المنتدى » منتدى الكتابات الروحانية والدراسات المسيحية » رياضة روحية عبر النت لزمن الصوم للأب غدير الكرملي ( دير الكرمل في العراق أقليم باريس الكرملي )
المشاركة السابقة : المشاركة التالية

رياضة روحية عبر النت لزمن الصوم للأب غدير الكرملي ( دير الكرمل في العراق أقليم باريس الكرملي )

الكاتب : ماري ايشوع

غير متصل حالياً

المجموعةعضو مميز

المشاركات1472

تاريخ التسجيلالإثنين 11-07-2011

معلومات اخرى
حرر في الإثنين 16-02-2015 11:23 صباحا - الزوار : 10387 - ردود : 14
 

سلسلة رياضات روحية عبر النت، دير الكرمل في العراق (إقليم باريس الكرملي) (رياضة روحية رقم 6)

إن هذا العام 2015 هو عام اليوبيل المئوي الخامس على ولادة القديسة تريزا الأفيلية (تريزا ليسوع 1515 – 2015)، والرهبانية الكرملية في العالم تتحضر لهذا الإحتفال منذ 5 سنوات من خلال إعادة قراءة كتاباتها وعمل دراسات تعريفية عنها وعن كتاباتها الفريدة. لهذا ومن المنطقي أن تكون رياضتنا الروحية لزمن الصوم الكبير لهذه السنة برفقة هذه القديسة الكبيرة، أول امرأة تُعلَن "معلمة الكنيسة". عنوان رياضتنا هذه هو:

عندما يُحَوِّلُ الحُبُّ : خطوات صغيرة نحو حياة كبيرة
"لا يجب أن نخاف، بل أن نَأمُل )(كتاب السيرة 8: 5)

أربعاء الرماد: “أن نفتح مغارة قلبنا «
القديسة تريزا الأفيلية (تريزا ليسوع): حياتها
نحن أمام امرأة من القرن السادس عشر في أسبانيا، عاشت في مرحلة فاصلة بين حقبتين: الأولى تشمل القرون الوسطى بنظرتها التقليدية إلى الإنسان، أي التي تنظر إلى الإنسان كمركز العالم بينما الله هو في السماء. هذه كانت الحقبة الأولى، لكن هذه النظرة إلى الكون بدأت تتغير في وقت تريزا. فلم يعد الإنسان في المركز، ولا حتى الله أيضاً لم يعد في العلى؛ فالأرض تدور حول الشمس وهي ليست مسطحة كما كانوا يعتقدون قبلاً بل مدورة. أي بصورة عامة، بدأت النظرة إلى العالم والكون والإنسان وإلى الله تتغير. بدأ الإنسان يشكك في كل شيء وأخذ يتساءل فيما إذا كان للكون مركز، أي هل هو الله أم شيء آخر ... فالنظرة إلى العالم ومكانة الله بدأت تتزعزع وتتشوش.
شهدت هذه المرحلة أيضاًحصول شرخ أو انشقاق داخل الكنيسة نفسها بسبب الخلاف البروتستانتي.
وأخيراً، هناك حدث مهم جداً أثر كثيراً على تفاصيل الحياة آنذاك،ألا وهو اكتشاف العالم الجديد (أمريكا) ولموارده الغنية الكثيرة. فقد بدأ الذهب والفضة يُنقَلان من هناك إلى أسبانيا والبرتغال بمئات الأطنان. وبدأت أوربا تدخل في الحقبة الحديثة المتطورة والتي ستقودها إلى تطورات جوهرية.
أخوة تريزا نفسها كانوا من بين المغامرين الذين ذهبوا إلى أمريكا للبحث عن المال والغنى. لكن تريزا لم تذهب معهم، لأنها كانت عطشى جداً إلى كل ما هو أبدي: "إلى الأبد ، إلى الأبد" هي صرختها وهي طفلة، عندما خرجت معأحد إخوتهادون علم عائلتها، إلى حيث كانت هناك حرب بين الأسبان وجيش المسلمين، كي تموت شهيدة وتحقق بذلك عيشها مع الله إلى الأبد (السيرة 1: 4). كانت قد سمعت البعض من حولها يقول بأن من يموت في الدفاع عن بلده ضد المسلمين الذين جائوا يحتلون بلدهم سيصبح شهيداً ويعيش إلى الأبد مع الله. كان عمرها آنذاك سبع سنين وكانت منذ ذلك الحين تعرف كيف توصل شغفها واشتياقها للأبدية، بحيث أنها أقنعت أخيها، الذي كان يكبرها سنًّا، كي يرافقها في هذه المغامرة. بالطبع لم تنجح هذه المغامرة لأنها عمها التقى بهما في الطريق فأرجعهما إلى البيت.
لم يكن ذهب العالم الجديد ما يجتذبها، ولا امتلاك أراضي واسعة للزراعة ولا النفوذ. لكن بناء حياتها الروحية والتعرف على ذلك الذي يسكن داخلها هو ما كان يشغلها. هذا هو "العالم الجديد" الذي كانت تريزا ترغب وتتمنى اكتشافه والتنعم بغناه: أي باطنها المسكون من قبل الله.
"لا يجب أن نتصور بأننا فارغون في داخلنا... لأن هناك في أعماقنا، شيئًا آخر ثميناً جداً، ولا يمكن مقارنته بأي شيء آخر، مما نراه في الخارج." (طريق الكمال 28: 10).
ستكرس تريزا كل حياتها كي تصبح "صديقة" يسوع من خلال طريق الصلاة الصامتة. فبرفقة هذا الصديق، تريزا "ستفتح مغارة قلبها". وسينفتح أمامها مجال واسع وهائل للحب.
وُلِدَت القديسة تريزا في عائلة إسبانية، كان والدها "ألونزو" نبيل كريم وقريب جداً منها. بعد موت زوجته "كاتالينا" التي ولدت له طفلان، تزوج في 1509 من بياتريس أهومادا. كان عمره آنذاك 30 عاماً وبياتريس 15 عاماً فقط. ستهبه 10 أطفال: بعد ولدين، تولد تريزا في 28 آذار 1515 في مدينة آفيلاً في أسبانيا.

مدخل إلى النصوص الليتورجية لهذا اليوم
في القراءة الأولى والثانية من قداس اليوم، أربعاء الرماد، لدينا دعوة إلى التوبة.. إلى الإهتداء.. إلى الرجوع إلى الله (يوئيل2: 12-18؛ 2كورنتس5: 20-6:2). هذه التوبة والرجوع إلى الله تتجسد في الإنجيل (أنظر متى 6: 1-18) في فعل روحي للصوم، والصلاة والصدقة. فالصوم يفتح مجالاً للآخر في قلوبنا: إنه يساعدنا على أن نعي بأننا لا نعيش فقط من الأشياء المادية. والصلاة تجعلنا ننفتح على الله، فهي تُنَمِّي النفس وتُنضجها من خلال خلقها في داخلنا الرغبة اللامتناهية لأن نكون محبوبين.. لأن نُحَب (من قبل الله). أما الصدقة فهي تجعلنا ننفتح على القريب، من خلال المقاسمة، والشركة، وعطية الذات للآخر: فالمحبة المستَلَمَة أصلاً يجب مقاسمتها.

تأمل: إلى ماذا يجب علينا أن نتوب ونهتدي؟
لقد اكتشفت تريزا الأفيلية عَظَمَة كرامة النفس التي يقيم فيها الله. وهي تدعونا إلى نفعل نحن أيضاً بدورنا نفس الشيء، أي أن نلتفت نحو الله ونقيم فيه، من خلال الصلاة الصامتة. هنا نحن في قلب الصلاة. فالصلاة في الحقيقة ليست مجرد مجموعة من الكلمات علينا ترديدها، لكنها الرغبة والشوق إلى الإنفتاح نحو علاقة جوهرية مع الله وأن نتواصل معه.
إنها تتضمن في الحقيقة، أن نهتدي إلى حقيقة إنسانيتنا العميقة، تلك التي جاء يسوع نفسهكي يكشفها لنا. لكنها تتضمن أيضاً أن ننفتح نحو مجيء الله إلى أرض البشر، متخذاً جسدنا، ومنذ ولادته البشرية. فالإهتداء هو ليس ثمرة عمل إرادي، لكنه إنفتاح القلب نحو حب الله المُخَلِّص. إن التجربة الكبيرة الخاطئة التي يمكن أن يمر بها الإنسان هي أن يؤمن بأنه لكي يكون محبوباً، عليه أن يستحق ذلك، ويجب أن يُظهِر نفسه بأنه محبوب؛ وهو يظن أن هذا صحيح إن كان في علاقته مع الله ومع الآخرين أيضاً. بينما يسوع جاء يقول لنا بأن المحبة لا يمكن أن يُستَحوَذ عليها.. لا يمكن أن نحصل عليها بإرادتنا وقدراتنا وحدها، لأنها إنفتاح القلب تجاه عطية الله، في فعل اختياري حُر.
في زمن الصوم الكبير هذا، لنتعلم أن نطلبهذه النعمة من الله: أن نُشفى من كل خبرات عدم محبة الآخرين لنا، ومن جروحاتنا التي سببتها قلة محبة البعض لنا، ولازالت هذه الجروحات لم تندمل. لنتعلم أيضاً أن نطلب الغفران لأننا تبدورنا لم نعرف أن نُحِب الآخرين حقاً.تقول لنا القديسة تريزا، في هذا الطريق "لا يجب أن نخاف بل أن نأمل..". صحيح أن هناك جهوداً تقع على عاتقنا وعلينا القيام بها، لكن فيما يخص الخلاص، فهو لا نستلمه إلاّ من الله. فالخلاص ليس في متناول الإنسان، لأنه عطية ونعمة من الله. "نحن مُخَلَّصون بالنعمة"، يقول القديس بولس (أفسس2: 5)، وهو ما ستكتشفه تريزا الأفيلية شيئاً فشيئاً، عندما ستختبر قدرة النعمة العجيبة وتأثيرها في إنسانيتها الضعيفة.

الطريق الذي ستسير فيه رياضتنا الروحية: طريق الإهتداء إلى الحُب
خلال رياضتنا الروحية التي عشناها أثناء الصوم الكبير للعام 2013، ساعدتنا فيها أيضاً القديسة تريزا الأفيلية، لكننا عندها تبعنا تريزا الواصلة إلى قمة نضوجها الروحي. في رياضتنا لهذه السنة، سنسير مع تريزا وهي في طريق هدايتها الشخصية ورجوعها القوي إلى الله (1515 - 1556)، أي منذ طفولتها وإلى اكتشافها الكبير لُحب المسيح لها وهي في التاسعة والثلاثين من عمرها. ما يلي مراحل الرياضة الروحية مُحَدَّدة ومُقَسَّمة من خلال صراعات تريزا الروحية قبل أن تصل إلى قمة الحياة الروحية والإتحاد بالله:
1) أن نختار العيش: تريزا المراهقة في مواجهة موت والدتها.
2) الذهاب إلى ينبوع الحُب: تريزا سجينة حُب والدها المفرط والمُتَمَلِّك.
3) تحرير قدرتها على الحُب: تريزا واقعة في شباك الصداقات.
4) أن تُصبح متواضعة: تريزا مُحبَطَة بسبب ضعفها ونواقصها.
5) النظر إلى الغد بثقة: تدعونا تريزا إلى الثقة.
6) أن نسلم حياتنا لمحبة يسوع: كيف نعيش الأسبوع المقدس (من السعانين حتى عيد القيامة).

"لا يجب أن نخاف، لكن أن نأمل .. أن نشتاق.. أن نتمنى.. ".. في بداية زمن الصوم الكبير هذا، لنطلب إذن من الله أن يجعلنا حاضرين أمامه، هو الحاضر دوماً، وأن يُحَرِّرنا من أنفسنا، أي أن يُخلِّصنا. فهدف هذه الرياضة الروحية هو أن ندع الحُب يُحوِّل حياتنا، وأن يجعلنا ننظر نحو الغد بثقة ورجاء. ستستلمون عادة كل يوم سبت، من زمن الصوم الكبير هذا، ملفًا يحوي على تأمل وشهادة حول حياة الصلاة مع بعض النقاط المساعِدة على الصلاة اليومية.
أتمنى لكم رياضة روحية وزمن صوم مبارك.

الصلاة كل يوم من أيام الأسبوع مع تريزا الأفيلية

الخميس 19 شباط:
"نحن لسنا إلاّ خدامَ المحبة، هذا ما يجب أن نكونه، إذا قررنا أن نتبع في طريق صلاة السكوت هذا، ذاك الذي يحبنا إلى هذه الدرجة... لكننا بطيئون جداً في وهب ذواتنا تماماً لله." (السيرة11: 1).
"هاءنذا واقف على الباب أقرعه، فإن سمع أحد صوتي وفتح الباب، دخلت إليه وتعشيت معه وتعشى معي." (رؤيا 3: 21).

الجمعة20 شباط:
"في بحثنا عن محبة الله، نحن نريد الحفاظ على محبتنا ورغباتنا ولا نقدمها له، بل نحن لا يمكننا أصلاً أن نجعل رغباتنا ترتفع ولو قليلاً عن الأرض.
" إن الله لا يهبنا كنزه فوراً وبشكل كامل، لأننا لا نُسَلِّم له كل شيء في نفس الوقت، لا يهمني حتى لو وهبني الرب حبَّه قطرة فقطرة!" (السيرة11: 3).
"لأن هؤلاء كلهم ألقوا في الهبات من الفائض عن حاجاتهم، وأما هي فإنها من حاجتهاألقت جميع ما تملك لمعيشتها." (لوقا21: 4).
"
السبت21 شباط:
"نحن نظن بأننا وهبنا كل شيء لله، لكننا لا نعطي لله إلاّالفائض عن حاجاتنا، محتفظين لنا بالأصل والممتلكات. نحن ربما نقرر في أوقات كثيرة أن نصبح فقراء، لكننا وبسرعة نقلق، فنعمل كل شيء كي لا ينقصنا شيء، ليس فقط مما هو ضروري، لكن حتى من الفائض." (السيرة11: 2).
"أنظروا إلى طيور السماء كيف لا تزرع و لا تحصد ولا تخزن في الأهراء، وأبوكمالسماوي يرزقها. أفلستم أنتم أثمن منها كثيرا؟"(متى 6: 26).

مع محبة الأب غدير الكرملي



توقيع (ماري ايشوع)

 

(آخر مواضيعي : ماري ايشوع)

  كيف لي ...

  خذ مني حريتي

  رياضة زمن الصوم الكبير عبر النت مع ايليا ( 2016) للأب غدير الكرملي

  رياضة روحية عبر النت مع الرهبانية الكرملية: استقبال جدة الله( جديد الله) مسيرة مع اول زوجين قديسين ف

  صــــرت طـفــــلاً

 

 

 

 تنبيه : جميع الاراء الواردة تعبر عن رأي أصحابها و لا علاقة لإدارة موقع مانكيش كوم بها

 

جميع المواد المنشورة في موقع مانكيش كوم بكل أقسامه لا تُعبّر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع

ويتحمل صاحب الموضوع المسؤولية كاملة عما نشره وجميع ردود الفعل المترتبة عليه

 

رقم المشاركة : #6775
الكاتب : ماري ايشوع

غير متصل حالياً

المجموعةعضو مميز

المشاركات1472

تاريخ التسجيلالإثنين 11-07-2011

معلومات اخرى
حرر في الأحد 22-02-2015 05:32 مساء


قراءات زمن الصوم الكبير (السنة ب)


اليوم القراءة الأولى القراءة الثانية الإنجيل
أربعاء الرماد يوئيل 2: 12 - 18 2قورنتس5 :20 -6 :2 متى 6 :1-6، 16 -18
الخميس الاشتراع 30 :15 -16– 18 أ 20 لوقا 9 : 22-25
الجمعة إشعيا 58 : 1 -9 متى 9 :14 – 15
السبت إشعيا 58 : 9 – 14 لوقا 5 :27 – 32
الأسبوعالأول
الأحد الأول التكوين 9 : 8 - 15 1 بطرس 3 : 18- 22 مرقس 1: 12 - 15
الاثنين الأحبار 19- 12 ، 11-18 متى 25 : 31-46
الثلاثاء اشعيا 55 : 10 -11 متى 6: 7-15
الأربعاء يونان 3: 1-10 لوقا 11: 29 -32
الخميس ملوك الثالث 19 : 3-8 متى 7: 7-12
الجمعة حزقيال 18 : 21-28 متى 5: 20 -26
السبت الاشتراع 26 : 16 -19 متى 5: 43 -48
الأسبوع الثاني
الأحد الثاني تكوين 22 : 1 -18 رومة 8: 31ب - 34 مرقس 9 :2 -10
الاثنين حزقيال 34 :11 13، - 16 لوقا 6: 36 – 38
الثلاثاء اشعيا 1: 16 -20 متى 23 : 1-12
الأربعاء ارميا 18: 18 -20 متى 20 :17 -28
الخميس ارميا 17 : 5 -10 لوقا 16 : 19 – 31
الجمعة تكوين37: 3-4 ،12-13، 17-28 متى21 : 33 – 43،44– 46
السبت ميخا 7: 14-15 ، 18 -20 لوقا 15 :1-3 ، 11 -32
الأسبوع الثالث
الأحد الثالث الخروج 20: 1- 17 1قورنتس1: 22 - 25 يوحنا 2: 13 - 25
الاثنين ملوك الرابع 5 : 1 -15 لوقا 4 : 24 -30
الثلاثاء دانيال3: 25، 34-35، 37، 39-43 متى 18: 21 -35
الأربعاء خروج 24 :12 -18 متى 5 : 17 -19
الخميس ارميا 7 : 23 – 28 لوقا 11 : 14 – 23
الجمعة هوشع 14 : 2-10 مرقس 12 :28-34
السبت هوشع 6 :1 -6 لوقا 18 : 9-14

الأسبوع الرابع
الأحد الرابع 2أخبار الأيام 36: 14 – 16 . 19 - 23 أفسس 2: 4 - 10 يوحنا 3: 14 - 21
الاثنين ملوك الثالث 17 : 8-16 يوحنا 4 : 43 -54
الثلاثاء حزقيال 47 : 1-9 ،12 يوحنا 5 : 1-16
الأربعاء اشعيا 49 : 8– 13 يوحنا 5 : 17- 30
الخميس خروج 32 : 7 -13أ ،14 يوحنا 5 : 31 -47
الجمعة الحكمة 2 : 1أ، 12 -22 يوحنا 7 : 1-2 ،10 ،25-30
السبت ارميا 11: 18-20 أ ج يوحنا 7 : 40 -53
الأسبوع الخامس
الأحد الخامس إرميا 31: 31 – 34 عبرانيين 5: 7 - 9 يوحنا 12: 20 - 33
الاثنين ميخا 7 : 7-9 يوحنا 8 : 12 – 20
الثلاثاء العدد 21 : 4-9 يوحنا 8 : 21 -30
الأربعاء دانيال 3 : 14 -20 ،91 -92 ،95 يوحنا 8 : 31 -42
الخميس تكوين 17 : 3-5 ، 7 ،9 يوحنا 8 : 51-59
الجمعة أرميا 20 : 10 -13 يوحنا 10 : 31 -42
السبت حزقيال 37 : 23 -24 ، 25 -27 يوحنا 11 : 45 -57
الأسبوع المقدس
احد السعانين إشعيا 50 : 4-7 فيلبي 2 : 6-11 لوقا 22 :14 -23 :56
أو 23: 1-49
الاثنين إشعيا 42 : 1-7 يوحنا 12: 1-11
الثلاثاء إشعيا 49 : 1-6 يوحنا 13 : 21-33 ،36-38
الأربعاء إشعيا 50 : 4-9 متى 26 : 14-25

مع محبة الأب غدير الكرملي



توقيع (ماري ايشوع)
رقم المشاركة : #6776
الكاتب : ماري ايشوع

غير متصل حالياً

المجموعةعضو مميز

المشاركات1472

تاريخ التسجيلالإثنين 11-07-2011

معلومات اخرى
حرر في الأحد 22-02-2015 05:35 مساء


رياضة روحية لزمن الصوم الكبير 2015 (الآباء الكرمليين في العراق)
الأسبوع الأول من زمن الصوم الكبير: أن نختار العيش


مدخل إلى النصوص الليتورجية:


إن قوس قُزَح الذي نراه في القراءة الأولى هو علامة العهد الذي أقامه الله مع نوح. إنه يرمز خاصة إلى "الجسر" الحقيقي بين السماء والأرض: أي جسد يسوع، المائت والقائم من أجلنا (تكوين 9: 8-15). أمام هذه العطية الإلهية، جواب حُبّنا سيكون من خلال محاولة عيش عمادنا كما يجب وأن نتبع يسوع (1 بطرس 3: 18-22). هذا يبدأ في البرية مدة أربعين يوماً. فهناك هو المكان الرمزي لحياتنا التي نحن مدعوون فيها لاستقبال الملكوت. فملكوت الله أصبح قريباً منا جداً في يسوع (مرقس 1: 12-15)، كما أعلنته علامة قوس قزح. إننا مدعوون أيضاً لأن نستقبل يسوع الإنسان، كيما نستقبل (نَقبل) منه تأليهنا.. أي كي يجعلنا نشترك في حياته الإلهية. هذا هو خيار حياتنا.. فهذا الخيار ليس مفروضاً علينا لكنه اختيارٌ حُر.


