قد اسأت في الكلام، فقل ليّ أين الخطأ؟ وان كنت أحسنت فلماذا تضربني؟" (يوحنا 18/23). عنيف يرفض العنف الهمجي والدموي والقتل والسرقة والنهب. عنفه يضع حدّا واضحاً بين بين جبانة الانهزام والاستسلام أمام بطش الاقوياء، وبين التصدي له بغير أدواته.
موت يسوع على الصليب هو عنف الصدق والاستشهاد دون قضيته السامية. ليس الصليب تبريراً للعذاب، ولا هو استسلام لشوكة الموت، ولا هو تعظيم محموم لأهمية الضحية. انه عنف جديد نقيض العنف الملتبس كل المظاهر. يفضح صليب يسوع جوهر وطبيعة كل سلطة هدامة، سياسية كانت أو دينية. ويفضح بالتالي كل نظام ظالم ومتسلط. كشف يسوع عن محبة الآب للبشر وعن منطق الحب الوحيد القادر على تخليص الانسان من حالة العنف الراهنة.


عنف جديد
كتب الصحفي واللاهوتي الاسباني خوان آرياس بهذا الصدد يقول: "إن كان الشرط لخلاصي أن أبذل نفسي لإخوتي، بل للجميع، فمن الطبيعي ألا يكون العنف الذي يتكلم عنه المسيح عنفاً داخلياً فحسب، بل أيضاً عنفاً يساعدني على الدفاع عن قريبي، ومساعدته وافتدائه. وإن كانت شريعتي هي المحبة، فلا يسعني أن أرى زوجة أخي يأخذها متجبر محتكر، وأظل مكتوف اليدين. ولا يسعني أن أسير الى جانب العميان والبرص والمقيدين والجائعين والمظلومين واليائسين والمنبوذين والذين حُوِّلوا إلى آلات واستُغلوا، دون أن أمتشق سلاح العنف، عنف التنديد القاطع، عنف المقاومة دون هوادة – في الامانة للروح ولرسالتنا الخاصة – عنف المجازفة بكل شيء – في الامانة لمواهبنا الخاصة – عنف التنديد المخلص، الشريف الفعال".
ألخص واقول بأن الانجيل يرفض كل عنف مسلح دموي يتعدى على حياة الاخرين، ولكنه لا يستبعد روح الثورة والتنديد بالظلم والتعسف والاضطهاد والشرّ. الكنيسة التي تسكت على الظلم لا يمكن ان تكون كنيسة المسيح! وأعيد هنا ما كتبته في مرّة سابقة: "الكنيسة التي لا تعرف إلا تبخير الناس وتداهن الاقوياء وتجمّل صورة الواقع المرير، هي كنيسة لا تستحق ملكوت الله. عاجزة وفاقدة لروح النبوة. كنيسة لا تستحق التسمية، أي أن تكون كنيسة المسيح.



توقيع (المطران سعد سيروب)

 

(آخر مواضيعي : المطران سعد سيروب)

  ألأحد الثالث من القيامة 19/4/2015 (من رآني فقد راى الآب) + فيديو

  موعظة ألأحد الثالث من الصوم( 1/3/2015)

  الطائفية / وجهة نظر مسيحية

  موعظة ألأحد السابع من الدنح ( 8/2/2015)

  الحياة المكرسة والمتطلبات النبوية فيها

 

 

 

 تنبيه : جميع الاراء الواردة تعبر عن رأي أصحابها و لا علاقة لإدارة موقع مانكيش كوم بها

 

جميع المواد المنشورة في موقع مانكيش كوم بكل أقسامه لا تُعبّر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع

ويتحمل صاحب الموضوع المسؤولية كاملة عما نشره وجميع ردود الفعل المترتبة عليه

 