تأمل الأسبوع


ما معنى أن نستقبل يسوع كإنسان، وكيف نعمل ذلك؟


أن نستقبل يسوع الإنسان يعني أن نستقبل منه إنسانيتنا .. أعني أن نكتشف من خلاله إنسانيتنا.. لكن إنسانيتنا الحقيقية، وليست تلك التي يسعى العالم إليها. إنه طريق للولادة الجديدة .. للتجسد، يدعونا إليه يسوع. إنه حَمَل إنسانيتنا بأكملها، وقبل ضعفها، حتى الإستهزاء والتعذيب، بل وحتى الموت، كيما يحولها بعد ذلك بفضل قوة القيامة والمحبة. فبتجسده، يأخذ يسوع حياتنا على عاتقه. فمنذ البدء، يحلم الإنسان: "ستكونون كالآلهة" يقول لنا الفصل الثاني من سفر التكوين. بينما الله، هو، "يحلم" بالإنسان في حقيقته التي يعرفها وخلقها هو. وإننا نؤمن بأن قدرة الله الكلية ستحررنا وتجعل منا مخلوقات سعيدة، حُرّة من أي ضغوطات. هكذا كان على يسوع أن يواجه "قدرة الإنسان" الوهمية (التي يظن الإنسان أنه يمتلكها)، هي التي لا تعرف ولا تفهم حقاً قدرة المحبة الأبدية. لأنه ليست هناك قدرة حقيقية إلاّ قدرة المحبة. إننا اليوم نركز أنظارنا على قدرات الإنسان ونظنها أبدية، كلية القدرة ولا تزول، وننزعج جداً من كلما يُظهِر ضُعفَ الإنسان. لهذا مثلاً، نحن نهاب الألم ونهرب منه مهما كلف الأمر.ونخاف من محدوديتنا وضعفنا ونحاول إخفاءهما حتى على أنفسنا مفكرين: "آهْ، لو رآني الناس الذين ألتقي بهم على حقيقتي، فسوف لن يحبونني!" ومع ذلك، فنحن لا نستطيع دوماً أن نكذب وأن نتغاضى عن حقيقتنا. فحقيقة إنسانيتنا لا بد لها أن تلحق بنا يوماً ما، وعندها ماذا سنعمل؟ كيف سنتمكن من عيش حياتنا عندها؟ القديسة تريزا تقترح علينا طريقاً يساعدنا على ذلك، ألا وهو طريق الصلاة الصامتة، من أجل الدخول في حوار مع المسيح وأن نصبح أصدقاءه.
صديق يشفينا
ينزعج الكثيرون منا عندما يسمعون عبارة "الصلاة الصامتة"، ويتساءلون مستغربين: "كيف يمكن أن نقضي نصف ساعة مثلاً في الصمت أمام الله؟" لكن قبل أن نحكم سلبًا على هذه العبارة التي لا نفهم معناها غالبًا، لنستمع إلى القديسة تريزا الأفيلية وهي تُعَرِّف لنا الصلاة الصامتة: "ما الصلاة الصامتة إلاّ حوارُ صداقةٍ نُجريه غالبًا على إنفراد، مع مّن نعرف أنه يُحبّنا" (السيرة).
إن لقاءنا بالقديسين من خلال ضعفهم البشري ومحدوديتهم يمكن أن يساعدنا في طريقنا وأن يهبنا الأمل. نحن للأسف لا نملك الكثير من التفاصيلبخصوص طفولة تريزا، وصراعاتها، خارج ما تركته لنا بنفسها في كتاباتها. لكن يمكننا مع ذلك أن نجد في هذا الخصوص مادة تُذَكِّرنا بخبراتنا نحن، وتجعلنا نسير مثلها خلف يسوع، وتقودنا محبته الرحومة.فالمحبة هي التي تساعدنا على تجاوز ضعفنا ومحدوديتنا، وتجعلنا ننهض من جديد ونسير مع إخوتنا وأخواتنا. إذا كان الله يأتي ويلتحق بنا في يسوع، وإذا كان قد جعل من نفسه قريباً منا جداً، فذلك لكي نتعلم كيف نستقبله. فلا يجب أن ننتظر أن نصبح قديسين أولاً كي نبدأ في الدخول معه في علاقة حُب، لأننا لن نصل إلى ذلك أبداً!
"أرى أن إلهنا هو إنسان أيضاً، فهو لا يستغرب أبداً من ضعفات البشر، ويفهم طبيعتنا البائسة، المُعَرَّضة للسقوط كثيراً، بسبب الخطيئة الأصلية التي جاء هو كي يُصلِحها ويزيلها عنا. فمع كونه السيد والرب، يمكنني أن أعامله كصديق، لأنه ليس مثل هؤلاء الذين يُعطى لهم، هنا على الأرض، لقب السيد."(السيرة).
إن قرب يسوع هذا هو الذي ساعد تريزا على أن تكبر وتنضج في الإيمان. فأن نترك انفسنا نُحَب تحت نظرة الله الحنونة: هذا هو طريق الشفاء بحد ذاته. وتريزا عاشت هذا أولاً وبشكل عملي في علاقتها مع والدتها.
كانت والدة تريزا امرأة حنونة وورعة، أعطت حياتها كلها لأطفالها. وقد حالف الحظ تريزا في أن تولد في عائلة، وهبتها الحُب، وقدمت لها أيضاً تعليمًاجيداً، وهو ما كان نادراً في ذلك الوقت بالنسبة للفتيات. لنصغي إلى ما تكتبه تريزا عن والدتها:
"كانت والدتي تحب كتب الفروسية ، دون أن تجعل من وقت الترفيه هذا شيئًا سلبياً مثلما كنت أنا أعمل، لأنها لم تكن تهمل عملها؛ كانت تسمح لنا أن نقرأ هذه الكتب، ربما كيتتمكن من نسيان آلامها وأوجاعها الكبيرة، كما أن ذلك كان ربما طريقة لشغل أطفالها بشيء ما وتُجنِّبهم التشتت. كان أبي يتعصب كثيراً من ذلك لدرجة أننا كنا نتجنبه لكي لا يرانا. بدأت أتعود على قراءة كتب الفروسية هذه وأحبها؛ وبدأ هذا العيب الصغير (أي التعلق بكتب الفروسية) يقلل ويجمد شيئاً فشيئاً من طموحاتي وبدأت أهمل كل الأشياء الأخرى؛ لم أكن أعتقد بأن هذا كان شيئًا سيئاً، مع أني كنت أضيع الكثير من الساعات، نهاراً وليلاً، في قراءة هذه الكتب التي لا جدوى منها، وفي الخفاء، دون علم أبي. كنت قد تعلقت بهذه الكتب كثيراً لدرجة أنني عندما لا يقع تحت يدي كتابًا جديداً، لم أكن أجد المتعة في أي شيء آخر."(السيرة).
في هذه السطور القليلة، يمكننا أن نلاحظ شيئاً من طبع تريزا، الشغوفة والمولعة بالقراءة، ربما مثل شباب اليوم المولعين والمتعلقين بكل ما يخص وسائل الإتصال والإنترنت... هذا الطبع الشغوف سينعكس بوضوح في حُبها لله وتكريسها له كل حياتها بعزم وقوة.


في مواجهة الموت


كل شيء كان يسير نحو الأفضل بالنسبة لتريزا الشابة التي كانت تحلم بقرءاة قصص الفروسية. لكن موت والدتها جاء ليكسر أحلام فترة المراهقة التي كانت تمر بها. فعلى الرغم من عون العديد من الخادمات، ستموت والدتها "بياتريس"بسبب الإجهاد والتعب في عمر يناهز الـ 33 عاماً. حافظت والدتها حتى بعد موتها على وجه هاديء جداً بحيث ظن أطفالها أنها نائمة. ولم تفهم تريزا حالاً هول مصيبتها، فهي كانت تجهل عندها الفراغ الكبير الذي يخلفه موت الشخص العزيز عند الأحياء. إليكم ما قالته تريزا عندما توفيت والدتها، وهي في عمر الـ 14 عاماً (وليس 12 كما تكتب هي):
"أذكر أنه عندما توفيت والدتي كان عمري في حدود الـ 12 عاماً. وعندما فهمت ما قد خسرتُه بوفاتها، ذهبت، وكلي ألم وحزن، أمام صورةٍ لأمنا العذراء مريم، متوسلةً إياها أن تكون هي أمي، وكانت دموعي تنزل بغزارة. يبدو لي بأني، وعلى الرغم من أن هذا كان تصرفًا ساذجاً يخرج من طفلة، لكنه كان عونًا كبيراً لي، لأنه ومن الواضح لي بأن هذه العذراء الحنونة كانت دوماً مصدر عون وسند كلما استنجدت بها، وها هي أخيراً تجذبني نحوها"(السيرة).
بفقدانها لوالدتها، فقدت تريزا في الحقيقة صديقةً ومثالاً ومعلمةً. وربما أصيبتتريزا ببعض الضياع: فهي بحاجة إلى أم كي تقودها في عالمها العائلي الذي كانت تَغْلُب عليه الذكورية، حيث كان عليها أن تجد دوماً مكانها فيه. ما الذي عليها ان تفعله عندما كل شيء تحتها بدء يهتز؟ كانت تجربة الإنغلاق على نفسها تهددها كل يوم. لكن ولحسن حظها، كان لدينا ينبوعًا تستقي منه، يبدو بسيطاً وساذجاً، لكنه ذو أهمية كبيرة. فقد انفتح أمامها طريق مليء بالثقة: أن تأخذ مريم أمًا لها. كان عليها فقط أن ترفع عينها نحو السماء لكي لا تجد نفسها وحيدة. إن هذه الحركة البسيطة التي الإيمان وحده يمكن أن يجعلها ممكنة، سمحت لها بأن تبقى في علاقة مع الحياة. إن هذا شيء حيوي ومهم جداً بالنسبة لها كما هوبالنسبة لنا نحن أيضاً. فقد كان من الممكن بالنسبة لتريزا في تلك اللحظة، أن تتوقف على النمو والنضوج داخلياً. لكنها اختارت أن تبقى حَيّة وهي تواجه الموت أمامها. لكن هذا بالطبع لم يمنعها من أن تختبر حرقة غياب والدتها الحبيبة وثقل الأيام لأشهر وسنين تلت ذلك الحدث المؤلم. وقد وصلت تريزا نفسها إلى حافة الموت، هي نفسها، بعمر الـ 24 عاماً، لكنها تخطت ذلك.
في لحظات خطيرة ومهمة كهذه، الخطر الذي يمكن أن يواجهنا، كما واجه تريزا، هو خطر الإنطواء على ذواتنا. خاصة وأن هذا الإنطواء يقود إلى خطر التصلب، ورفض الإنفتاحوالنمو الداخلي والنضوج ونُحاول أن نُجَمِّد أنفسنا عاطفيًا في تلك الفترة.إن هذا النوع من الخبرات يترك آثاراً سلبية، وربما جعل تريزا تفكر في معنى حياتها. 


اختيار الحياة


اختارت تريزا أن تدع مريم العذراء تسندها في محنتحها. فباتخاذها لمريم أمًّا لها، تقرر تريزا الخروج من ذاتها ومن ألمها. يجب أن نتعلم نحن بدورنا الإستفادة من هذا الجهد في أوقات المحن.. أعني أن نمد يدنا إلى يد أخرى كي تساعدنا وقت الشدة، وهو عكس الإنغلاق على الذات والتقوقع الذي نقع فيه عادة. فصرختها للعذراء ومدها يدها إلى يد العذراء كي تستند عليها .. أي أن فعل رفع يدها من خلال الصلاة، وصرختها للآخر .. وتركها الآخر (هنا مريم)، يدخل قلبها وتسكب قلبها فيه، وعدم انطواءها على ألمها بل انفتاحها على حضور العذراء معها... إذن، إن صرختها للعذراء ومدها يدها إلى يد العذراء كي تستند عليها، هذا هو طريق الحياة الذي انفتح أمام تريزا. بعد ذلك قادتها مريم، شيئاً فشيئاً إلى اللقاء بابنها يسوع. وستكتشف تريزا عندها صداقة يسوع، أي الشخص الذي يمكنها التحدث معه بكل بساطة، بكل شيء.
"لم أكن أعلم كيف أصلي صلاة السكوت ولا كيف أختلي بالله... وبما أن الرب كان قد وهبني نعمة الدموع، وكنت أحب المطالعة، بدأت أبحث عن أوقات خلوة، وأتقدم لسر الإعتراف كثيراً، وألتزم في طريق الصلاة هذا، بمساعدة هذا الكتاب الذي كان يقودني... كنت أحاول قدر إستطاعتي أن أعيش محافظة في داخلي على حضور يسوع المسيح، كنزنا وربنا؛ كانت هذه طريقة صلاتي"(السيرة).
إن طريق الإهتداء هذا ساعد تريزا على أن لا تنطوي على نفسهامعتمدة فقط على قواها كي تعيش، وكذلك على عدم إنغلاقها على ذاتهاداخل قوقعة. وإلاّ كان ذلك سيؤدي إلى الإنقطاع عن العالم والإلتجاء إلى عالم آخر وهمي. هكذا إذن يأتي الله إلى حياتنا كي يساعدنا على النهوض حتى نستطيع البقاء في الحياة بكامل قوانا. لكن علينا أولاً أن نقبل هذه الحياة.. أن نستقبلها! تريزا قبلت هذا الخَيار: فهي جاءت إلى الله كما هي، بضعفها ونواقصها، ولم تنتظر أن تصبح كاملة كي تأتي إليه، بل أتت إليه دون قيد أو شرط. والنتيجة كانت أنها دخلت في علاقة عفوية بين الله وبينها: في"حوار الصداقة"هذا بين الله وبينها. هذا هو العنصر الأول مما سيكون حياة الصلاة (صلاة السكوت) عندها: وهي لم تَكف أبدأ عن دعوتنا لكي نعمل نحن أيضاً، كما فعلت هي.
"أثناء اهتماماتنا وأعمالنا، ووقت الإضطهادات، والمحن، وعندما لا نعيش في السلام المعتاد، وفي ساعات اليبوسة، المسيح سيكون أفضل صديق نتخذه عندها، لأننا سنجد فيه الإنسان، سنرى ضعفه، ومِحَنه وصعوباته، وسيبقى معنا يرافقنا؛ إذا عَوَّدْنا انفسنا على ذلك، سيصبح من السهل جداً علينا أن نجده بالقرب منا متى ما نريد."(السيرة).
لنحاول خلال هذه الأسبوع أن "نتدرب" على العيش مع المسيح، في تفاصيل يومنا البسيطة، وفي خياراتنا اليومية البسيطة. وعندما تواجهنا تجربة أن نغلق قلبنا وننطوي على أنفسنا، لنقرر بسرعة الخروج من أنفسنا، والتوجه نحو العمق!


شهادة حول الصلاة: "الصلاة فتحت عيني"


عندما أصلي ، يتشتت تفكيري بسهولة كبيرة بسبب أشياء مختلفة، وكي أرجع إلى الصلاة، علي بانتظام إبعاد هذه الأفكار غير المرغوب فيها عني. وكي أتمكن من ذلك، أعتدت أن أبدأ بعد كل تشتت بصلاة قصيرة أو بعبارة تؤثر فيّ أوجهها لله. قبل أيام، وبينما كنت أصلي، تشتت فكري ورجعت في ذاكرتي إلى ما حدث في صباح ذلك اليوم مع أحد أصدقائي. كنت قد اكتشفت بالصدفة بأنه قد قام بعمل يعكس تقصيراً واضحاً في عمله الوظيفي. وبعدما واجهته بذلك، اعترف لي بتقصيره، فأنبته وطلبت منه أن لا يعود إلى مثل هذه التصرفات الخاطئة مستَقبَلاً.
لكني وبعد أن عدت إلى صلاتي بعد هذا التشتت بواسطة عبارة صغيرة موجهة لله ولعدة مرات، انفتحت عيناي على حقيقة لم تخطر ببالي. فمع صديقي هذا، لم أستفد من الفرصة التي أُتيحت لي كي أتصرف كمسيحي. فأنا عاتبته مُفَكِّراً فقط بخطئه الوظيفي وإساءته للشركة التي يعمل فيها، لكني نسيت خطأه وإساءته تجاه نفسه هو. أي أني كلمته كحاكم أو مفتش ربما، لكن ليس كصديق، أو كأخ. وصلاة السكوت هي التي فتحت عيني على هذه الحقيقة. أو ربما يمكنني القول، فتحت قلبي. والآن، أود أن أقول لصديقي هذا: انتبه لنفسك، فهناك أعمال تسبب الأذى لك أنت.. لذاتك، وتجرحك، وتُبقي في داخلك طعماً مرًّا.. أنتبه لأن قيمتك أكبر من ذلك بكثير.. أنت أثمن من ذلك بكثير في عيني الله.
غمرتني عندها محبة كبيرة لصديقي هذا. لأن الله أراد أن أحس بتضامن مع هذا الصديق، وربما أراد أيضاً أن أحس بضعفي وبأني من الممكن أن أقع أنا أيضاً في أي عمل سلبي على مثال صديقي هذا بل وأسوأ. صليت من أجله وسأحدثه عن ذلك في أول فرصة نلتقي فيها."


الصلاة كل يوم من أيام الأسبوع مع تريزا الأفيلية


الاثنين 23 شباط:


"كانت الرغبة في الإختلاء للصلاة لازالت في داخلي، وكذلك التحدث عن الله أثناء التقائي بالآخرين؛ وعندما يبدأ شخص ما بالتحدث عن الله أمامي أثناء هذه اللقاءات، كان ينتابني فرح كبير أكبر بكثير من كل الأحاديث الدنيوية الجميلة. وكنت أتناول القربان وأتقدم لسر الإعتراف أكثر بكثير مما كنت أتمناه." (السيرة).
"هاءنذا أستغويها، وآتي بها إلى البرية، وأخاطب قلبها. " (هوشع2: 14).


الثلاثاء 24 شباط:


"أرى أن إلهنا هو إنسان أيضاً، فهو لا يستغرب أبداً من ضعفاتنا... فمع كونه السيد والرب، يمكنني أن أعامله كصديق، إنه ليس مثل هؤلاء الذين يُعطى لهم هنا على الأرض لقب السيد." (السيرة).
"طلب التلميذان من يسوع: أين تقيم؟ فقال لهم: تعالاً فانظُرا!. فذهبا ونظرا...، وأقاما عنده." (يوحنا 1: 38 – 39).


الأربعاء 25 شباط:


"أنا لا أطلب منكم إلاّ أن تنظروا إليه... فهو، لا يرفع عينه أبداً عنكم: إذن هل أنا أطلب حقاً الكثير منكم، عندما أطلب أن تُبعدوا أنظاركم عن الأشياء الخارجية كي تنظروا إليه فقط، هو، بين الحين والآخر؟" (طريق الكمال).
"دنا يسوع ولمسهم وقال لهم: "قوموا، لا تخافوا".فرفعوا أنظارهم، فلم يروا إلا يسوع وحده." (متى17:7-8).


الخميس 26 شباط:


"هؤلاء الذين لا يُصَلّون، أتوسل إليهم أن لا يحرموا أنفسهم من خيرٍ ثمين كهذا. ففي الصلاة، لا يوجد أي شيء نخاف منه، ويوجد كل شيء نتمناه. هناك نتعلم شيئاً فشيئاً كيف نتعرف على طريق السماء، إذا قبلنا أن نسير فيه باستمرار ومواظبة، وأن ننتظر كل شيء من رحمة الله: فليس عبثًا أننا اخترناه صديقاً لنا." (السيرة).
"لا أدعوكم خَدمًا بعد اليوم، لأن الخادم لا يعلم ما يعمل سيده. لكني أدعوكم أصدقائي (...). أنا أخترتكم." (يوحنا 15: 15-16).


الجمعة 27 شباط:


"لا تظنوا أني سأطالبكم بالحفاظ على وصايا عديدة... بل أكتفي بطلب عيش ثلاث نقاط فقط (...). الأولى هي بخصوص المحبة التي علينا أن نكنها أحدنا للآخر؛ النقطة الثانية، التجرد عن كل الخلائق؛ والثالثة هي التواضع الحقيقي، الذي على الرغم من أني أذكره في النهاية، فهو الأساسي لأنه يشمل كل الفضائل." (طريق الكمال).
"فحدق إليه يسوع فأحبه فقال له: "واحدة تنقصك: اذهب فَبِعْ ما تملك وأعطه للفقراء،فيكون لك كنز في السماء، وتعال فاتبعني." (مرقس10: 21).


السبت 28 شباط:


"لا تبحثوا عن تكونوا مفيدين للعالم بأكلمه، لكن على الأقل لهؤلاء الذين يعيشون حولكم... إن الله ينظر أكثر ليس إلى حجم وكبر أعمالنا، بل إلى المحبة التي نضعها في هذه الأعمال." (المنازل).
"جاء يسوع إلى الجليل يعلن بشارة الله، فيقول: " لقد اقترب ملكوت الله. فتوبوا. (مرقس 1: 14-15).


بعض الإرشادات المساعدة في الصلاة الصامتة


من المهم دوماً أن نُذَكِّرَ أنفسنا بأن هدف الصلاة الصامتة هو الإتحاد بالله. ولتحقيق هذا الهدف، لا توجد وصفة سحرية أو طريقة يكفي إتباعها كي نبلغ الهدف. لهذا في كل مرة ندخل فيها للصلاة، علينا بذل بعض الجهود لكي ندخل في علاقة الحُب هذه مع الله. عندما نلتقي بشخص ما، هناك بداية اللقاء ووسطه وخاتمة هذا اللقاء:


بداية الصلاة الصامتة


- آتي إلى الصلاة وكأني ذاهب إلى موعدٍ مع الحبيب، آتي بثقة. أتخذ موقفاً جسدياً ملائماً .. مريحاً، وثابتًا.. مستقراً. أعمل علامة الصليب ببطيء ووعي .. ممكن أرفع يَدَيَّ متضرعاً ومستقبلاً نعمة الله .. أو أغلق عينَيَّ، الخ...

- وفي الحال، أضع نفسي في حضور الله، الآب ، والابن ، والروح القدس: "أنت فِيَّ يا رب .. أنت تسكن في أعماق قلبي.. يا إلهي الثالوث .. عَلِّمني أن أعمل ما يُرضيك!" من الممكن أن أبدأ هنا الصلاة الربية...

- أطلب عون الروح كي يساعدني على الدخول في الصلاة .. صلاة الصمت. أحاول أن أدخل وألتحق في صلاته وكأنه هو مَن يتمتم في شَفَتَيَّ.

- أضع نفسي تحت تصرف الله .. أترك همومي وشواغلي .. وإذا لا أستطيع.. أقدمها لله. "أنا هنا يا رب، من أجلك أنت، من أجل أن تفرح أنت .... أريد ما تريده أنت يا رب".

- إن هذه البداية مهمة جداً. ويجب أن نأخذ الوقت الكافي لها. بل من الممكن حتى أن تصبح هي كل الصلاة.. أي أن تأخذ كل وقت الصلاة!


أثناء الصلاة


- بعد هذه البداية، كيف سأملأ وقت الصلاة (نصف ساعة مثلاً)؟

- أتأمل في نص من الكتاب المقدس (يُفَضَّل أن أختاره قبل الدخول في الصلاة). أقرأه ببطيء، وأتوقف في الكثير من الأحيان عند أي شيء يؤثر فيَّ. أتأمل في كلمة مثلاً، أو في عبارة لمست قلبي. أكررها في قلبي. أترك كلام الله ينزل في قلبي.. إلى الأعماق. أحتفظ بكلام الله هذا لأطول وقت ممكن طالما كنت أجد فيه غذاءً. {عندما نقرر البدء في ممارسة الصلاةالصامتة، من المهم أن نستعين بنص من الكتاب المقدس. نحاول التأمل في كلام الله هذا الذي يرفع روحنا. كما أنه يساعدنا على تثبيت أو تركيز الإنتباه ويسمح لنا بالعودة إلى الله عندما يُبعدنا الشرود أو تشتت الأفكار. لاحقاً، بعد أن نتقدم قليلاً في طريق الصلاة الصامتة، سيصبح استخدام الكتاب المقدس أقل ضرورة أو فائدة (أثناء وقت الصلاة بالطبع وليس بصورة عامة في الحياة). وعندها، اللقاء مع يسوع .. مع الله الحاضر في قلبنا، سيكون هو الأساس والمهم. عندئذٍ، سنعيش الصلاة الصامتة وكأنها مقاسمة مع أفضل صديق لنا .. صديقنا المُفَضَّل. فعندما يكون هناك لقاء مرتَقَب بين حبيبين، فهل سيُحَضّران مسبقاً موضوع حديثهما أو حوارهما هذا؟}
- بين فترة وأخرى، أتكلم مع الله بما يهمه هو. أعبده..أُسَبِّحه.. أشكره.. أُحِبُّه. أفكر بما فعله يسوع. أستطيع أن أكلمه عن حياتي، أو ما يهمني، عن الصعوبات التي تواجهني،"يا رب، ارحمني. إفعل بي ما تشاء." وعندما أرى بأن نص الإنجيل الذي أتأمل فيه لم يعد يغذيني، أنتقل إلى نص آخر.

- أستقبل بفرح وبساطة ما يقوله لي الروح القدس. أحاول البقاء في صمت في الإيمان والمحبة. أن أكون هنا مع يسوع، هذا يكفي. أعطي للروح القدس الوقت لكي يطبع فِيَّ الشَبَه الإلهي، هذا هو الشيء الأساسي والجوهري في الصلاة.

- جسدي يبقى ساكناً، لا يتحرك، لكن روحي هي يقظة تماماً. إنْ حصل لي بعض الشرود، فهذا ليس مهماً؛ لكن لأحاول فوراً ودون إبطاء أن أعود من جديد إلى الله، في كل مرة .. مهما كانت المرات التي أشرد فيها، أعود إليه من جديد. ربما ترديد عبارة قصيرة أُحبّها سيساعدني على الرجوع .. أرددها لعدة مرات إلى أن أستعيد تركيزي فأصمت من جديد .. وأصغي بصمت.

- إذا لم أكن أحس بأي شيء، أو إذا كنت أشعر بالممل أو بالضجر في وقت الصلاة هذا.. أستَمِرُّ في البقاء مع الله، أستمر بالإهتمام به ولا أتركه. فأنا هنا من أجله، وليس من أجلي. لهذا، في الكثير من الأحيان، الصلاة هي كفاح.. نضال .. سَهَر.


ختام الصلاة الصامتة


- أشكر الله على كل النِعَم المعروفة وغير المعروفة التي وهبني إياها .. أي التي أحسست بها والتي لم أشعر بها أو لم أعي أنه وهبها لي .. لأني عندما أصلي، حتى لو لم أكن أحس بأي شيء، فالله يعمل فِيَّ ويُخلِّص العالم.

- ثم أَبحَثُ كيف سأعمل إرادة الله اليوم. وأعهد إلى العذارء مريم أمي، الكنيسة وكل مَن أحِب.

- يمكنني أن أُنهي وقت الصلاة الصامتة هذا بصلاة أعرفها.

- أُسَلِّم لله زمن الصلاة هذا كما هو، دون أن أحكم عليه أو أُقَيِّمه (أي أفكر أنه كان إيجابياً ومفيداً أم لا.. ليس هذا مهماً). أبقى في سلام لبعض اللحظات. أغادر بدون طيبة خاطر، مثلما نترك حبيباً أو صديقاً عزيزاً، أي رغماً عنا! ولنتذكر، بأننا عندما نغادر ونذهب إلى مشاغل أخرى، فنحن دوماً مع الله.

مع محبة الأب غدير الكرملي



توقيع (ماري ايشوع)
رقم المشاركة : #6782
الكاتب : ماري ايشوع

غير متصل حالياً

المجموعةعضو مميز

المشاركات1472

تاريخ التسجيلالإثنين 11-07-2011

معلومات اخرى
حرر في الثلاثاء 03-03-2015 09:44 صباحا

الأسبوع الثاني من زمن الصوم الكبير: الذهاب إلى ينبوع الحُب

قراءات قداس الأحد الثاني من زمن الصوم الكبير للسنة ب

تكوين 22: 1-18
وكان بعد هذه الأحداث أن الله امتحن إبراهيم فقال له: "يا إبراهيم". قال: "هاءنذا". قال: "خذ ابنك وحيدك الذي تحبه، إسحق، وآمض إلى أرض الموريا وأصعده هناك محرقة على أحد الجبال الذي أريك". فبكر إبراهيم في الصباح وشد على حماره وأخذ معه آثنين من خدمه وإسحق ابنه وشقق حطبا للمحرقة، وقام ومضى إلى المكان الذي أراه الله إياه.وفي اليوم الثالث، رفع إبراهيم عينيه فرأى المكان من بعيد.فقال إبراهيم لخادميه: "أمكثا أنتما ههنا مع الحمار، وأنا والصبي نمضي إلى هناك فنسجد ونعود إليكما". وأخذ إبراهيم حطب المحرقة وجعله على إسحق آبنه، وأخذ بيده النار والسكين وذهبا كلاهما معا. فكلم إسحق إبراهيم أباه قال: "يا أبت". قال: "هاءنذا، يا بني". قال: "هذه النار والحطب، فأين الحمل للمحرقة؟" فقال إبراهيم: "الله يرى لنفسه الحمل للمحرقة، يا بني" ومضيا كلاهما معا.فلما وصلا إلى المكان الذي أراه الله إياه، بنى إبراهيم هناك المذبح ورتب الحطب وربط إسحق آبنه وجعله على المذبح فوق الحطب.ومد إبراهيم يده فأخذ السكين ليذبح آبنه.فناداه ملاك الرب من السماء قائلا: "إبراهيم إبراهيم!" قال: "هاءنذا". قال: "لا تمد يدك إلى الصبي ولا تفعل به شيئا، فإني الآن عرفت أنك متق لله، فلم تمسك عني آبنك وحيدك". فرفع إبراهيم عينيه ونظر، فإذا بكبش واحد عالق بقرنيه في دغل. فعمد إبراهيم إلى الكبش وأخذه وأصعده محرقة بدل ابنه.وسمى إبراهيم ذلك المكان "الرب يرى"، ولذلك يقال اليوم: "في الجبل، الرب يرى". ونادى ملاك الرب إبراهيم ثانية من السماء. وقال: "بنفسي حلفت، يقول الرب، بما أنك فعلت هذا الأمر ولم تمسك عني آبنك وحيدك، لأباركنك وأكثرن نسلك كنجوم السماء وكالرمل الذي على شاطئ البحر، ويرث نسلك مدن أعدائه، ويتبارك بنسلك جميع أمم الأرض، لأنك سمعت قولي".

رومة 8: 31-34
فماذا نضيف إلى ذلك؟ إذا كان الله معنا، فمن يكون علينا؟ إن الذي لم يضن بابنه نفسه، بل أسلمه إلى الموت من أجلنا جميعا، كيف لا يهب لنا معه كل شيء؟فمن يتهم الذين اختارهم الله؟ الله هو الذي يبرر! ومن الذي يدين؟ المسيح يسوع الذي مات، بل قام، وهو الذي عن يمين الله والذي يشفع لنا؟

مرقس 9: 2-10
في ذلك الزمان، مضى يسوع ببطرس ويعقوب ويوحنا فانفرد بهم وحدهم على جبل عال، وتجلى بمرأى منهم. فتلألأت ثيابه ناصعة البياض، حتى ليعجز أي قصار في الأرض أن يأتي بمثل بياضها. وتراءى لهم إيليا مع موسى، وكانا يكلمان يسوع. فخاطب بطرس يسوع قال: "رابي،حسن أن نكون ههنا. فلو نصبنا ثلاث خيم، واحدة لك، وواحدة لموسى، وواحدة لإيليا." فلم يكن يدري ماذا يقول، لمااستولى عليهم من الخوف. وظهر غمام قد ظللهم، وانطلق صوت من الغمام يقول: "هذا هو ابني الحبيب، فله اسمعوا." فأجالوا الطرف فورا في ما حولهم، فلم يروا معهم إلا يسوع وحده. وبينما هم نازلون من الجبل أوصاهم ألا يخبروا أحدا بما رأوا، إلا متى قام ابن الإنسان من بين الأموات.

مدخل إلى النصوص الليتورجية:
أن القديس بولس يضعنا في مركز السِر المسيحي: الله يهب ذاته إلينا في ابنه، وهكذا يهبنا كل شيء من خلال مجيء يسوع؛ فمَن يفصلنا إذن عن محبته؟ (رومة 8: 31-34). لهذا يدعونا الرب يسوع لأن نهب ذاتنا نحن أيضاً بالمقابل (تكوين 22: 1-18). نَعَم، إن الله حَيّ وقد وهب لنا ابنه.. كلمته ذاتها لكي نصغي إليه (مرقس 9: 2-10). هكذا سنستطيع السير دون خوف نحو ينبوع الحُب: إنه يستنير على جبل طابور.
تأمل الأسبوع
عندما يُقَيّدنا الحُب ...
إن الله محبة.. وبما أنه محبة، نجده موجوداً في قلب كل علاقة ويختبئ فيها. لكن في بعض الأحيان، تكون علاقاتنا متمركزة على أنفسنا بحيث نجد فيها أنفسنا مُقَيَّدين.. مُكَبَّلين، وكذلك نقيِّد الآخرين ونُكَبِّلهم. في هذه الحالة، لا يمكننا أن نُسمي الحُب علاقة، بل يصبح مُجَرَّد تَمَلُّكًا من قِبَلنا للآخر.. نَتمَلّك الآخر. هنا،ليس الآخر هو مَن نحبه، بل بالأحرى نحن نحب أنفسنا من خلاله. وأين الحُرية هنا؟ أين حق الآخر في أن يعيش حياته، وأن يختار هو أيضاً مَن يُحب؟ إن علاقةً كهذه، لا يمكنها أن تكبر بل بالعكس، هناك خطر كبير أن تصبح علاقة مُدَمِّرة: فنحن هنا نَعْبُر من الحرية إلى العبودية. يمكننا ملاحظة هذه المشكلة في علاقة تريزا مع أبيها. فبعد أن فقدت تريزا أمها وهي صغيرة، تعلقت جداً بأبيها وبشكل مفرط. أبوها، من جهته، فقد زوجته التي يحبها، وبقي له الآن أطفاله الذين بدأ يتعلق بهم، خاصة تريزا التي كانت شابة ومليئة بالحيوية والجمال. وكانت تريزا واعية بتعلق أبيها الكبير بها.
"كنتُ المُفَضَّلة عند أبي." .. "كان أبي يكن لي حُبًّا مُفرَطًا.." ... "كنت أقرأ رسائل القديس جرميوس، وكانت تٌقويني لدرجة أني قررت أن أفصح لأبي عن كل شيء (عن رغبتها في تكريس حياتها في الكرمل). كان أبي يُحبني بشدة لدرجة أني كنت أعرف بأني لن أستطيع الحصول منه على الموافقة، ولم ينجح الأشخاص الذين طلبت منهم أن يكلموه بإقناعه برغبتي هذه. كل ما حصلت عليه منه كان موافقته على أن أعمل ما أريد، لكن بعد وفاته..." (السيرة).
كانت تريزا أيضاً تحب والدها بشدة ومتعلقة به بإفراط. لكن أليس هذا النوع من الحُب المفرَط، هو نوع من الرغبة غير الواعية لدينا لتَمَلُّك الآخر، كي نُطَمئِنَ أنفسنا، خوفاً من أن يتركنا الآخر ويبتعد عنا؟ إن شدة العلاقة بين تريزا وأبيها تفاقمت أكثر عندما اتخذت تريزا قرارها الشجاع بالدخول إلى دير الكرمل وهي في العشرين من عمرها ودون إذن من أبيها لأنه كان يرفض ذلك وبشدة.
"أَذكُر أني، وأعتقد بأن تلك كانت الحقيقة، عندما خرجت من بيت أبي (للدخول إلى دير الكرمل) تألمت بشدة بحيث أعتقدت بأن ذلك لن يكون أسوأ من ألم الموت؛ يمكنني القول بأن كل عَظْمَة من عظامي انفصلت عن الأخريات؛ وبما أني لم أكن أمتلك بعد حُب الله هذا الذي يجعلني قادرة على عدم التعلق بأبي وبالأقرباء، كان ذلك يسبب لي ألماً شديداً لدرجة لو أن الله لم يساعدني، لما تَمَكَّنْتُ من الذهاب نحو الأمام وتكريس حياتي له. لقد وهبني الشجاعة كي أُقنِع نفسي، مما سمح لي بترك البيت والقيام بما قمت به." (السيرة).
لدينا هنا مثالاً واضحاً لشدة الصراع الذي كان يحصل داخلها كي تتمكن من أن تذهب حيث كان الله يدعوها. بالنسبة لتريزا دعاها الله للحياة الرهبانية .. وبالنسبة لآخرين، سيكون الإلتزام والأمانة في الحياة الزوجية التي تفرض أيضاً إنفصالاً عن الأهل. كان على تريزا أن تمتلك قوة إرادة كبيرة جداً كي تتمكن من السيطرة على نفسها وأن تكسر قيودها وأن تقرر أن تترك بيت أبيها. كان هذا قراراً كلفها الكثير، لأنها، كما كتبت بنفسها، لم تكن تحس في قلبها الحُب الكافي والمرتكز على الله. إن الله يعمل في حياتنا، لكن ليس بدوننا!