رقم المشاركة : #6650
الكاتب : مايكل سيبي

غير متصل حالياً

المجموعةالاعضاء

المشاركات191

تاريخ التسجيلالثلاثاء 11-12-2012

معلومات اخرى
حرر في الأحد 04-01-2015 02:14 صباحا

سيادة المطران الموقـر سعـد
أراك تستـخـدم كـثيرا كـلمة ( العـنـف ) في مقالك بمعـناها المألوف الـيوم  ، في حـين أنها في جـميع أمثلة الإنجـيل والتي أوردتها تعـني ( الشجاعة )... الشجاعة عـلى محاسبة الـذات الـداخـلية ، والشجاعة عـلى مواجهة ممارسات الـبشر العـدوانية ...............  ولا تعـني الإنـقلابات العـسكـرية ولا المظاهـرات المسلحة ولا الإغـتـيالات السياسية ، فـكلمة العـنـف التي تـفـسرها حـسب رأيك !! ليست مرادفة للشجاعة ........ ومع ذلك إسمح لي بالقـول أن مثالاً قـريـباً من مفـهـومك للشجاعة وردَ في الإنجـيل ولكـن فاتـكَ ذِكـرُه ......... وهـو : دخـول المسيح إلى الهـيكـل وصرخـته المـدوّية (( جعلتموه مغارة لصوص )) ولأنـك وكـيل المسيح ، يُـفـتـرض أن تعـمل مثـله ..... فـهـل أنت عـنـيف بالمعـنى الـذي تـفـهـمه ؟

وسؤال مهم :  هـل هـناك شجاعة لمواجـهة هـيرودس الـيوم ؟ وهـذا هـو هـمنا الأهـم .



توقيع (مايكل سيبي)
بارك يا رب كنيستك
رقم المشاركة : #6665
الكاتب : وردااسحاق

غير متصل حالياً

المجموعةالمشرفين

المشاركات1293

تاريخ التسجيلالسبت 02-01-2010

معلومات اخرى
حرر في الأحد 04-01-2015 11:38 مساء

سيادة المطران مار سعد سيروب المحترم

سلام المسيح

مقالاتك القصيرة التي نقرأها تحتوي على الكثير من دروس وعبر وتفاسير مختصرة ومفهومة . هذا المقال الذي يبدو طويلاً بعض الشىء أيضاً وضحت من خلاله المواقف الشجاعة للرب يسوع ومار يوحنا ، شجاعتهم التي تتصف بأستعمال العنف الذي قد يصل الى استعمال القوة كما فعل الرب عندما استخدم السوط في ساحة الهيكل ، أنه عنف مبرر ومقدس يستخدم من أجل التبشير بكلمة الحق مع عدم الأكتراث الى النتائج السلبية ، لأن رسالتهم وآرائهم وأهدافهم لا يساومون عليها حتى مع الموت . أنه عنف أيماني وتحدي ضد الظلم ساروا على خطاهم كل الرسل ونشروا الرسالة بكل شجاعة ، هكذا اليوم أيضاً يجب أن تستخدم تلك الأساليب مع أستخدام الحكمة أيضاً وخاصة مع البلدان التي غلب عليها الجهل والأفكار الصوفية المتخلفة والتي لا تقبل حتى الحوار الحضاري بين الأديان ، نعم مع هؤلاء يجب أن نستخدم طرق أخرى للتحدي مع عدم التفكير في الهروب كما فعل بعض الكهنة والرهبان للأسف فهربوا من العراق دون موافقات أبرشياتهم تاركين خراف الرب بدون راعي . فلمثل هؤلاء لا ينطبق هدف هذا المقال . رجل الأيمان يبقى يتحدى من أجل أن يدخل الى الملكوت بالقوة والثبات ، لا وبل يبحث بجدارة عن العماد الثاني بدم الشهادة كما فعل المسيح ويوحنا وكل الرسل فأختصبوا الملكوت غصباً ودخلوه بجدارة .

وكل عام وأنت بألف خير



توقيع (وردااسحاق)
فأنا لا أستحي بالأنجيل ، لأنه قدرة الله للخلاص ، لكل من يؤمن رو 16:1
رقم المشاركة : #6666
الكاتب : مايكل سيبي

غير متصل حالياً

المجموعةالاعضاء

المشاركات191

تاريخ التسجيلالثلاثاء 11-12-2012

معلومات اخرى
حرر في الثلاثاء 06-01-2015 08:24 صباحا

سيادة المطران العـزيز

هـل يمكـنـك مقارنة شجاعة المسيح بما وصفـته بالعـنـف الذي رفـضه المسيح رفـضاً قاطعاً ؟

هـل يمكـنـك أن تـقـول لبعـض رسل المسيح اليوم ، لماذا تخاذلـتـم في تـلـمـذة جـميع الأمم ؟ بل شجعـتـم عـلى نـشر رسالة تـنـكـر صلبه !

هل يمكـنـك أن تـقـول للمسيح ... لم نكـن بحاجة إلى صلـيـبـك ولا فـدائـك ، فـعـنـدنا طريقة مبتـكـرة وسهـلة لغـفـران الخـطايا ؟



توقيع (مايكل سيبي)
بارك يا رب كنيستك