... أن نُدخِل بعضَ "الهواء النَقي" في علاقاتنا
هناك بُعدان في الحُب. أولاً بُعدٌ "غير فعال"، وأعني به الحُب المُسْتَلَم، أي أن نكون محبوبين من قبل الآخر.. الحُب الذي يُحَرِّك القلب. ثم هناك البعد "الفعّال" للحُب، أي المرتبط بالإرادة الملتزمة. هذا ما تعيشه تريزا هنا. فهي تلاحظ بأننا نحتاج إلى عون الله كي نتمكن من التَحَرُّر من العلاقات أو الصِلات غير المُتَّزنة وأن نكون قادرين على القيام بخيارات حُرّة. لكن هذا يحدث من خلال المرور بخبرات مؤلمة، فيها تضحيات وتخليات شخصية مؤلمة والتي تمس أعماق كياننا. على هذا الصعيد فقط،تقول تريزا، سنتمكن حقاً من العيش "في الحَق"، وبأن خياراتنا تُعمَل بحرية، والتزاماتنا تتحقق وتثبت وتستمر، وكذلك حياتنا تمد جذورها وتنضج. نحن عادة لدينا رغبة عميقة بأن نكون محبوبون دوماً وإلى الأبد. فصداقاتنا، وعلاقات الحُب التي نمر بها تأتي لتُغذي هذا المجال في أعماقتنا، لكن دون أن تتمكن من إرضاءنا تماماً. هنا نحن نلامس شيئاً من الأبدية. فإذا كنا قد خُلِقنا على صورة الله، فذلك لأن هناك حَيِّزاً داخلنا، مرتبطًا بما هو إلهي. إنه أعمق نقطة في قلبنا. وَعَظَمَة كياننا تَظهر هناك من خلال الدخول في علاقة حُب مع الله، مع هذا الجمال المطلق.
نحن بالطبع لا نقول هنا بأن علينا التخلي عن صداقاتنا وعلاقاتنا الحميمة مع الآخرين أوأن ننقطع عنها وأن لا نحب من بعد. فتريزا لم تتخلَ عن أبيها، ولم تُدِر له ظهرها. لكن وبشكل يبدو كأنه مفارقة، بأخذها بعض المسافة عنه، أي من خلال وضعها مسافة في علاقتها بأبيها الذي كان يريد أن يسيطر ويستحوذ على حياتها ويتحكم بها بسبب حُبه المفرط بهاوتعلقه الكبير بها، إذن من خلال ذلك، ستتمكن من جعله ينضج في علاقته بها ويختبر حقًا كيف أننا خُلقنا كي نُحِب وأن نُحَب لكن بشكل متزن ودون استعباد. هكذا إذن علينا أن نُدخِل بعض "الهواء النقي" في علاقاتنا كي ندعها تعيش، وتكبر، وكي نترك للآخر حريته. فما يُخَرِّب علاقاتنا في الكثير من الأحيان ، هو خوفنا من الوحدة، من أن نبقى وحدنا، وأن نحس بأننا متروكون.. وأن الآخر قد هجرنا أو أن الآخر لا يحبنا: إن هذا الخوف أو القلق يُوَلِّد داخلنا الكثير من التصرفات وردود الأفعال الخاطئة.
التقدم بخطوة نحو ينبوع الحياة
"كنت أحُب أبي جدًا لدرجة أني كنت أتمنى له كل الخير الذي كنت أعتقد أني أحصل عليه من خلال فعل الصلاة الذي أقوم به (تقصد هنا صلاة السكوت التي كانت تقوم بها كل يوم).فلا شيء في هذه الحياة كان يبدو لي أهم من صلاة السكوت؛ لهذا كنت أقوم بكل ما أستطيع من "الحجج"، كي أقود أبي إلى هذه الإلتزام بالصلاة.(السيرة).
إن القلب، بانفتاحه على الحياة الإلهية المنسكبة في أعماقه، يصبح بفضل صلاة السكوت أكثر قدرة على المحبة، لأنه هنا، يستقي من ينبوع الحُب نفسه. يكفي أن يكون القلبان متجهان إلى نفس الإتجاه. وتريزا ستبدأ وبعزم بإقناع أبيها في السير في هذا الإتجاه. وهي ستنجح كثيراً في ذلك لدرجة أن أبيها سيختبر بدوره أهمية الحُرية الشخصية في العلاقات وعدم الرغبة في تملك الآخر والحد من حريته. كان أبوها يحبها جداً ومتعلق بها وهي كذلك من جهتها: لم يكن هذا خطأً، لكن علاقة الأب بابنته هذه كانت تحتاج إلى تنقية. كان عليهما في الحقيقة أن يكتشفا بأن هذا الحب الأبوي والبنوي لا يأتي منهما هما، أي ليسا هما مصدره، لكنه ياتي منالله وبأنه يجب أن يقود إلى حُبٍّ أعظم من مجرد علاقة الحُب العائلي الموجودة بينهما. وهذا ينطبق علينا نحن أيضاً: فنحن مدعوون إلى نكتشف نفس هذه الحقيقية كي نتمكن من أن نُحب في الحَق.
"كان أبي، بسبب تقديره ومحبتة لي، يُصَدِّق ويثق بكل ما كنت أقوله له. وكان يود التحادث معي بل وكان حتى يلومني لأني بدأت أهجر صلاة السكوت. وكان قد وصل إلى مرحلة متقدمة جداً في الصلاة بحيث أنه كان يقلل من وقت بقاءه معي، فما أن يراني قليلا، أراه يذهب كي يصلي، حتى لا يضيع وقته، كما كان يقول لي." (السيرة).
إن هذا التصرف ليس له علاقة بعدم الإحساس أو بالفظاظة أو بعدم احترام الآخر: فالقلب يستمر في الحُب حتى لو كان الآخر بعيداً. فمن خلال القيام بصلاة السكوت، اكتشف والد تريزا حرية قلبه. لقد اختبر القرب من المسيح، وقدرة قيامته. واستطاع أن يوسع حاجته لأن يحب وأن يكون محبوباً من قبل الآخر. كان حُبُّه بحاجة إلى التحول، قبل أن يتمكن من أن يتذوق عَظَمَة السلام والحرية التي مصدرهما الحُب الحقيقي وحده.
"في تلك الحُقبة، أُصيب أبي بالمرض الذي سَبَّب وفاته بعد أيام قليلة. كنت أذهب للإعتناء به، وكانت نفسي أكثر مرضاً وتألماً مما كان هو في جسده (...). كان مرضه بالنسبة لي محنة كبيرة؛ وساعدتني خبرات مرضي الشخصية السابقة وما عانيته من آلام خلالها، في إسناده والوقوف بجنبه. وعلى الرغم من كوني كنت أنا نفسي مريضة جداً، كنت أتجاوز ذاتي وأتحامل على نفسي، لأني كنت أعرف بأني لو فقدته، سأفقد كل ما عندي وكل سعادتي، لأن أبي كان كل ذلك بالنسبة لي، لهذا كنت أتحلى بالشجاعة حتى لا أُظهِر له ألمي ومعاناتي، وكنت أبدو طبيعية جداً إلى وقت وفاته، على الرغم من أني كنت أحس، وأنا أراه ينطفيء أمامي شيئاً فشيئاً، بأن نفسي تُنتَزَع مني من كثرة حبي له وتعلقي به."(السيرة).
كيف نتعامل مع حاجتنا الماسة إلى الحب؟
لا يمكننا أن نمتنع عن الدخول في علاقات محبة مع الآخرين، لأننا خُلقنا للحُب.. لكن وفي نفس الوقت، لا يمكننا كذلك أن نتجنب الألم الناتج عن فشل هذه العلاقات. فالحياة خليط من الأثنين. في بعض الأحيان يكون الأمر صعبًا جداً بالنسبة لنا، ربما لأن محبة الله ليست مترسخة في قلبنا بما فيه الكفاية، كما تردد تريزا في الكثير من الأحيان. رد فعلنا الأول عادة هو أن ننغلق عن المحبة وعن التعامل مع الآخرين ونقسي قلبنا. لكن بدل أن نتصرف هكذا، لماذا لا نفعل كما فعل والد تريزا. أي بدل من أن ننغلق على ذواتنا ونغلق قلبنا، علينا أن نقوم بالأحرى بتسليم مخاوفنا ووحدتنا إلى رحمة الله اللامتناهية، وإلى حضوره الدائم والحنون معنا؟ هكذا بالنسبة لتريزا، صلاة السكوت هي طريقها المفضل لتنقية وتوجيه حُبها المنفتح نحو الآخرين. فبفضل صلاة السكوت التي ساعدتها على الدخول في علاقة حميمة مع الله، ومع أنها بقيت حساسة دائماً تجاه محيطها، فلم تعد سجينةً أو تابعةً لمحبة الآخرين. فانفتاح قلب تريزا تجاه عمل الله استطاع ايضاً أن يشفيها من خوفها لأن تُترَك وتُهمَل من قبل الآخرين أو أن لا تُحب كما تتمنى من قبل الآخرين. إن خبرة أن يهجرها الآخرون والتي عاشتها بألم بسبب وفاة والدتها، لابد أنها تركت آثاراً عميقة جداً في قلبها. هنا أيضاً تلعب صلاة السكوت دوراً أساسيًا في التئام جراحاتنا. "في يسوع، وهبنا الله كل شيء، مَن يفصلنا عن محبته؟" إن تأكيد القديس بولس هذا، يجب أن يجعلنا لا أن نفكر فقط في علاقتنا مع الله ونراجع تصرفاتنا فيها، لكنه يُقَوينا خاصة. لكن مع ذلك، لا يجب أن نخدع أنفسنا: إن الجروحات المرتبطة بأحداث مهمة في حياتنا، لا تلتئم في لحظة. بما أن هذه المناطق الجريحة تكون عادة مختبئة في أعماق ذاكرتنا، وتحتاج إلى وقت كي تُشفى، أي إلى الصبر والرجاء. لكنها تحتاج خاصةإلى تدخل من الله.
واثقين من وعود الله وأمانته تجاهنا، لنحاول هذا الأسبوع أن نتقدم خطوة إلى الأمام في طريق تعلم المحبة الحقيقية. لنركز على حبنا نحن للآخر، وأن لا يكون ذلك مشروطاً بحب الآخر لنا. لِنَسِرْ إذن نحو الينبوع الذي وحده يمكنه أن يروي عطش حُبنا.
شهادة حول الصلاة: صلاة السكوت هي صراع وسَنَد
أرى أن الإلتزام في الصلاة لدرجة أن تصبح عادة عندنا، وبمرور الزمن، سيبني علاقة حقيقية مع المسيح. الشيء الصعب والذي يشبه الصراع المستمر هو أن نجد الوقت كل يوم لصلاة السكوت هذه. لاحظت أيضًا أنني عندما أصلي كل يوم في نفس التوقيت، هذا ما يجعل هذا الصراع أسهل. إنه بالفعل صراع .. صراعٌ ضد تعبي أولاً، لكن ضد كسلي أيضاً. لاحظت أيضاً، أن صلاة السكوت لا تأخذني إلى السماء السابعة كما يظن البعض، لكنها تبدأ في الكثير من الأحيان من السرداب.. من أوطئ طابق!
لكن عندما كان لدي الوقت لكي أستمر في الصلاة وقتاً أكثر، كنت ألاحظ بأن الدقائق الأخيرة هي الأفضل، وبأني أخيراً استطعت أن أبتعد عن همومي ومشاغلي وعن ذاتي أصلاً، وأركز أكثر على الله الحاضر أمامي وفيّ. هذا ما يسمح لي أن أغادر الصلاة في سلام. وبمرور الوقت، أصبح طريق الصلاة هذا سنداً حقيقياً.

الصلاة كل يوم من أيام الأسبوع مع تريزا الأفيلية:

الاثنين 2 آذار:
"عندما تركت بيت أبي كي أدخل الدير، تألمت كثيراً جداً... وبما أني لم أكن أمتلك بعد حُب الله هذا الذي يجعلني قادرة على عدم التعلق بأبي وبالأقرباء، كان ذلك يسبب لي ألماً شديداً لدرجة لو أن الله لم يساعدني، لما تمكنت من الذهاب نحو الأمام وتكريس حياتي له." (السيرة).
"وقال الرب لأبرام: انطلق من أرضك وعشيرتك وبيت أبيك، إلى الأرض التي أريك. وأنا أجعلك أمة كبيرة وأباركك وأعظم اسمك، وتكون بركة. فانطلق أبرام كما قال له الرب." (تكوين 12: 1-4).
الثلاثاء 3آذار:
"لا يجب أن تَدَعُوا قلبكم يكون عبداً لكائنٍ مَنْ كان، إلاّ للمسيح الذي افتدانا بدمه؛ بهذا ستجدون أنفسكم، ودون أن تعرفوا كيف، مرتبطين به إلى درجة أنكم لن تستطيعوا بعد الإبتعاد عنه." (طريق الكمال).
"أنتم لم تتلقوا روحًا يجعلكم عبيداً، بل روحًا يجعل منكم أبناء." (رومة 8: 15).
الأربعاء 4 آذار:
"من الضروري أن نعهد بأنفسنا بين فترة وأخرى إلى رجالٍ روحانيين فاهمين... فأن نحصل على توجيهات منيرة كي نتمكن من عيش شريعة الله، هذا هو خيرنا الأعظم. وهكذا ستُبنى صلاة السكوت التي نعيشها كل يوم، على أسس متينة." (طريق الكمال).
"جاء نيقوديمس إلى يسوع ليلا لكي يسأله."(يوحنا 3: 2).

الخميس 5 آذار:
"ما أنصح به بقوة وباستمرار، هو أن لا تتركوا صلاة السكوت أبداً؛ عندها ستعرف النفس ما الذي تعمله، وسيهبها الله الندامة والقوة على النهوض دوماً." (السيرة).
"وكان هناك عند بركة بيت ذاتا رجل عليل منذ ثمان وثلاثين سنة.فرآه يسوع مضجعا، فقال له: أتريد أن تشفى؟ (...) فقال له يسوع: قم فاحمل فراشك وامش." (يوحنا 5: 5-8).
الجمعة 6 آذار:
"عندما نقبل أن يُعَلِّمنا ربنا، وأن ننفتح حَقًا لتعليمه لنا أثناء صلاة السكوت، عندها سنتمكن من أن نُحب بشكل مختلف عن الآخرين... فحتى لو كنا لا نزال نفرح بأن نكون محبوبين من قبل الآخرين، ما أن نرجع إلى أنفسنا في الداخل سنرىكم أن ذلك حماقة. وكم سنكون عميانًا إن تَعَلَقْنا ورَغِبنا كثيراً في أن يحبنا الناس." (طريق الكمال).
"إذا كان الله معنا، فمن يكون علينا؟فمن يَتَّهِم الذين اختارهم الله؟ إن الله هو الذي يبرر، وقد وهب ابنه من أجلنا." (رومة 8: 31-33).
السبت 7 آذار:
"لازالت عندي الرغبة في الإختلاء، وفي اللقاءات التي نتكلم خلالها عن الله... كنت أبتعد بشدة عن إهانة الله... لقد كانت علامات أحترامي لله ومحبته، تأتيني مع صلاة الصمت." (السيرة).
" يا رب، إلى من نذهب وكلام الحياة الأبدية عندك؟(يوحنا6: 68).

مع محبة الأب غدير الكرملي



توقيع (ماري ايشوع)
رقم المشاركة : #6790
الكاتب : ماري ايشوع

غير متصل حالياً

المجموعةعضو مميز

المشاركات1472

تاريخ التسجيلالإثنين 11-07-2011

معلومات اخرى
حرر في السبت 07-03-2015 04:26 مساء

الأسبوع الثالث من زمن الصوم الكبير: تحرير قدرتنا على الحُب

قراءات قداس الأحد الثالث من زمن الصوم الكبير للسنة ب (2015)

الخروج 20: 1 – 17
تكلم الله بهذا الكلام كله قائلا: "أنا الرب إلهك الذي أخرجك من أرض مصر، من دار العبودية.لا يكن لك آلهة أخرى تجاهي.لا تصنع لك منحوتا ولا صورة شيء مما في السماء من فوق، ولا مما في الأرض من أسفل، ولا مما في المياه من تحت الأرض.لا تسجد لها ولا تعبدها، لإني أنا الرب إلهك إله غيور، أعاقب إثم الآباء في البنين، إلى الجيل الثالث والرابع، من مبغضي،وأصنع رحمة إلى ألوف من محبي وحافظي وصاياي.لا تلفظ آسم الرب إلهك باطلا، لأن الرب لا يبرئ الذي يلفظ آسمه باطلا.أذكر يوم السبت لتقدسه.في ستة الأم تعمل وتصنع أعمالك كلها.واليوم السابع سبت للرب إلهك، فلا تصنع فيه عملا أنت وآبنك وآبنتك وخادمك وخادمتك وبهيمتك ونزيلك الذي في داخل أبوابك،لأن الرب في ستة الأم خلق السموات والأرض والبحر وكل ما فيها، وفي اليوم السابع آستراح، ولذلك بارك الرب يوم السبت وقدسه.أكرم أباك وأمك، لكي تطول الأمك في الأرض التي يعطيك الرب إلهك إياها.لاتقتللاتزن، لا تسرق، لا تشهد على قريبك شهادة زور، لا تشته بيت قريبك: لا تشته آمرأة قريبك ولا خادمه ولا خادمته ولا ثوره ولا حماره ولا شيئا مما لقريبك."
1قورنتس 1 : 22 – 25
لما كان اليهود يطلبون الآيات، واليونانيون يبحثون عن الحكمة،فإننا نبشر بمسيح مصلوب، عثار لليهود وحماقة للوثنيين،وأما للمدعوين، يهودا كانوا أم يونانيين، فهو مسيح، قدرة الله وحكمة الله،لأن ألحماقة من الله أكثر حكمة من الناس، والضعف من الله أوفر قوة من الناس.
يوحنا 2: 13 – 25
وكان فصح اليهود قريبا، فصعد يسوع إلى أورشليم،فوجد في الهيكل باعة البقر والغنم والحمام والصيارفة جالسين.فصنع مجلدا من حبال، وطردهم جميعا من الهيكل مع الغنم والبقر، ونثر دراهم الصيارفة وقلب طاولاتهم،وقال لباعة الحمام: "ارفعوا هذا من ههنا، ولا تجعلوا من بيت أبي بيت تجارة".
فتذكر تلاميذه أنه مكتوب: "الغيرة على بيتك ستأكلنين".
فأجابه اليهود: "أي آية ترينا حتى تعمل هذه الأعمال؟" أجابهم يسوع: "انقضوا هذا الهيكل أقمه في ثلاثة أيام!" فقال اليهود: "بني هذا الهيكل في ست وأربعين سنة، أوأنت تقيمه في ثلاثة أيام ؟" أما هو فكان يعني هيكل جسده.
فلما قام من بين الأموات، تذكر تلاميذه أنه قال ذلك، فآمنوا بالكتاب وبالكلمة التي قالها يسوع.
ولما كان في أورشليم مدة عيد الفصح، آمن باسمه كثير من الناس، لما رأوا الآيات التي أتى بها.غير أن يسوع لم يطمئن إليهم، لأنه كان يعرفهم كلهم. ولا يحتاج إلى من يشهد له في شأن الإنسان، فقد كان يعلم ما في الإنسان.
مدخل إلى النصوص الليتورجية:
محبة الله والقريب (خروج 20: 1-17): هذه هي كلمات العهد من أجل العيش على الأرض في حضور الله وفي علاقة صداقة مع البشر. لكن يسوع يدفع هذا الحُب إلى أبعد حد.. إلى حد الموت على الصليب، والذي يقول عنه القديس بولس أنه أُعتُبِر حماقة أو جنون، جاعلاً كل واحدٍ منا قريبه! (1قورنتس 1: 22 – 25) في ابنه الذي جاء يسكن بيننا وسيُطهِّر بفضل حضوره معنا كل ما يحتاج إلى التطهير (يوحنا 2: 13 – 25). نحن مدعوون كذلك إلى أن نفتح قلوبنا إلى ما يجب أن يأخذ المكانة الأولى لدينا، أي إلى محبة الله. إن الله يحبنا ويتمنى أن نبادله هذا الحُب، وكي نستطيع عيش علاقاتنا كلها في محبته، وبحرية كاملة. إن قدرتنا على الحُب يجب أن تتحرر بواسطة المسيح.
تأمل الأسبوع
كانوا يُحبونني كثيراً ....
كان للقديسة تريزا الأفيلية إرادة قوية جداً، ممزوجة بالكثير من الفخر والإعتداد بالنفس؛ ساعدها ذلك على اجتياز الكثير من الأوقات الصعبة، وعلى التقدم في الحياة. لكنها كانت أيضاً عاطفية جداً. وبفضل هباتها الطبيعية وجمالها وذكاءها، كانت تعرف كيف تجذب الصداقات، وتضع نفسها في المركز. تتحدث بنفسها عن ذلك وهي تذكر عيشها لفترة في دير الراهبات الأوغسطينيات حيث تنشأت مع بنات أخريات:
"كان قلقي كبير جداً، لكني في ظرف ثمانية أيام، وربما أقل، كنت سعيدة أكثر بكثير مما كنت في بيت أبي. كل رفيقاتي كُن أقل سعادة مني، لأن الرب أعطاني هذه النعمة؛ ففي كل مكان كنت فيه، كنت أُفرِح وأُرضي الجميع، لهذا كانوا يحبونني كثيراً."(السيرة).
كان لديها، كما تقول، الحاجة لجذب محبة الآخرين لها، وهذا ما سيلاحقها لسنين طويلة، دون أن تتمكن من السيطرة على هذه الرغبة عندها:
"كنت أهتم بإرضاء رغباتي وغروري أكثر من الإهتمام بما كانت نفسي تحتاج إليه بالفعل".(السيرة).
إن تريزا هي مثلنا: فهي تبحث عن السعادة، وعن جذب إعجاب الآخرين، وعن الحُب.

تَعَلُّم الحُب .. أن نتعلم كيف نُحب ...
إن الله جاء يسكن بيننا كيما نجعل، نحن بدورنا، مقامنا عنده ... نسكن فيه. بفعله هذا، هو لم يأتِ كي يُحدد أو يلغي علاقاتنا الأخرى، لكن لكي يعطيها معنىً وعمقاً أكثر. فبمجيئه إلى قلبنا، يأتي الله في الحقيقة، كي يحرر قدرتنا على الحُب. إن طريق الحرية هذا يتحقق تدريجياً. فعلى مثال ما حصل لتريزا، علينا نحن أيضاً أن نتعلم السيطرة على رغباتنا في جذب الآخرين وان نكون نحن المركز، من أجل أن نكتشف الحُب الحقيقي.
فبرفقة يسوع، علينا الذهاب أبعد من ذلك، دون أن نلغي حاجتنا لأن نكون محبوبين.. لأن نُحَب. الهدف الصعب الذي علينا بلوغه هو أن نتعلم أن نُحِب الآخر من أجله هو وليس من أجلنا نحن.. أي أن يكون هو المركز وليس نحن. هذا هو الشرط الأساسي كي نتمكن من النمو في الحب وأن نسمح لقلبنا أن يكبر ويتنفس من الأبدية التي خُلقَ أصلاً لها. وهذا يتطلب طريقاً طويلاً من النضوج العاطفي.
إن العالم في الحقيقة يجذبنا، ورغبتنا في أن يحبنا الآخرون تضعنا في بعض الأحيان في مواقف حرجة: فإنها تقيدنا أكثر مما تحررنا. وتريزا الشابة كانت بحاجة إلى أن تكون قاسية على نفسها في الكثير من الأحيان كيما تصحح أو تُقَوّم علاقة حبها لأبيها وعلاقتها بالآخرين. لكنها كانت بحاجة إلى وقت أكثر كي تصل إلى تحرير قلبها في مستوى أكثر عمقاً، في علاقتها مع الله وكذلك مع البشر.

الحاجة إلى أن يُعجَب بنا الآخرون
تَدْخُل تريزا دير الكرمل لأن الله جذبها من الداخل.. في أعماقها، لكن أيضاً لأغراض أخرى علينا التأمل فيها. فكما تكتب بنفسها في سيرتها بخصوص هذا القرار، كانت متأثرة من الخوف من جهنم. علينا بالطبع أن نضع خوفها هذا في سياقه: ففي ذلك الوقت (نحن مع الأسف لازلنا إلى الآن، في بعض الأماكن نقدم موضوع الخلاص بهذه الطريقة الخاطئة!)، كان الخلاص يُقَدَّم بطريقة مخيفة مع إله يوصَف بأنه حاكم متطلب جداً ودَيّان مخيف. هكذا لم تكن تريزا في البداية متجهة نحو الله لكن نحو ذاتها، نحو خوفها هي.
لكن مع ذلك، إذا كانت تريزا قد تركت العالم بدخولها دير الكرمل، فالعالم لحق بها بهمومه، وأفراحه وآلامه. فقد كان الكثير من الأشخاص يأتون إلى دير التجسد للتحدث معها. كانوا يتحدثون معها في خصوصياتهم وأسرارهم، وكانت تستقبلهم وتصغي إليهم من كل قلبها. مع خصوصياتهم، كانت تريزا تستعيد كل أفراح وآلام قلب الإنسان، وكل البشرية. كانت بهذه الطريقة تُعزي هؤلاء الناس وأيضاً وبشكل غير مباشر تتعزى هي. هذه التعزية كان لها دوراً مهماً في تقدمها الروحي، لكنها تتطلب أيضاً تغيير الذات.
نحن أيضاً على مثال تريزا، وهناك سؤال يُطرَح علينا: لماذا أو لِمَن نحن نعمل، عندما نبحث عن فعل الخير؟
كان لتريزا عطش عميق إلى الصداقات وربما إلى أن توجد هي في مركز هذه الصداقات. إن تريزا، الطفلة، والشابة المحبوبة من قبل أبيها، احتفظت في الحقيقة بهذه الحاجة لأن تكون محبوبة وأن تجذب اهتمام وحُب الآخرين وإعجابهم. وهو بالطبع شيء إنساني تماماً لكن علينا توجيهه وتقويمه بشكل إنجيلي أكثر.
"في الطريق إلى منزل شقيقتي، كان يسكن عمُّ لي ... وكان يريد أن يبقيني عنده بضعة أيام. كان يقضي وقته بمطالعة كتبٍ صالحةٍ، وكان حديثه يدور، أكثر ما يدور على الله وعلى بطلان العالم. كان يطلب إليّ أن أقرأ له، ومع أن كتبه ما كانت تروقني، كنت أبين له العكس؛ فقد كنتُ أبالِغ في إرضاء الآخرين وإن كان ما أعمله لهذه الغاية يشقّ عليّ؛ حتى إن الإحتمال، وهو يُعتَبر لدى الآخرين فضيلةً، صار لديّ خطأً كبيراً لأنني كثيراً ما كنتُ أُمارسه دون تمييز." (السيرة).
إن هذه الحاجة لأن ترضي الآخرين سترافقها لمدة طويلة وستقودها إلى علاقات أخرى.
"كان بي نقيصةُ جسيمةٌ سبّبتْ لي أضراراً بالغة. فعندما كنتُ أشعرُ بأن شخصاً يكنّ لي المودَّةَ، ويروقُني أمرُه، أتعلُّقُ به حتى تصيرَ ذاكرتي أسيرةَ التفكير فيه، ولو لم يكن في نيّتي إغاظةُ الله، إلاّ أني كنت أرتاحُ إلى رؤيتِه، والتفكير فيه وفي الصفاتِ الحسنة التي أجدُها فيه. لقد كان هذا الأمر وخيماً بحيث ضَلَّلَ نفسي تضليلاً. وبعد أن شاهدتُ جمالَ الرب الفائق ما عدتُ رأيتُ أحداً بإزائه حسنًا ولا جديراً بأن يَشغلني وأتعلق به أكثر من تعلقي بالله ... كان يكفيني أن أعود فأتذكّر قليلاً هذا الربَّ حتى أستعيدَ حرِّيَّتي. " (السيرة).
في الواقع لم يكن هناك أي شيء غير نزيه في هذه التعلقات التي تتكلم عنها تريزا بخصوص علاقاتها. لكن مع ذلك، ميلها هذا يكشف عن تعلق عاطفي غير منظور كما فهمته لاحقاً. ومن الضروري أن يمس الشفاء والتحرر، الذي تتكلم عنه تريزا، أعماق قلبها، كي تستطيع أن تكتشف مجالاً لم تعرفه من قبل من الحرية والإثمار. هذه ستكون نعمة الطريق الذي سيُفتَح فيها بفضل صلاة السكوت: فهناك، في طريق الصلاة هذا، ستختبر تريزا صداقة عميقة مع المسيح وستتذوق ثمارها.
صلاة الصمت تُوَسِّع القلب
كيف اكتشفت تريزا صلاة السكوت (أو صلاة الصمت)؟
"لم أكن أعرف كيف أصلي صلاة الصمت ولا كيف أختلي مع نفسي. فأخذت أبحث عن أوقات الخلوة، وأُكثر من الإعتراف، وأتبع طريق الصلاة هذا، معتمدةً على كتاب، كمُعلِّمٍ لي. كنتُ أبحث بكل ما أوتي إلي من قوة على أن أتأمل يسوع المسيح، خيرِنا وربِّنا، حاضراً فيّ: تلك كانت طريقتي في عيش صلاة السكوت."(السيرة).
إن الله رافقها في هذا الطريق كي يشجعها، لأنها كانت ضائعة قليلاً بسبب تعلقاتها العاطفية. لقد عاشت عشرين عاماً مُمَزِّقة ومُشَتَّتة إلى أن وصَلَت إلى لحظة حاسمة:
"كانت نفسي تَعِبَةً تصبو إلى الراحة، إلاّ أن عاداتها البائسة كانت تَحُول دون تَنَعُّمِها بالسكينة. وحدث أني كنت أدخل المصلّى ذات يوم فشاهدت تمثالاً جيءَ به للإحتفال بعيدٍ في الدير، وقد حُفِظَ هناك إلى حينه. كان تمثال المسيح مثخنًا جراحًا ويثير في النفس مشاعرَ التقوى، بحيث إني، حين شاهدتُه، إضطربتُ بكُلِّيتي لرؤيتي إياه على هذه الحال، لأنه يُمثِّل تمثيلاً دقيقاً ما احتملَه لأجلنا. فاعتراني غمُّ شديد لسوءِ تشكري تلك الجروح حتى خِلْتُ قلبي يتفطّر، فانطرحتُ قربه وأنا أذرف دمعاً مدرارًا، وأتوسّل إليه أن يقوّيني نهائياً فلا أعود أُهينه." (السيرة).
في نفس هذه الفترة، قرأت تريزا كتاب "الإعترافات" للقديس أغسطينوس الذي يتحدث فيه عن قصة إهتداءه. فبعد صراع داخلي طويل، يأتي الله ويلمس أعمق نقطة في قلبه ليحرره من ضياعه واضطرابه. تريزا تتأثر بقصة اهتداء هذا القديس الكبير وتفهمها تماماً لأنها اختبرت شيئاً مقاربًا جداً لهذا الإهتداء، وتعرض لنا بشكل غير مباشر صراعها الداخلي الخاص بها وكيف أنها غير قادرة على مواجهة هذا الصراع وحدها، أي دون عون وسند من الله. لكن مع ذلك سيستمر هذا الصراع ولن ينتهي قريباً. وكي تقاوم تريزا تعلقها ببعض الأشخاص وهو ما كان يشتتها ويبعدها عن صلاتها، كانت تجبر نفسها على المواظبة والأستمرار في الصلاة الصامتة .. أي أن الصلاة ستكون سلاحها الذي تستخدمه لمواجهة كل مصاعبها وصراعاتها. وعلى مثال القديس أغسطينوس، ستحتاج إلى تدخل المسيح الذي يقول لها: "لا أريدكِ بعدُ أن تُحادِثي الناسَ ..." (السيرة). ومنذ تلك اللحظة تغيرت الأمور بالفعل بالنسبة لها: ستتمكن أخيراً من عيش علاقاتها مع الآخرين بشكل متوازن وصحي وليس بطريقة كانت تعيقها في طريقها نحو الله. يجب أن ننتبه هنا بخصوص موضوع العلاقات مع الآخرين. فتريزا تريدنا أن نفهم بأن العلاقات مع الآخرين هي مهمة جداً بشرط أن لا تستعبدنا أو تعيقنا في طريقنا نحو الله، أي أن عبارة يسوع هذه يجب وضعها في سياقها، لأن الله لا يريدنا أن نمتنع من الدخول في علاقة مع الآخرين لكن كما ذكرنا قبل قليل، العلاقة مع الآخر يجب أن تتغذى من علاقتنا مع الله وليس أن تكون هي الأساس وتبعدنا عن الله.
إن عدم قدرة تريزا على التحرر من تعلقاتها كان الطريق الضروري نحو إهتداءها الجذري إلى حُب الله الأساسي. ووهبها كلام يسوع الحاسم طاقة جديدة لا تنضب. "منذ ذلك اليوم، صار لي من الإقدام والشجاعة ما جعلَني أتركُ كل شيء حُبًّا بالله".(السيرة). إن كلام الله يحقق ما يقوله: إنه يهب القوة والسلام.
"وتم هذا على أكمل وجه، فلم أستَطِعْ، من بعدُ، أن أتَعَلَّقَ بصداقة، أو أحصُلَ على تعزيةٍ، أو أشعرَ بحبٍ خاص إلاّ نحو أشخاصٍ أعرفُ أنهم يُحِبُّون الله حبًّا خاصًا ويسعَون إلى خدمته. لقد استحالَ علي ذلك، ولا يهمُّني أكانَ هؤلاء أقرباء أو أصدقاء."(السيرة).
تسند تريزا وبوضوح سبب هذا التغيير العاطفي الذي حصل لها إلى تدخل الله وعمله في صلاة السكوت:
"إن الله عَلَّمني طريقة في صلاة السكوت جعلتني أتقدم أكثر، وتجعلني لا أتعلق أبداً باشياء هذه الحياة، وتعطيني شجاعة أكثر وحرية أكبر."
هكذا أصبحت تريزا أخيراً حُرة كي تحب. احتاجت إلى وقت طويل كي تتمكن من الوصول إلى هنا، وهذا يمكن أن يكون مصدر تعزية لنا وسبب رجاء في حياتنا. فبإعطاء قلبنا لله، نحن لا نفقده أو نخسره، بل سنجده أو سنسترجعه لكن متغيرًا ومتحولاً. هذا ما توضحه عبارات القديس أغسطينوس التالية: "إن الله بجعلنا ننتظره، يوسع رغباتنا؛ وبجعلنا نرغب برؤيته ولقياه، فهو يوسع النفس؛ وبتوسيعه للنفس، يجعلها قادرة على أن تستقبل. لتكن عندنا إذن يا إخوتي هذه الرغبة لأننا يجب أن نكون ممتلئين." لنطب من الله أبينا أن يهبنا في هذا الأسبوع الثالث من زمن الصوم أن نفهم هذه الحقيقة كي نواظب ونستمر في طريق صلاتنا.
شهادة حول الصلاة: "منذ ذلك الحين لم أتركها أبداً"
منذ طفولتي، جذبني الله، لكن معرفتي له عندها كانت مقصورة فقط على الصورة التي كانت الكنيسة تعطيني إياها عنه، من خلال حياة القديسين والتعليم المسيحي والقداس والإعتراف. كنت أحب خاصة الأوقات الليتورجية الخاصة بالأعياد الكبيرة التي كانت تختلف عن القداديس الإعتيادية. أود هنا أن أكلمكم عن أهمية الإيمان الذي ينقله أهلنا لنا. فلولا شهادة الأهل الذين يُصَلون أمامنا ويذهبون باستمرار إلى القداس ويشهدون لإيمانهم كل يوم، لا تنضج بسرعة بذرة الإيمان في قلوب أطفالهم عميق، إلاّ ما ندر. من المهم جداً إذن على الأهل أن يعرفوا أهمية نقل إيمانهم العميق وليس مجرد الأشياء السطحية إلى أطفالهم وهي مسوؤلية كبيرة يُسألون عنها يوماً ما. فكيف يتعلم الطفل الصلاة إذا لم يرَ أحد والديه على الأقل يصلي باستمرار وبورع. وكما ذكرنا، ليس مجرد ترديد صلاة ما، فالصلاة هي أكبر من ذلك بكثير، لأنها الدخول في علاقة حميمة مع الله. هناك شيء آخر مهم وهو توفير الجو المناسب في البيت وكذلك توفير مكتبة حتى لو صغيرة تحوي بعض الكتب الروحية الأساسية التي تغذي الإيمان وتجيبعن بعض تساؤلات المؤمن. عندما نقرأ حياة قديس ما، مثل تريزا الأفيلية أو تعاليمها، لابد أن يؤثر هذا فينا أو على الأقل يجعلنا نتساءل عن حياتنا نحن وعما نفعله كجواب عن حُب الله لنا. لكن لنكن واقعيين، بالنسبة للكثير منا، مجرد أن يسمع كلمة "صلاة"، أو "صلاة الصمت"، كأنهم يسمعون كلمة تعني "الصعوبة" أو "الملل"! والأسباب واضحة وكثيرة، لكن ربما لأنهم لم يعرفوا حقاً معنى الكلمة الحقيقي وكذلك لأن خبرتهم التي عاشوها مع الصلاة (إن كانوا عاشوا هكذا خبرة) كانت مزعجة ومملة، وكانت بالطبع مجرد ترديد عباراة ربما لا يفهموها أو طويلة ولا تؤثر فيهم.ستضل الصلاة ربما غير معروفة حقاً بالنسبة لنا ما لم نقبل أن نخصص كل يوم بعض الوقت (على الأقل ربع ساعة كبداية)، نكرسه للدخول في علاقة حب وصداقة وثقة وتسليم مع الله أبينا. صلاة السكوت هي أن نضع أنفسنا بين يدي الله وتحت أنظاره الحنونة، دون أن نقلق بخصوص كيفية قضاء الوقت معه، بل لنسمح للروح القدس أن يصلي هو بنفسه فينا. أذكر أن يوم اكتشافي لصلاة السكوت وفهمي لها، على الرغم من أني كنت أصليها قبل ذلك، كان يوم فرح كبير ونعمة ثمينة لحياتي بأكملها لأنه أثر ولايزال يؤثر عليها، لأني منذ ذلك الحين لم أترك الصلاة أبداً، أو ربما علي القول بالأحرى، أن الصلاة لم تتركني أبداً بما أن الروح القدس هو من يجعلنا نستمر فيها. أطلب من الله أن يكتشف كل واحد منكم هذه النعمة والهبة الثمينة، التي بدونها، ربما ستفقد حياتنا الكثير من عمقها ومعناها.


الصلاة كل يوم من أيام الأسبوع مع تريزا الأفيلية:

الاثنين 9 آذار:
"أَسألُ، حُبًّا بالرب، تلك النفوسَ التي خصَّها، جلّ جلاله، بهذه النعمة العُظمى (نعمة الإختلاء وصلاة الصمت)، أن تعرف ذاتها، وتُقدِّرَها أي تقديرٍ باعتزازٍ متواضعٍ قُدسيٍّ حتى لا تعودَ إلى قدور مصر (أي إلى العبودية القديمة)... كما حصل لي." (السيرة).
"أستمر في عَدْوي، لَعَلّي أقبض على المسيح، فقد قبض علي يسوع المسيح. إنما يهمني أمر واحد وهو أن أنسى ما ورائي وأتمطى إلى الأمام، فأسعى إلى الغاية، للحصول على الجائزة التي يدعونا الله إليها من عَلُ لننالها في المسيح يسوع." (فيلبي 3: 13 - 14).

الثلاثاء 10آذار:
"قبل أن أعرف كيف أساعد نفسي بنفسي، كانت لي رغبةٌ كبرى تدفعني لإفادة الآخرين وهي تجربةٌ عادية جداً تحدث للمبتدئين وإنْ أصبتُ فيها نجاحاً." (السيرة).
"كل شيء ممكن، ولكن ليس كل شيء بنافع. كل شيء ممكن، ولكن ليس كل شيء يبني.لا يَسْعَيَنَّ أحد إلى منفعته، بل إلى منفعة غيره." (1 قورنتس 10: 23).

الأربعاء 11 آذار:
"إن عدم إعتبارهم إيايَّ سيئة يعود، إلى حدٍّ كبير، إلى أنهم كانوا يرونني، مع كوني فَتيَّةً، كنت أختلي مرارًا لأصلي وأُطالع، وأُكثِرُ من الحديث عن الله، وأهوى رسم صوة السيد المسيح في مواضع عدة، وأنَّ لي مصلّى أجعل فيه ما يثير روحَ التقوى، ولا أنطِقُ بالسوء؛ كما كانوا يرون فيَّ أموراً أخرى لها ظاهرُ الفضيلة. أما أنا، لغروري، فكنت أعرف أن أُقدِّر ذاتي في الأمور التي إعتاد العالم أن يُقدرها." (السيرة).
" أمجانا يتقي أيوب الله؟." (أيوب 1: 9).(وأنا.. أمجانًّا أحب الله وأتقيه؟)

الخميس 12 آذار:
"قال الرب لي: واأسفاه، يا ابنتي! ما أقلّ الذين يُحبُّونني حبًّا حقيقيًا! ... أتعرفين ما معنى حُبي حُبًّا حقيقيًا؟ معناه أن كُلَّ ما لا يَسُرُّني كَذِبٌ. ستفهمين بوضوح ما لا تُدركينَه الآن، من التقدُّم الذي تُحقِّقُهُ نفسُك." (السيرة).
"روح الحق، سيرشدكم إلى الحق كله لأنه لن يتكلم من عنده بل يتكلم بما يسمع ويخبركم بما سيحدث؛ هو سيمجدني."(يوحنا 16: 13).

الجمعة 13 آذار:
تتكلم هنا عن الأشخاص المتقدمين في الحياة الروحية) "بالنسبة لهؤلاء، لا يعود يَهُمُّهم إذا صاروا محبوبين أو غير محبوبين... الحُبُ هو الشغف بالعمل على أن تُحب النفسُ الله وتكونُ جديرة بحُبِّه، ولا حُب آخر غير هذا ممكن أن يدوم." (طريق الكمال). "إجذبني. فنجري سوية." (نشيد الأناشيد 1: 4).

السبت 14 آذار:
"ذات يوم، وبينما كنت أدخل المصلّى، شاهدت تمثالاً جيءَ به للإحتفال بعيدٍ في الدير، وقد حُفِظَ هناك إلى حينه. كان تمثال المسيح مثخنًا جراحًا ويثير في النفس مشاعرَ التقوى، بحيث إني، حين شاهدتُه، إضطربتُ بكُلِّيتي لرؤيتي إياه على هذه الحال، لأنه يُمثِّل تمثيلاً دقيقاً ما احتملَه الرب لأجلنا." (السيرة).
"إعلموا بأنكم لم تُفتدوا بالفاني من الفضة أو الذهب من سيرتكم الباطلة التي ورثتموها عن آبائكم،
بل بدم كريم، دم الحمل الذي لا عيب فيه ولا دنس ، دم المسيح.وكان قد اصطفى من قبل إنشاء العالم، ثم كُشِف من أجلكم في آخر الأزمنة".(1 بطرس 1: 18 - 20).

مع محبة الأب غدير الكرملي



توقيع (ماري ايشوع)
رقم المشاركة : #6791
الكاتب : ماري ايشوع

غير متصل حالياً

المجموعةعضو مميز

المشاركات1472

تاريخ التسجيلالإثنين 11-07-2011

معلومات اخرى
حرر في السبت 14-03-2015 05:08 مساء


الأسبوع الرابع من زمن الصوم الكبير:  أن نصبح متواضعين

قراءات قداس الأحد الرابع من زمن الصوم الكبير للسنة ب
أخبار الأيام الثاني 36: 14 – 16 ، 19 - 23
أكثر جميع رؤساء الكهنة والشعب من المخالفة، بحسب جميع قبائح الأمم، ونجسوا بيت الرب الذي قدسه في أورشليم.فأرسل إليهم الرب، إله آبائهم، رسلا بلا ملل، لأنه أشفق على شعبه وعلى مسكنه.فسخروا من رسل الله، وآزدروا كلامه وهزئوا من أنبيائه، حتى ثار غضب الرب على شعبه، حتى لم يبق علاج. وأحرقوا بيت الله، ودمروا سور أورشليم، وأحرقوا جميع قصورها بالنار، وأتلفوا كل نفيس من آنييها.والذين نجوا من السيف جلاهم إلى بابل ، حيث صاروا عبيدا له ولبنيه، حتى قامت مملكة فارس.فتم ما تكلم به الرب بفم إرميا، حتى آستوفت الأرض سبوتها، لأنها تعطلت كل أيام خرابها إلى آنقضاء سبعين سنة.
وفي السنة الأولى لقورش، ملك فارس، لكي يتم ما تكلم به الرب على لسان إرميا، نبه الرب روح قورش، ملك فارس، فأطلق نداء في مملكته كلها وكتابات أيضا، قائلا : "هكذا قال تورش، ملك فارس: جميع ممالك الأرض قد أعطانيها الرب، إله السموات، وأكل إلي أن أبني له بيتا في أورشليم التي في يهوذا. فمن كان منكم من شعبه أجمع، فالرب إلهه معه، فليصعد".

أفسس 2 : 4–10
أيها الإخوة:
إنَّ الله الواسع الرحمة، لحبه الشديد الذي أحبنا به، مع أننا كنا أمواتا بزلاتنا، أحيانا مع المسيح (إنَّ الخلاصَ جاءَكم مِنَ النِّعمَة)، وأقامنا معه وأجلسنا معه في السموات في المسيح يسوع.فقد أراد أن يظهر للأجيال الآتية نعمته الفائقة السعة بلطفه لنا في المسيح يسوع،فبالنعمة نلتم الخلاص بفضل الإيمان. فليس ذلك منكم، بل هو هبة من الله،وليس من الأعمال لئلا يفتخر أحد.لإننا من صنع الله خلقنا في المسيح يسوع للأعمال الصالحة التي أعدها الله بسابق إعداده لنمارسها.

يوحنا 3: 14– 21
كما رفع موسى الحية في البرية فكذلك يجب أن يرفع ابن الإنسان، لتكون به الحياة الأبدية لكل منيؤمن. فإن الله أحب العالم حتى إنهجاد بابنه الوحيد لكي لا يهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبدية. فإن الله لم يرسل ابنه إلى العالم ليدين العالمبل ليخلص به العالم. من آمن به لايدان ومن لم يؤمن به فقد دين منذ الآن لأنه لم يؤمن باسم ابن الله الوحيد.
وإنما الدينونة هي أن النور جاء إلىالعالم ففضل الناس الظلام على النور لأن أعمالهم كانت سيئة.فكل من يعمل السيئات يبغض النور فلا يقبل إلىالنور لئلا تفضح أعماله. وأما الذي يعمل للحق فيقبل إلى النورلتظهر أعماله وقد صنعت في الله".
 
مدخل إلى النصوص الليتورجية:
"إن الله لم يرسل ابنه إلى العالم ليدين العالمبل ليخلص به العالم" (يوحنا 3: 14 – 21).إنَّ الخلاصَ جاءنا مِنَ النِّعمَة: فهو لم يأتِ بفضلنا نحن أو بواسطتنا لكن من نعمة الله (أفسس 2: 4-10). إن استقبال خلاص يسوع يفترض أن نفهم بأننا لا نستطيع أن نُخَلِّص أنفسنا بأنفسنا. فنحن لسنا خالقي حياتنا لكننا نستقبلها من الله .. نقبلها منه؛ وهذا ينطبق أيضاً على الخلاص. فالخلاص لا يُؤخَذ أو يُصنَع من قِبلنا، بل يُستَقبَل مجانًا.
بهذا المعنى، علينا أن نفهم أن طريق الخلاص هو طريق التواضع الذي نتعلم فيه السير خلف المسيح الوديع والمتواضع القلب.
تأمل الأسبوع
إن الله يريد أن يُخَلِّصنا
إن حُبّنا يجب أن يُحَرَّر من كل إدّعاء أو غرور. "إن الله لم يرسل ابنه إلى العالم ليدين العالمبل ليخلص به العالم". علينا أن نتعلم الدخول في منطق الحُب .. في منطق حُب إله الحياة الذي يكشف نفسه لنا أولاً وقبل كل شيء كإله الحُب، أو بالأحرى يكشف نفسه لنا كـ "محبة". وإذا كان الله إله الحياة حقاً، فهو لا يستطيع إذن أن يعطي الموت: "إن الله لم يخلق الموت" (حكمة 1: 13). فإن الله لا يمكنه أن يعطينا ما يمكن أن يدمرنا: في هذه النقطة نحن نقوم بالعمل كله. ففيما يخص الأنانية والغيرة والكبرياء والكراهية والحقد، نحن لسنا بحاجة إلى الله. لأننا وللأسف ماهرون بما فيه الكفاية كي نعاقب أحدنا الآخر. وهذا ينطبق على الحياة والموت، فنحن كما ذكرنا لسنا مصدر حياتنا، فلا يمكننا أن نهب الحياة لأنفسنا، لكننا نستطيع أن نكون مصدر موتنا. فيكفي أن نرى ما يحصل كل يوم في بلدنا والعالم لكي نرى ما يمكن أن يحصل عندما يبتعد الإنسان عن الله ويُسَيِّر حياته بنفسه.
إن الله حياة، ولا يستطيع أن يهب أي شيء آخر غير الحياة. لهذا فهو لا يستطيع ولا يريد، باسم الحُب والإحترام اللذين يكنهما نحونا، أن يتجاوز على حريتنا. فإذا رفضناه، ورفضنا أي علاقة معه، فهو لا يستطيع أن يدخل في قلبنا. "أنا الرب إلهك الذي أصعدك من أرض مصر فأوسِعْ فمكَ لأملأه. لكن شعبي لم يسمع لصوتي وإسرائيل لم يردني، فتركتهم إلى قلوبهم القاسية، فساروا على هواهم. آهٍ، لو سمع لي شعبي وسلك إسرائيل طرقي، لأذللت في لمح البصر أعداءهم ورددت يدي على مضايقيهم". (مزمور 81: 11 – 15). إن الله يهب الحياة، إنه يهب حُبّه. علينا إذن أن لا نخاف، بل أن نرغب ونشتاق إلى هذا الحُب ونطلبه منه. إن استقبال صداقته سيخلصنا من أنفسنا ومن إضراباتنا ومخاوفنا.
فخ التواضع الزائف
في أغلب الأحيان، يكون الخوف، والخجل من أنفسنا ومن تصرفاتنا، سَبَبَي ابتعادنا عن حُب الآخرين وعن حُب الله أيضاً. والقديسة تريزا اختبرت ذلك، بل وصلت إلى درجة التوقف عن ممارسة الصلاة  بسبب ما كانت تضن أن له علاقة بالتواضع:
"بدأتُ، إذن، أنتقل من أُلْهُوَّة إلى أُلهوَّة، ومن غرور إلى غرور، ومن ظَرفٍ إلى ظرف لأَحشر ذاتي في مخاطر جسيمة جداً وأجد نفسي تخنقها أباطيل عديدة حتى بتُّ أخجل من الإقتراب من الله في الصداقة الخاصة الحميمة التي هي الصلاة الصامتة. وقد زاد في استحيائي أنّ خطاياي تكاثرت، فأخذتُ أفقد المتعة والسرور في ممارسة الصلاة الصامتة . كنت أرى بوضوحٍ، يا ربّي، ان هذه الهبات تفوتني لأني أبتعدُ عنك.
كانت هذه أفظع خدعة يستطيع الشرير أن يوقعني فيها تحت ستار التواضع. بدأتُ أخشى ممارسة صلاة الصمت." (السيرة).
إن تريزا تختبر شعوراً بالذَنْب والخجل لأنها كانت تحس بعدم استحقاقها، وفي نفس الوقت، بعدم قدرتها على فعل الخير. فأغلقت نفسها في هذه الدائرة الخطرة والتي تتضمن في معاقبة ذاتها بسبب عدم استحقاقها.
أحد نتائج هذه الفكرة الداخلية هي أن نؤمن بأننا من خلال معاقبة ذاتنا سنتمكن من تخليص نفسنا. وكأننا سننظف خطئنا الشخصي ونبدأ من جديد. لكننا ننسى بأننا بابتعادنا عن الله، فإننا في الحقيقة نبتعد عن ذاتنا، لأننا لا يمكن أن نستقبل الحياة كل يوم من جديد إلاّ من خلاله هو، فنحن كما ذكرنا، لسنا مصدر وجودنا وحياتنا. إننا نحتاج، في الحقيقة، إلى وقت ليس بالقصير كي نتمكن من الخروج من ذواتنا كي نتجه من جديد نحو الله. بل ونحتاج في بعض الأحيان أن نَصِل إلى القاع، كي نفهم بعدها بأن الخلاص ليس مِنّا، بل من الله وفي الله.

أن نَدَع الحُب يَغلبنا
إذا لم يحدث فَطر أو صدع في درع كبرياءنا، فلن يستطيع نور الله أن يتسرب من خلاله، وبالتالي يمكننا أن نراه. إذا حدث ذلك، فعندها فقط سنتمكن من المرور تدريجياً من صرخة الغرور:"أنا وحدي"،إلى الصرخة الأخرى، "يا رب، أنا بحاجة إلى حُبك كي أحيا." تريزا تقول ذلك لكن بطريقتها الخاصة عندما تذكر كيف أن المواعظ كانت تساعدها على اكتشاف ذاتها:
"من جهة كنت أجد في المواعظ تعزية كبرى، وكنت أتعذَب من جهة أخرى لإدراكي أنّي بعيدةٌ جداً عن أن أكون مَنْ يجب أن أكون. فكنت أتوسّل إلى الرب ليساعدني، إلاّ أني كنت أُذِنب، كما أرى الأمر الآن، لأني لم أكن أضع ثقتي كلها بالله عزّ وجلّ، وأنزعها كلها من نفسي. كنت أبحث عن علاج، وأبذل المساعي لذلك، لكني لم أكن أفهم أنّ لاشيء ينفعنا إذا نزعنا ثقتنا بنفسنا نزعاً تامًّا ولم نضعها بالمقابل في الله.
كنت أرغب في أن أحيا لأني كنت أدرك أني لا أعيش بل أصارع ظلاًّ من الموت، وما كان هناك مَن يعطيني حياةً، وما كان لي أن أحصل عليها بذاتي." (السيرة).
كانت تريزا تعيش داخلها صراعًا بين الموت والحياة!ربما كان إنقباضها هذا أو انطوائها على ذاتها ثمرة فهمها الخاطي للتواضع. وأمام هذه الحلقة المُفرَغة، ليس هناك إلاّ علاج واحد: أن تَدَع الحُب يغلبها..أن تَدَعْه ينتصر عليها. لقد واجه الرسل أنفسهم نفس الصراع هذا. أَلَم يرفض بطرس، على سبيل المثال، أن يقوم يسوع، وهو المعلم والرب، بالركوع أمامه كي يغسل قدميه؟ (يوحنا 13) لقد رفض ذلك بسبب التواضع كما كان يظن... بنفس الطريقة في بعض الأحيان، نحن أيضاً، نفصل أنفسنا عن الحُب، عن الله. بهذا التصرف نحن نقوم بخطأ كبير جدًا. لأن علينا بالعكس أن نقوم بفعل ثقة بالحُب .. أن نثق بالحب.. أي بالله نفسه، وأن نُسلم أسلحتنا أمامه، وأن نترك عاداتنا التي تقودنا إلى الموت كي نستقبل الحياة! علينا أن لا نستند بعد على اكتفاءنا الذاتي، لكن لنضع كل ثقتنا بالله!
    علينا عيش التواضع حقاً كي نستقبل الحياة
"حَذارِ، يا أخواتي، حذارِ من بعض أنواع التواضع التي يحرِّكها فينا الشيطان بسبب القلق الكبير من جسامة خطايانا؛ فإنه، في هذا المجال، يضغط عادة على النفوس بطرائق مختلفة حتى يبعدها عن تناول القربان، وعن ممارسة صلاة الصمت الشخصية، ويُشعِرها بأنها لا تستحقها؛ ويبلغ بها الأمر أن تتصور بأن الله، وهي ما هي، قد تخلى عنها، فتكاد تشك حتى برحمته. (...). أعرف هذا لأنني خَبِرته بنفسي. إن التواضع، مهما كان كبيرًا، لا يقلق النفس، ولا يشوّشها أو يثيرها، بل يأتيها بسلام، ومسرّة، وسكينة؛ ويبسطها، ويؤهِّلها لمزيد من خدمة الله خدمةً نصوحًا." (طريق الكمال).
من خلال كلام تريزا هذا، نستطيع أن نفهم مصدر التواضع الحقيقي وما يحركه. فهو ليس فضيلة نعطيها لأنفسنا، أو نبنيها ونُنَمّيها فينا، لكن التواضع، كالمحبة، هو ثمرة علاقة. هذه العلاقة تنمو وتنضج تدريجياً وتجعلنا يوماً بعد يوم نكتشف في العمق ضعفنا ونقبله بل ونحبه لأنه هو من يجعلنا نصبح حقاً أبناء الله؛ لأن التواضع أمام الله هو شرط أساسي للدخول في علاقة حقيقية بنوية مع الله أبينا الذي يحبنا ويريد أن يرفعنا إليه. هذه هي المفارقة: فنحن ننفتح على عدمنا عندما نقف أمام كمال الله وعَظَمَته. هنا ستدخل النعمة فينا: فسيتوسع قلبنا بقدر ما نسمح لله أن يدخل فينا. إن ذلك نعمة حقيقية .. نِعمة خلقتنا من جديد .. كل يوم. وصلاة السكوت هي المكان المناسب والوسيلة المثلى لاستقبال هذه العطية الكبيرة، ولنمو علاقتنا هذه مع الله، شرطَ أن نقبل أن نعيشها كل يوم وبأمانة، وأن نأتي إلى الله بثقة وتواضع، وأن نترك ضوضاء محبتنا لذاتنا التي وللأسف، هي ما يقود حياتنا في أغلب الأحيان:
"عندما يعملُ روحُ الله فينا، لا تكون ثمَّة حاجةٌ إلى أن نمضي في استقصاء أشياءٍ تُشعِرنا بالتواضع والخجل، لأن الرب نفسَه يُعطينا تواضعًا مختلفًا تمامًا عن الذي نكسِبه باعتباراتنا الحقيرة؛ وهذ ليست شيئاً إذا ما قورِنَت بتواضعٍ حقيقيّ نَيِّر يُعلِّمنا إياه الرب هنا. (...) وسيَبْعُد حالاً عن النفس الخوفُ العبوديّ ويحلُّ محله خوفُ أرفع من السابق بكثير، لأنه خوف الصَديق الأمين. وترى النفسُ أنّ حبًّا لله بدأ ينمو فيها، مجرَّدًا عن كلّ مصلحة خاصّة. وترغب في أوقاتِ خلوةٍ لتزداد متعتها بذاك الخير." (السيرة).
إن هذا الخير هو حضور المسيح.. والدخول في علاقة حميمة مع المسيح. فبمجيئه بيننا، جاء كي يبحث عن صداقتنا. والصَديق لا يدين ولا يعاقب، لكنه يبحث عن الخير. إن الله هو خالق كل هذا الكون الذي ينكشف أمامنا أكبر فأكبر ويكشف عن أسراره الهائلة أكثر فأكثر كل يوم ولجيل بعد جيل. كان من الممكن أن يكون الله مخيفاً لو لم يأتِ إلينا ويكشف عن حضوره، ويهب لنا حياته:
"فَلْنَتوقف ولنُقلِعْ عن الخجل الذي نشعر به ونَحسَبه تواضعًا.
كلا، ليس التواضع في أن ترفضن هِبَةً قد يمنحكنّ إياها الملك، بل في أن تأخذْنَها وتُدرِكْنَ كم تتجاوز استحقاقكنّ إيّاها، وأن تَنْعَمْنَ بها.
ما أسخف هذا التواضع: أي أن أجدَ سلطانَ السماء والأرض في بيتي وقد جاء لينفحَني هِبَةً ويرتاحُ إلى صحبتي، فأرفض، بدافع التواضع، أن أتجاوب معه، وأن أمكثَ بقربه أو آخذ ما يعطيني، بل أتركه وحيداً؛ وإذا دعاني وأَلحَّ عليَّ أن أطلب منه حاجةً فأرضى، بدافع التواضع، أن أبقى فقيرة، بل أن أدعه يذهب عندما يرى أنني لا أحزم أمري!
فلا تأخذْنَ، يا بناتي، بهذا النوع من التواضع؛ بل عاملنَه معاملتكنَّ أبًا، وأخًا، وسيّدًا، وعريسًا؛ حينًا بطريقة وحينًا بأخرى، وهو يُعلّمكنَّ ما يجب أن تَعْملْنَه لمرضاته. ." (طريق الكمال).
لنطلب من ربنا يسوع، أن يجعلنا نختبر في هذا الأسبوع، التواضع الحقيقي الذي تصفه لنا تريزا.

شهادة حول الصلاة: "السند الحقيقي لحياتي"
إذا قرأنا تعاليم تريزا الأفيلية حول حياة الصلاة .. صلاة السكوت، والتي تعيد وتكرر فيها باستمرار "سيروا، سيروا دوماً بدون كلل أو ملل، وواظبوا على ذلك وبأي ثمن." عبارات تريزا هذه تشجعنا على أن نظل أمناء على الصلاة حتى في أسوأ الأوقات وأكثرها إحباطاً وأن لا نُفَرِّط في وقت الصلاة هذا الذي هو في الحقيقة وقت خاص بالله، وقت التزود بالغذاء الروحي، وبالقوة والنعمة التي نحن بحاجة إليها كي نعيش حياتنا كما يجب. اليوم وبعد كل هذه السنين، يمكنني القول بأن صلاة الصمت كانت ولا زالت السند أو حجر الأساس الحقيقي لحياتي بكل أبعادها، بالإضافة إلى كلام الله وحياة الأسرار.
فصلاة الصمت تسمح لنا أن ندخل في علاقة حميمة حقيقية مع الله وليس مجرد التفكير العقلاني فيه، وهي تجعل من حقائق الإيمان الأساسية حية في حياتنا اليومية وليست مجرد أفكارًا جميلة. بل أَفْضل من ذلك: إن صلاة الصمت هي الوسيلة المفَضَّلة التي من خلالها يجعل الله من نفسه قريباً منّا ويستولي على حياتنا كي يقودها، وينيرها، ويملأها بسلامه. كما أن صلاة السكوت هي بالتأكيد الطريق الذي يساعدنا على البحث المستمر عن سر الله الآب والابن والروح القدس، والذي يساعدنا على أن نرى بعيون القلب كم أننا بدون نعمة الله، ستجعلنا تجاربنا وخطايانا وسقطاتنا نبتعد عن ملكوت الله بل تعمي أعيننا عن باب الملكوت.
يجب أن نكون جائعين إلى الله، بحيث لا نتوقف عن البحث عنه مهما كانت ظروفنا قاسية وصعبة، وأن نبقى أمناء في تكريس أوقات الصلاة هذه لله والتي تساهم بشكل أساسي في بناء علاقتنا معه، وحتى لو واجهنا في الصلاة هذه، أوقاتاً من الفراغ واليبوسة أو الجفاف، وروح الشر في بعض الأحيان، والفتور وتشتت الأفكار في أحيان أخرى.
بالنسبة لمَن يريد أن يبدأ طريق صلاة الصمت هذا، سيواجه ولمدة طويلة، تجربة التخلي عنها والتوقف. فأصعب شيء في البداية هو أن نظل أمناء في تكريس أو تخصيص وقتًا معينًا للصلاة ولا نقلله لأي سبب من الأسباب. نحن نواجه يوميًا هذه التجربة: أن نتخلى عن وقت الصلاة المخصص لله، وفي الكثير من الأحيان لأسباب تافهة. علينا إذن أن نتخذ قراراً شجاعاً في التضحية بجزء من الوقت الذي نخصصه عادة لأشياء أخرى ربما غير ذات أهمية أو على الأقل لتقليل وقت جلوسنا الطويل أمام التلفاز أو الكمبيوتر على سبيل المثال، كي نكرسه لله. تأكدوا أنكم لن تندموا أبداً على هذه التضحية مهما كلفكم ذلك.

الصلاة كل يوم من أيام الأسبوع مع تريزا الأفيلية:

الاثنين 16 آذار:
"كنت أرغب في أن أحيا لأني كنت أدرك أني لا أعيش بل أصارع ظلاًّ من الموت، وما كان هناك من يعطيني الحياة، وما كان لي أن أحصل عليها بذاتي." (السيرة).
"إن الله الواسع الرحمة، ولحبه الشديد الذي أحبنا به،مع أننا كنا أمواتا بزلاتنا، أحيانا مع المسيح." (أفسس 2: 4-5).

الثلاثاء 17آذار:
"إن الربّ نفسَه يُعطينا تواضعًا مختلفًا تمامًا عن الذي نكسِبه باعتباراتنا الحقيرة؛ وهذه ليست شيئاً إذا ما قورِنَت بتواضعٍ حقيقيّ نَيِّر يُعلِّمنا إياه الرب هنا؛ هناك حقيقةٌ مشهورة، هي المعرفة التي يعطينا الرب لندرك عجزنا عن امتلاك خيرٍ ما بقدرتنا الخاصة، وكلما كانت الخيرات أسمى كان عجزنا أكبر." (السيرة).
"يا بَنِيَّ، لا تكن محبتنا بالكلام ولا باللسان بل بالعمل والحق .... فإذا وبخنا قلبنا أمامه، لِنُهَدِّيء قلبنا، لأن الله أكبر من قلبنا وهو بكل شيء عليم." (1 يوحنا 3: 18 - 20).

الأربعاء 18 آذار:
"علينا أن نشكر الرب الذي يُبقي فينا الرغبة في إرضائه رغم صِغَرِ أفعالنا. وهذه الطريقة في جعل المسيح بصحبتنا تفيد في جميع الحالات، وهي وسيلةٌ مضمونة كل الضمانة للتقدم في صلاة الصمت في وقت وجيز." (السيرة).
"إذا فعلتم جميع ما أُمرتم به فقولوا: نحن خدم لا خير فيهم، وفَعَلْنا ما كان يجب علينا أن نفعله." (لوقا 17: 10).
الخميس 19 آذار (عيد القديس يوسف)
"لقد اتخذتُ لي محاميًا وشفيعًا القديس يوسف المجيد ووكلتُ إليه ذاتي كلَّها... إن هذا القديس المجيد يساعدنا في احتياجاتنا كلِّها وفي مختلف الظروف؛ فالربُّ يريد أن يُفهمنا أنه كما كان خاضعًا لهذا القديس على الأرض، إذ كان   يدعوه أبّا باعتباره مدبِّرًا فكان بإمكانه أن يأمره، هكذا أيضاً يفعل في السماء كل ما يطلبه إليه فعله." (السيرة).

"هو الذي في صورة الله لم يعد مساواته لله غنيمة، بل تجرد من ذاته متخذاً صورة العبد وصار على مثال البشر وظهر في هيئة إنسان، فوضع نفسه وأطاع حتى الموت موت الصليب."(فيلبي 2: 6 - 7).

الجمعة 20 آذار:
"أمام الحكمة اللامتناهية، صدّقوني، إنّ درسًا وجيزًا في التواضع وممارسة فعلٍ فيه، لأَسمى من عِلمِ العالمِ كلِّه. هنا لا مجال لإقامة الدليل، بل لأن نعرف ببساطة ما نحن عليه ونمثُلَ ببراءةٍ أمام الله ... لأنه، جلّ جلاله، يتواضع بحيث يتحملنا قربه وكما نحن." (السيرة).
"إني معكم منذ وقت طويل، وأنت لم تعرفني؟ ألا تؤمن بأني في الآب وأن الآب فيّ؟" (يوحنا 14: 9–10).
السبت 21 آذار:
"أَعلَمُ جيداً أني بدون معونة الله كان يستحيل عليّ التخلص، في وقتٍ وجيزٍ، من عاداتٍ وأعمالٍ رديئةٍ جداً. تَمَجَّدَ الربّ الذي حَرّرني من ذاتي." (السيرة).
"هكذا قال الرب: لاتخف فإني قد افتديتك ودعوتك باسمك، إنك لي.إذا عبرت المياه فإني معك."(أشعيا 43: 1 – 2).

مع محبة الأب غدير الكرملي



توقيع (ماري ايشوع)
رقم المشاركة : #6802
الكاتب : ماري ايشوع

غير متصل حالياً

المجموعةعضو مميز

المشاركات1472

تاريخ التسجيلالإثنين 11-07-2011

معلومات اخرى
حرر في الأحد 22-03-2015 03:32 مساء

 

الأسبوع الخامس من زمن الصوم الكبير:  النظر إلى الغد بثقة ... النزول إلى العمق.

 

قراءات قداس الأحد الخامس من زمن الصوم الكبير للسنة ب 2015

إرميا 31: 31 34

 ها إنها تأتي أيام، يقول الرب، أقطع فيها مع بيت إسرائيل وبيت يهوذا عهدًا جديدًا،لا كالعهد الذي قطعته مع آبائهم، يوم أخذت بأيديهم لأخرجهم من أرض مصر لأنهم نقضوا عهدي مع أني كنت سيدهم، يقول الرب.

ولكن هذا العهد الذي أقطعه مع بيت إسرائيل بعد تلك الأيام، يقول الرب، هو أني أجعل شريعتي في بواطنهم وأكتبها على قلوبهم، وأكون لهم إلهًا وهم يكونون لي شعبًا.

ولا يعلم بعد كل واحد قرببه وكل واحد أخاه قائلا: "اعرف الرب"، لأن جميعهم سيعرفونني من صغيرهم إلى كبيرهم، يقول الرب، لأني سأغفر إثمهم ولن أذكر خطاياهم من بعد.

 

 

عبرانيين5 : 6 8

المسيحُ في أيامِ حياته البشرية، رفع الدعاء والابتهال بصراخ شديد ودموع ذوارف، إلى الذي بوسعه أن يخلصه من الموت، فاستُجيب طلبُه لتقواه.وتعلم الطاعة، وهو الابن، بما عانى من الألم. ولما جُعِلَ كاملاً، صار لجميع الذين يطيعونه سبب خلاص أبدي.

 

 

يوحنا 12: 2033

في ذلك الزمان:

كان بعض اليونانيين في جملة الذين صعدوا إلى أورشليم للعبادة مدة العيد.فقصدوا إلى فيلبس، وكان من بيت صيدا في الجليل، فقالوا له ملتمسين: "يا سيد، نريد أن نرى يسوع". فذهب فيلبس فأخبر أندرواس، وذهب أندرواس وفيلبس فأخبرا يسوع.فأجابهما يسوع: "أتت الساعة التي فيها يمجد ابن الإنسان.الحق الحق أقول لكم: إن حبة الحنطة التي تقع في الأرض إن لم تمت تبق وحدها. وإذا ماتت، أخرجت ثمرا كثيرا.من أحب حياته فقدها ومن رغب عنها في هذا العالم حفظها للحياة الأبدية.من أراد أن يخدمني، فليتبعني وحيث أكون أنا يكون خادمي ومن خدمني أكرمه أبي.الآن نفسي مضطربة، فماذا أقول؟ يا أبت نجني من تلك الساعة. وما أتيت إلا لتلك الساعة.يا أبت، مجد اسمك".

فانطلق صوت من السماء يقول: "قد مجدته وسأمجده أيضا". فقال الجمع الذي كان حاضرا وسمع الصوت: "إنه دوي رعد". وقال آخرون: "إن ملاكا كلمه".أجاب يسوع: "لم يكن هذا الصوت لأجلي بل لأجلكم.اليوم دينونة هذا العالم. اليوم يطرد سيد هذا العالم إلى الخارج.وأنا إذا رفعت من الأرض جذبت إلي الناس أجمعين".

وقال ذلك مشيرا إلى الميتة التي سيموتها.

 

مدخل إلى النصوص الليتورجية:

"سأكتب شريعتي على قلوبهم" (إرميا 31: 31-34). إن هذا الوعد قد تحقق في المسيح عندما سيُسَلِّم لنا الروحَ القدس أثناء الفصح. إن يسوع لم يهرب من آلامه لكنه أطاع وقَبَل الموت كي تُثمِر حياتَه. (يوحنا 12: 20-33): لقد اختبر محدوديات البشرية وضعفها، مع القلق والخوف أمام الموت. بهذا فتح لنا الباب إلى عالم جديد، عالم النعمة (عبرانيين 5: 7-9). يجب أن لا ننسى أبداً بأن يسوع قَبِل أن يعيش كل ذلك حُبًّا بنا. والحُب المَحِّرِر هذا، هو الذي يسمح لنا أن ننظر إلى الغد بثقة.. أن ننزل إلى العمق، كل يوم من أيام حياتنا.

تأمل الأسبوع

من الخوف إلى الجُرأة

إن يسوع يأتي كي يكشف لنا ماذا ينتظر الله منّا.. لكن ما هو إنتظار الله؟إن الله عَبَّر عن إنتظاره هذا منذ البداية، في سفر التكوين. آدم وحواء "سمعا وقع خطى الرب الإله وهو يتمشى في الجنة عند نسيم النهار، فآختبأ الإنسان وامرأته من وجه الرب الإله فيما بين أشجار الجنة. فنادى الرب الإله الإنسان وقال له: "أين أنت؟"(تكوين 3: 8-9). إن الله يبحث عن الإنسان،يبحث عن حضوره، ويناديه بحُب: "أين أنت، أين تختبئ؟ أنا قريب منك وأنت بعيد عني. لمذا تختبئ بعيداً عني؟" وفي نفس الوقت يجعل الإنسانَ يتساءلبقوله له "ماذا تفعل بحياتك؟" كما لو أنه يدعوه لمراجعتها. "ماذا تفعل بحياتك؟" إن هذا السؤال يُطرَح علينا اليوم أيضاً. كيف سنجيب عنه؟

إن الله في بحث دائما عن الإنسان. الرجل والمرأة يختبآن خوفًا. يا لها من مفارقة! لكن مِمَّن يجب أن نخاف؟ من الله أم من أنفسنا؟ لأننا رأينا في المرة الماضية كيف أن الله الذي يكشف نفسه لنا هو إله الحياة، وليس إله الموت. أليس من الغريب أن نخاف من الله ونهرب منه، بينما هو يريد أن يجعلنا نَعبُرَ من الخوف إلى الثقة بل وإلى الجرأة. القديسة تريزا تجرأت وذهب إلى أبعد، من خلال إصغائها وإنتباهها إلى قلبها والتركيز على صوت الله الخارج من أعماقها. والمقطع التالي من إحدى قصائدها هو مثال على ذلك:

"يا جمالاً يفوق كل جمال!تُؤلم من دون أن تجرح، وتُتلف، من دون ما أَلم، حُبَّ الخلائق.

يا عقدة[1] تجمع هكذا شيئين مختلفين جداً.وتجمعين مَنْ لا كيان له، مع الكائن اللامحدود.

مِن دون أن تفنين تكمّلين، ومِن دون إلزام حُبٍّ، تُحِبّين، والعَدَمَ فينا تُعظِمّين". (قصيدة 6).

 

أليس هذا ما يجب أن يبحث كل واحد منا عنه؟ لكن هل نرغب، على مثال تريزا، بل ونجرؤ مثلها، على النزول إلى الأعماق.. إلى عمق قلبنا؟ الذي هو رمز للتعبير عن ممارسة صلاة الصمت. هل سنجرؤ على القيام، على الأقل، بخطوة صغيرة أولى؟ يجب أن نعلم بأن ذلك لا يجعلنا نعيش خارج عالمنا، بل إنه يجعلنا، بالعكس، نعيش بشكل أفضل حياتنا.

كيف نزرع ونُنمي فينا الرغبات الكبيرة

إن الله جاء كي يفتح أمامنا مجالات واسعة. مجيئه نفسه هو دعوة للثقة. إذا أردنا السير في طريق الصلاة هذا، فلا يجب أن نفهم أن علينا أن نثق بأنفسنا وفي قدراتنا أو مواهبنا. فنحن لا نتكلم عن مجرد بنيان إنساني، لكن عن بنيان روحي. ففيما يخص البنيان الإنساني أو في مجال الأعمال والوظائف، الثقة بالنفس والمواهب والقدرات هي بالطبع شيء أساسي يجب تنميته، لكن موضوعنا يخص بالذات كيف نستقبل الله نفسه وليس أقل من ذلك. وفي الحقيقة، سيكون من الخطر أصلاً أن نعتمد في ذلك على قوانا الخاصة. ففي هذا المجال، الإعتماد الكبير على أنفسنا يكشف أننا لا نعرف أنفسنا جيداً، وكذلك أن هناك زهواً وتكبراً داخلنا. وعاجلاً أم آجلاً، سنواجه محدوديتنا وضعفنا، مهما كنا أقوياء. ففي هذا الطريق، طريق الدخول في علاقة حميمة مع الله، بالإضافة إلى أهمية الإلتزام التام فيه، علينا أن نتعلم العيش في الإيمان وأن نسلم أنفسنا لِحُب الله الكبير الذي سيغمرنا، إذا سمحنا له بذلك:

"يجدر بنا أن نمتلك ثقةً كبيرةً، فينبغي أن لا نستهين بالرغبات، بل أن نأمل من الله بأننا، إذا جهِدنا أنفسنا شيئاً فشيئًا، سنبلغ، حتى ولو لم يكن ذلك حالاً، ما بلغه قديسون كثيرون بفضلٍ منه تعالى. فلو أنهم لم يُصمِّموا أبداً على رغبة ذلك ووضعِه موضعَ التنفيذ، لما ارتقوا إلى هذه الحالة السامية. إن الله، عزّ وجلّ، يُقدِّر النفوس المقدامة ويحبِّها، على أن تكون متواضعةً ولا تعتدّ بذاتها أبداً."(السيرة).

هكذا في الحقيقة، عندما تتعب النفس، فإنها مدعوة إلى التوجه، أكثر من السابق، نحو الله. إنه ليس سيدًا متطلِّبًا ينتظر أن نكون كاملين. لكنه يأتي بنفسه ويأخذ زمام المبادرة لكي يساعدنا على الإستمرار في السير في هذا الطريق، . إن الله لا يطلب منا أن نكون أقوياء بلا عيب، بل أن نتعلم الإعتماد عليه، أن نثق به، أن نستند عليه. وتريزا تشجعنا على عدم تحديد رغباتنا أو تقييدها، بل أن ندعها تتجه وبقوة نحو الله كي تتحقق بأكملها. علينا بكلمة أخرى، أن نرغب في اللامحدود في وسط محدوديتنا وضعفنا، وأن نواجه كل المخاوف التي تحاول الحد من رغبتنا هذه. إن التخلص من هذا الصراع أو الضغط المستمر علينا، سيكون في إنفتاح قلبنا التدريجي لعمل الله فينا.

الله يعمل

إن تريزا تحثنا من جهة، على الإلتزام في هذا الطريق كي نُحرِّر داخلنا الرغبة في عيش المحبة الحقيقية مع الأعمال التي ترافق ذلك. ومن جهة أخرى، إنها واعية تماماً بأن السير في طريق الأمانة هذا لا يمكن إلاّ أن يكون بمساعدة عمل الله في قلوبنا.

"في ما مضى، كثيراً ما كنت أتأمّل في كلام القديس بولس "بالله نستطيع كلّ شيء" (فيلبي 4: 13)، وكنتُ على يقين من أنني لا أستطيع أمراً بذاتي. وهذا التأمّل كان كثيرَ الفائدة لي، كما أفادني قول القديس أغسطينوس: "أعطِني يا رب ما تأمر، ومُرني بما تريد" (كتاب الإعترافات). وكنت أفكر مراراً في أن القديس بطرس ما خسر شيئًا حين ألقى بنفسه في البحر ولو أنّ الخوف استولى عليه من بعد. إنّ هذه العزائم في البدء ذاتُ قيمة كبرى، ولو كان الواجب، في هذه الدرجة الأولى، أن نسير برويّة، ونتقيّد بالفطنة وبرأي المعلِّم. وعلينا أن نختار واحداً يعلِّمنا محاكاة الضفدع أو يكتفي بأن يتبَيِّن للنفس كيف تصطادُ العَظايا فحسب. فليكن التواضع دائمًا نصبَ عينينا لنفهم أن هذه القوى ليست نابعةً  منّا."(السيرة).

بالنسبة لتريزا، الجرأة لا تتعارض مع التواضع لكنها بالعكس: فعندما تجازف وبجرأة، تريزا تذهب نحو الأمام وتكبر في التواضع، لأنها كانت تفهم شيئاَ فشيئاً بأن الله هو من يعمل فيها وليست هي. وسَنَدَها هو صداقتها مع المسيح والتي حررتها من أن تستند على صداقات إنسانية كانت تُبعدها عن طريقها:

"لقد اكتشفت بالخبرة بأن العلاج الحقيقي لعدم السقوط هو تعلّقنا بالصليب، وثقتنا بمن رُفِعَ عليه. ففيه أجد صديقًا حقيقيًا، وأراني بذلك أمتلك قوة، كما يبدو لي، ان أقاوم العالم كلّه إذا خاصمني، على أن لا يتخَلّى الله عنّي. قَبْل أن أدرك هذه الحقيقة الواضحة جداً كنت أهوى أن يحبّني الجميع. أمّا الآن فلا أُعير ذلك أدنى إهتمام."(التقارير).

وهذا ينطبق علينا أيضاً. فحضور محبة الله المُخَلِّصة فينا هي وحدها التي ستسمح لنا بالتقدم في هذا الطريق وتجعلنا نتجاوز ونعبر تمركزنا على ذاتنا. ويمكننا قول ذلك بكلمات أخرى: إن القداسة ليست فضيلة .. إنها ليست كل الفضائل الموجودة فيك. وهي أيضاً ليست خِصالك مهما كانت رفيعة وكبيرة؛ كما أنها ليست تضحياتك مهما كانت كبيرة أو بُطولية، ولا هي كمالك مهما كنت كاملاً. لكن القداسة هي الله.. هي وجود الله فيك أنت الإنسان. علينا إذن أن نُغيَّر مقاييسنا للوصول إلى العمق.

تغيير المقاييس

إن هذا الطريق نحو العمق يدعونا إلى الإعتماد على الله أكثر من الإعتماد على أنفسنا. وصلاة السكوت، بفتحها لنا الباب للدخول في علاقة حميمة مع إله الحُب، تخلق فينا مجالاً آخر ومقاييسأخرى. والقديسة تريزا تتحدث عن خبرة الإهتداء، التي سبق وأن تحدثنا عنها، والتي جعلتها تولد لحياة جديدة:

"ما تلى هذا الحدث، هو كتابٌ جديد، أعني حياةً أخرى جديدة. فما رويتُه حتى الآن كان حياتي؛أما التي عشتُها منذ أن بدأت الحديث عن أمور التأمل فكانت، في إعتقادي، حياة الله فيَّ. ففي معلومي، كان يستحيلُ عليَّ الإنعتاقُ، في وقتٍ وجيزٍ، من عاداتٍ وأعمالٍ رديئة جداً. تمجَّد الرب الي حرّرني من ذاتي. ما إن شرعتُ في الهرب من الظروف الخطرة، وفي الإكثار من الإنصراف إلى الصلاة الصامتة، حتى بدأ الرب يُسبغ عليّ نِعمه. فكأنّه كان يشتهي، على ما يبدو، أن أتمنى قبولها."(السيرة).

إن جِدَّة كهذه يمكنها أن تشوش في البداية. فنحن لدينا طريقة معينة نتصرف بموجبها مع الآخرين وحتى مع أنفسنا.. طريقة معينة للتفاعل في مواجهة الصراعات والتجارب من خلال الخوف، أو الإستخفاف والإزدراء، أو من خلال القلق. لكن مع ذلك، وشيئاً فشيئًا، تبدأ بعض نقاط ضعفنا تختفي. والآخرون يمكنهم أن يلاحظوا ذلك ويجعلوننا نلاحظه بدورنا، وسط دهشتنا عادة! وهم بدورهم سيبدأون يتساءلون عندما يرون كيف نصبر، وكيف نسامح ونغفر للآخر، وكيف أصبحنا أكثر قدرة على الإصغاء من السابق. إن كل هذا التغيير الداخلي يمكن أن يُربكنا ويجعلنا نستغرب. علينا عندها الإستناد على المقاييس الخارجية التي لدينا، كي نستطيع الإستمرار دون قلق في الطريق الداخلي هذا. إن هذه المقاييس هي في أغلب الأحيان، إيقاعات حياتنا المرتبطة بعملنا، وبمتطلباتنا والتزاماتنا العائلية، وبغيرها من الإلتزامات المختلفة. إن هذه الأُطر الخارجية تساعدنا على التعامل مع تغيير المقاييس الداخلية هذه: فعندما يريد الله أن يسكن فينا ويدعونا إلى السماح له بذلك، هذا يمكن أن يجعلنا نقلق ونضطرب! والنزول إلى العمق لا يعني بالضرورة أن نغير فوراً وحالاً إطار حياتنا.

هناك نقطة مهمة بهذا الخصوص، هي تغيير علاقتنا مع الوقت، وهو علامة على تغيير داخلي آخر. فتجذرنا في العالم هو شيء مرتبط بعمق كياننا، لكننا نستطيع السيطرة تدريجياً على طريقتنا في التعامل مع العالم ومع تقدم العصر السريع جداً والذي في بعض الأحيان يبعدنا عمّا هو أساسي وجذري في حياتنا. هكذا يمكننا مثلاً مقاومة أو عدم الوقوع في فخ وسائل التواصل الإجتماعية التي يمكن أن تأخذ كل وقتنا أو أغلبه وتدخلنا في أشياء ليست أساسية لحياتنا حقاً، بل وتبعدنا عمّا هو جوهري لنا. ربما سيجعلنا هذا نخاف في البداية، نخاف من أننا لا نواكب خطوة بخطوة ما يحدث حولنا. لكن مع ذلك ودون أن نلحظ ذلك، سيعيش قلبنا في سلام، ويتقوى منالداخل. فما نفقده على السطح، نربحه في الأعماق. أعني عندما نضحي ببعض الوقت كنا نكرسه للفيس بوك مثلاً ونخصصه للصلاة، هذا ليس خسارة بل ربحاً. فعندما نأخذ بعض الوقت للخلوة والدخول في علاقة مع الله في العمق، سيوفر لنا ضماناً أكثر وثقة أكبر من قبل. وعندما تواجهنا المِحَن والتجارب، سنكون أقوى في مواجهتها وسنعطيها معنىً أكثر فأكثر.

في هذا الأسبوع، لِنَسِر بثقة في هذا الطريق الإلهي، والذي يقودنا نحو العمق!

 

شهادة حول الصلاة: "صلاة الصمت تُغيّر حياتنا"

في صلاة الصمت، يمكننا استخدام كلمة الله والتأمل فيها، خاصة عندما يكون ذهننا مُشَتَّتًا. والله بجودته الكبيرة يهبنا عادة نِعَمًا تنير معرفتنا حول ذاتنا، وحول علاقاتنا مع القريبين، وحول تصرفاتنا وعاداتنا المختلفة. فاستمرارنا في الصلاة سيجعل الله يساعدنا في التقدم في طريق المعرفة المؤلم هذا، وسيحررنا من الكثير من تصرفاتنا الخاطئة القديمة. وستصبح الصلاة مثل طريق شفاء داخلي مستمر وتدريجي.

بعد فترة من ممارسة صلاة الصمت، سنلاحظ ودون سابق إنذار، بأننا قد تغيرنا.. فنحن لم نعد مَن كنا عليه قبل ممارسة الصلاة قبل سنين، وسنعي بوضوح بأننا لن نرجع إلى مَن كنا عليه سابقاً. فصلاة الصمت تصبح لنا سبب خلاص وتحرير لأنها الوسيلة التي تضعنا أمام حُب الله المُخَلِّص والمُطَهِّر والمنَقي والخالق. وعندما نمر بخبرات عائلية مريرة وثقيلة، أو في صعوبات صحية، ستكون صلاة الصمت هي المكان الذي يأتيني فيه الرب كي يقويني ويعزيني ويسندني: فروحه القدوس هو دوماً أقوى من ضعفي ومحدوديتي وإحباطاتي ومقاوماتي وشكوكي وسقطاتي. وبدون صلاةالصمت، لن أستطيع أبداً السير بفرح خلف يسوع وأن أعلن قبولي مثل مريم، في قبول إرادته في حياتي وتبنيها بثقة كبيرة. لنصرخ مع أمنا مريم عبارتها الشهيرة هذه: "تُعظِّم الرب نفسي، وتبتهج روحي بالله مُخلِّصي."

 

 

 

 

الصلاة كل يوم من أيام الأسبوع مع تريزا الأفيلية:

الاثنين 23 آذار:

"آهٍ يا رب، أنا أعلم بأني كنت سأتيه في الطريق لو لم تُرجعْني، أنتَ، إليه؛ فحين رأيتُكَ بقربي، رأيتُ جميعَ الخيرات ... ففي حضور صديقٍ صالح كهذا الصديق، ومع قائدٍ طيّبٍ كهذا القائد والذي يضع نفسه دائماً في المقدمة لمواجهة الألم، يُمكن احتمالُ كلِّ شيء. إنه عونُنا ومانحُ القوّة، ولا يتركُنا أبداً." (السيرة).

"وكان الابن الضال لم يزل بعيدا إذ رآه أبوه، فتحركت أحشاؤه وأسرع فألقى بنفسه على عنقه وقبله طويلا.فقال له الابن: يا أبت، إني خطئت إلى السماء وإليك." (لوقا 15: 20).

الثلاثاء 24آذار:

"لَكَمْ تأخّرتْ رغباتي في أن تضطرم، ولَكَمْ بَكَّرْتَ أنت ربي، في البحث عني وفي دعوتي لكي أشغل ذاتي بِكُلِّيتها بك! هل اتَّفَقَ، ربي، فتخلّيتَ عن البائس، أو أَشَحْتَ عنك المستعطي المسكين عندما أراد أن يَصِلَ إليك؟" (ابتهالات).

"تنبهوا لأنفسكم من أن تنسوا عهد الرب إلهكم الذي قطعه معكم، فتصنعوا لكم تمثالا منحوتا لشيء مما نهاك عنه الرب إلهك،  لأن الرب إلهك هو نار أكلة وإله غيور." (تثنية 4: 23 - 24).

الأربعاء 25 آذار:

"مع مريم "افرحي، يا نفسي، لأنّ هناك من يحبّ إلهَكِ كما يستحق ... ويمكنكِ أن تطلبي منه أن يساعدكِ كي تشاركي ولو مشاركةً يسيرة في أن يكون اسمه مباركًا وممجداً، وتستطيعي أن تقولي بحقّ: تعظّم نفسي الربّ." (ابتهالات).

"فقالت مريم: "أنا أمة الرب فليكن لي بحسب قولك."(لوقا 1: 38).

الخميس 26 آذار :

"من المهم جداً أن لا نُصَغِّر أو نُحَجِّم من رغباتنا. ويُثير فيّ العجبَ مدى أهمية الطموح الكبير لتحقيق أمورٍ عظيمة في هذا السبيل. فالنفس، وإن لم تتوفر لها القوى فيما بعد، تَطير وترتفع عاليًا، ولو أنها، كعصفورٍ طريٍّ ريشُه، تتعب وتُبطيء السير." (السيرة).

"أستطيع كل شيء بذاك الذي يقويني."(فيلبي 4: 13).

الجمعة 27 آذار:

"لمن يحبونه، ولكي يُحيي إيمانهم إذا كان قد ضَعُف، يكشف الله عن ذاته، ويهب لهم عربونًا مسبقًا لما سيهبنا إياه ويقول: "إعلموا أن هذا ليس إلاّ قطرة من بحر هائل من الخيرات. فالله لا يهمل أي شيء تجاه مَن يحبونه، وعندما يرى بأنهم يستقبلونه، يهبهم النِعَم ويهب ذاته أيضاً." (السيرة).

"أنظروا أي محبة خصنا بها الآب لندعى أبناء الله وإننا نحن كذلك."(1 يوحنا 3: 1).

السبت 28 آذار:

"آهٍ، لَكَمْ أتَذَكّر الماء الحي الذي أعطاه الرب للمرأة السامرية!كنت أتوسَّل إلى الرب غالبًا كي يُعطيني ذلك الماء."(السيرة).

"مَنْ يشرب من الماء الذي أعطيه أنا إياه فلن يعطش أبداً، بل الماء الذي أعطيه إياه يصير فيه عين ماء يتفجر حياة أبدية."(يوحنا 4: 14).


[1]) بمعنى يعقد بين شيئين

 

 



توقيع (ماري ايشوع)
رقم المشاركة : #6822
الكاتب : ماري ايشوع

غير متصل حالياً

المجموعةعضو مميز

المشاركات1472

تاريخ التسجيلالإثنين 11-07-2011

معلومات اخرى
حرر في الإثنين 30-03-2015 11:35 صباحا

الأسبوع السادس من زمن الصوم الكبير:  أن نُسلم حياتنا لمحبة المسيح.

 

قراءات قداس أحد السعانين للسنة ب (إشعيا 50 : 4-7 / فيلبي 2 : 6-11 / مرقس14: 1-15: 47و متى 21: 1-11)

 

مدخل إلى النصوص الليتورجية:

يسوع يهب حياته لنا

سندخل  اليوم، الأحد، في الأسبوع المقدس، الأسبوع الحاسم في حياة يسوع على الأرض. يُفتَتَحُ هذا الأسبوع بعيد السعانين الذي فيه يُستَقبَل يسوع كمَلِك. لكن يسوع يُدهشنا، وبِعكس انتظاراتنا البشرية، يَدخل المدينة على ظهر حمار وليس كالملوك الذين يدخلون المدن على ظهور الخيل. يسوع بهذا يريد أن يُظهِر للناس بأنه ليس ملكاً محاربًا متسلطًا مُمتَطيًافَرَسه الذي يُستَعمَل عادة في الحرب، لكنه ملك مسالم يتقدم نحو أورشليم. هكذا إذن يستقبله الشعب كملك، باسطين أرديتهم على الطريق مع أغصانٍ من الشجر تحت قدميه وحاملين سعف النخلِ، كلها حركات تُظهِر الولاء والتبعية. لكن وبعد أيام قليلة، نفس هذه الجموع ستبصق في وجهه. فالبشر لا تقبل الضعفاء ولا ترحمهم! الويل للخاسرين، الويل للإنسان الضعيف ودون هيبة .. لاسيما الويل لذاك الذي لا يهب الشعب ما يريدون، الذي لا يحقق آمالهم! لكن وعلى الرغم من كل ذلك، نرى يسوع يتقدم نحو نهايته التي كان يتوقعها.. نراه يتقدم بحرية غريبة لا تؤثر بها نظرات الشعب المركَّزَة عليه. يتقدم بيدين فارغتين، لا يحمل سلاحاً، لأن رسالته مختلفة تماماً عمّا ينتظره الشعب منه.

لكن مالذي يدفع يسوع كي يهب نفسه بهذه الطريقة؟

لقد فهمت القديسة تريزا من خلال خبرتها بأن ما دفعه لذلك ما هو إلاّ حُبه للبشرية. إنه ليس حُبًّا عامًا وغامضًا وغير مُوَجَّهٍ في النهاية إلى أشخاص معينين. لكنه حُبّه الشخصي لكل واحد منا.. حُبُّ مُوَجّه لكل واحد منا.. حُب شخصي. فالمسيح يأتي كي "يقيم" (من القيامة) قلبنا كيما يضع فيه حياته، وهذا ما يكشفه بنفسه لتريزا:

"لقد قال لنا جلاله ذلك في العشاء الأخير: "اشتهيتُ بقوة أن آكل عشاء الفصح معكم" (لوقا22: 15) فكيف لم يتمثَّل أمامكَ، يا ربّي، الموتُ الأليم الذي كنتَ ستكابدُه، ذاك الموت القاسي، المرعب؟

- كلا؛ لأن حُبِّي الكبير للنفوس، ورغبتي في خلاصِها تتجاوزُ بما لا يُحَدُّ هذه الآلام؛ والعذاباتُ المريعة التي قاسيتُها، وأقاسيها، منذ أن صرتُ في العالم، تكفي لشدَّتِها حتى أعتبرَ تلك كَلا شيءٍ مقارنَةً بها." (المنازل).

 

على مثال مريم بيت عنيا: علينا أن نرافق يسوع

سنسير مع ثلاث شخصيات في هذا الأسبوع. الأولى هي إمرأة بيت عنيا، والتي يطابقها التقليد بمريم (أخت لعازر) المذكورة في إنجيل يوحنا الفصل 12. إنها فهمت محبة يسوع وتُعَبِّر عن ذلك من خلال فعل غير مقبول لأعراف ذلك الوقت وللمدعوين في هذا الحدث:

"وبينما هو في بيت عنيا عند سمعانالأبرص، وقد جلس للطعام، جاءت امرأة ومعها قارورة من طيب الناردين الخالص الثمين،فكسرت القارورة وأفاضته على رأسه. فاستاء بعضهم وقالوا فيما بينهم: "لم هذا الإسراف في الطِيب؟فقد كان يمكن أن يباع هذا الطيب بأكثر منثلاثمائة دينار فتعطى للفقراء". وأخذوا يدمدمون عليها. فقال يسوع: دعوها، لماذا تزعجونها ؟ فقدعملت لي عملا صالحا.أما الفقراء فهمعندكم دائما أبدا، ومتى شئتم، أمكنكم أن تحسنوا إليهم. وأما أنا فلست عندكم دائماأبدا.وقد عَمِلَتْ ما في وسعها، فطيبتجسدي سالفا للدفن." (مرقس 14: 3-8).

كان لمريمهذه حدسًا أو إحساسًا بما سيحدث، ولم يكن هناك أي شيء قادر على منعها من فعل ما فعلته، ولا حتى نظرات المدعويين الغاضبة. فهي كانت تعيش على صعيد "العلاقة".. بينما هؤلاء المدعويين، هم على صعيد الفاعلية. ففعلها هذا يبدو لهم غبي وفي غير محله وغير فعال: فقد كان عليها أن تفعل أفضل من ذلك، وتستفيد بشكل آخر من نقود هذا العطر. كان هذا سيكون مفيداً وفعالاً أكثر.لكنهم بالطبع لم يفهموا أي شيء.. لم يفهموا أصلاً ذاك الذي جعل من نفسه فقيراً من أجلهم وهو الغني، هم الذين يَدَّعُون أنهم يهتموا بالفقراء. بينما هي، هي أظهرت حُبها من خلال ما كانت تملك، من خلال كل كيانها. فمن خلال إفاضتها للطيب على رأس يسوع، هي في الحقيقة تهب حياتها نفسها. إنها في حالة إصغاء لقلب يسوع،فقامت بفعلها هذا كي تهب بدورها حياتها له، بطريقها هي. وهذا ما أَثَّر في يسوع. فيسوع لا يمكنه أبداً أن لا يتأثر بأفعال المحبة ووهْبِ الذات. الموضوع هنا ليس له علاقة بالفاعلية البشرية إذن، كأن نستفيد من نقود الطيب ونوزعه على الفقراء، لكن الموضوع يخص المحبة .. يخص منطق الحُب. وتريزا، المتأثرة جداً بشخصية مريم من بيت عنيا هذه ترنم معها قائلة:

"إنَّ هذا السجنَ الإلهي،

سِجنَ الحبّ الذي أعيش فيه،

جعل من الله أسيراً لي،

وحَرَّر فؤادي؛

لكن أن أرى الله أسيري،

لَيُثيرُ في داخلي حُبًّا كبيراً

لدرجة أني أموت لعدم موتي."(قصيدة 1).

 

          على عكس يهوذا، علينا أن نرجو

أحد المدعويين، وهو يهوذا [1] سيتصرف بشكل مختلف، لأن ظَنُّه خاب بالتأكيد بسبب موقف يسوع. فالمسيح كان قد قال قبل ذلك بقليل بأنه سيواجه الموت. وهذا قد خيب بلا شك ظن يهوذا الأسخريوطي. فيهوذا الذي كان له رجاءً آخر غير الذي أتى به يسوع، لم يعد يؤمن بيسوع. فعلى الرغم من إتباعه ليسوع وإصغائه لتعاليمه مدة ثلاث سنين، لم يستطع، ولم يعرف، كيف يدخل في قلب يسوع، أو أن يكتشف أو يشعر بقدرة الحُب الموجودة في جسد هذا المعلم المسالم الضعيف ظاهرياً. وعندما نرى مريم تُسَلِّم حياتها ليسوع من خلال إفاضة الطِيب على رأسه، نرى يهوذا يُسَلِّم إنسانًا .. "الإنسان". ربما اعتقد يهوذا أنه قام بعمل جيد على طريقته، مثل مريم التي على طريقتها عملت ما ظَنَّته عملاً جيداً. لكن الفرق بينهما هو أن نِيةَ يهوذا لم تَكن مُحِبَّة، أي ليست المحبة هي التي دفعته لتسليم معلمه.

بهذه الطريقة إذن يبدأ هذا الأسبوع الحاسم: أي يبدأ بخيانة. لكن وعلى الرغم من ذلك، هذا لن يوقف عمل يسوع، ولن يقلل من رجاءه بتخليص البشرية بضمنهم يهوذا الخائن نفسه.

ولما كان المساء، جاء مع الاثنيعشر. وبينما هم جالسون إلى المائدةيأكلون، قال يسوع: "الحق أقول لكم إن واحدا منكم سيسلمني، وهو يأكل معي." فأخذوا يشعرون بالحزن ويسألونهالواحد بعد الآخر: "أأنا هو؟"فقال لهم: "إنه واحد من الاثني عشر، وهو يغمس يده في الصحفة معي."(مرقس 14: 17-20).

على طريقة الأنبياء، يسوع لا يدين يهوذا لكنه يحذره:

"وبينما هم يأكلون، أخذ خبزا وبارك،ثم كسره وناولهم وقال: "خذوا، هذا هو جسدي." ثم أخذ كأسا وشكر وناولهم، فشربوا منها كلهم."(مرقس 14: 22-23).

مريم (بيت عنيا) وهبت كل شيء عندما أفاضت الطيب على رأس يسوع. ويسوع يهب ذاته كُلِّيةً ليهوذا أثناء العشاء. فهو يهب صداقته مع السلام، يهب حُبه مع الخمر الذي يصبح دمه. وكأن يسوع يود أن يقدم له التحذير النهائي. لكن يهوذا يغوص في الليل... ونحن ربما معه... فمَن هو يسوع بالنسبة لنا؟ ها نحن ومنذ سنين ربما، نحاول أن نسير على خطاه، خلفه، بقدر ما نستطيع، وربما حاولنا أن نصلي كما طلب منا، وأن نبقى معه. وربما اختبرنا اليبوسة والجفاف في الصلاة وصعوبات أخرى منعتنا من التقدم. هناك أيضاً تجارب الحياة العائلية والوظيفية وغيرها. أين هو يسوع عندما نمر في هذه التجارب؟كم من مرة طرحنا هذا السؤال! وربما نترك بعد ذلك الصلاة ونحاول أن نواجه صعوبات حياتنا بالإعتماد على أنفسنا.

لا ننسى بأن تريزا أيضاً اختبرت تجربة أن تترك المسيح. بالطبع كانت صلاة الصمت بالنسبة لها الوسيلة التي تفتح أمامها الباب للدخول في علاقة الصداقة معه. كانت بفضل هذه الصلاة تستطيع الحوار مع يسوع، وأن تعهد إليه بصعوباتها، وشيئاً فشيئاً، تعبر من همومها وصعوباتها إلى حضور الصديق نفسه، الذي يملأ قلبها بسلام عجيب، وتترك الهموم الشخصية المكان لعلاقة الحُب المتبادل والسكنى مع الله. لكن في دير التجسد الذي كانت تعيش فيه، ازدادت ثقتها بنفسها بعد نجاحها في جذب الآخرين وإعجابهم بها، بفضل روحها الجميلة والجذابة، وبدأت تخصص وقتًا طويلاً للمقابلات (من خلف المحبس) مع أصدقاء للدير كانوا يريدون التحدث معها في مواضيع دينية. لكنها بهذا بدأت تبتعد شيئاً فشيئاً عن المسيح. تعالوا نسمع ما تقوله هي بنفسها عن خبرتها هذه التي تصفها "بالخيانة":

"قضيتُ في هذا البحر الهائج قرابة عشرين سنةً، أسقطُ تارةً وأنهضُ أخرى، لكن بشكل سيء، بما أني كنت أعود إلى السقوط من جديد. (...) ويمكنني القول أنها حياةٌ من أشدّ ما يستطيع المرء أن يتصورها مشقَّةً. فما كنت أتنعمُ بالله، ولا كنتُ أغتبط بالعالم. فحين كانت مسرَّاتُ العالم تغمرني وأتذكر واجباتي نحو الله، كان الأسى ينتابني، وحين أكون مع الله، كانت أهواءُ العالم تسلُبني السكينة. تلك كانت حربًا شاقة لا أدري كيف استطعتُ احتمالضها شهراً، فكم بالأحرى سنواتٍ عديدةً.

ومع هذا أرى بوضوح عِظَم الرحمة التي غمرني بها الرب؛ فرغم علاقاتي الدنيوية، بَقِيَتْ لي الجسارةُ على ممارسة صلاة الصمت. أقول الجسارة، لأني لا أعرف في هذه الدنيا جسارةً أكبر من خيانة الإنسان مَلِكَه واستمراره في حضرته، على إدراكه أن الملك عارفٌ بالامر. فلئن كُنّا دائماً في حضرة الله، فإنَّ حضورَ الذين يمارسون الصلاة الصامتة هو حضور من نوع آخر، في نظري، لأنهم يرون أن الله يشاهدهم. أما الآخرون فقد يقضون أيامًا لا يتذكرون فيها أن الله يراهم." (السيرة).

إن كان استعمال تريزا لكلمة "خيانة"يمكن أن تدهشنا، علينا أن نأخذها بجدية وبمعناها القوي بالنسبة إليها: فهي تعترف بأنها خانت "صديقها"، أو على الاقل أنكرته مثل بطرس بعد العشاء الأخير.

 

          على مثال بطرس، علينا انتظار الرحمة

لدينا إذن من جهة، تجربة خيانة يسوع لأنه لم يحقق آمالنا أو وعوده لنا كما نريد أن نفهمها نحن، ولدينا من جهة أخرى، تجربة أن ننكر ذاتنا لأننا خجلين من أنفسنا، وبالتالي يدخلنا ذلك في تجربة أن نعاقب أنفسنا بتخلينا عن مُعَلِّم الحياة ونتوقف عن إتباعه.عندها لم يعد هناك أي رجاء ونُترَك لأنفسنا.. وحيدين. عندما نسير خلف يسوع، تواجهنا مئات التجارب التي تأتي وتزعزع رجاءنا، وتُضعِف إيماننا. عندها تبدو الصخرة التي نستند عليها هشة ومتحركة تحت أقدامنا. وفي الأوقات الحاسمة من إلتزاماتنا البشرية، نحن مثل بطرس نترنح عندما نرى هذا الرجل، هذا الصَديق، يترك نفسه يُذَل ويُهان دون أن يقوم بأي رد فعل. ويسوع لم يبحث حتى عن الدفاع عن نفسه، بل وحتى رفض أن يرفع بطرس السيف ويدافع عنه: وبطرس لا يفهم ما يحدث، ولا يستطيع أن يجاري يسوع في تفكيره هذا. هكذا خَيّبَبطرس أمل يسوع فيه لأن يسوع لم يحقق إنتظارات بطرس. فهو كان يرى في يسوع البطل المحرِّر لكنه لم يرَ أمامه الآن إلاّ شخصًا ضعيفاً مهاناً. هذا ما نختبره نحن في الكثير من الأحيان. ننتظر من المسيح أن يحل لنا مشاكلنا ويتدخل بشكل سحري وفوري في تجاربنا ومِحَننا، وعندما نرى بأن انتظاراتنا لم تتحقق، يضعف إيماننا ونتخلى عن الصلاة ونعتمد على ذواتنا.

لكن بطرس وبعد نكرانه الثالث له، اخترقت كلمات يسوع التي قالها له في العشاء الأخير قلبه وأعماقه:

"فأخذ بطرس يلعن ويحلف: "إني لا أعرف هذا الرجلالذي تعنونه."فصاح الديك عندئذمرة ثانية، فتذكر بطرس الكلمة التي قالها يسوع: "قبل أن يصيح الديك مرتين، تنكرنيثلاث مرات". فخرج على عجل وأخذ يبكي بشدة."(مرقس 14: 70-72).

لقد سمع بطرس في أعماق قلبه تحذير يسوع له بخصوص نكرانه له. فهو كان قد إدعّى بأنه سيتبع يسوع أينما ذهب وفي كل الظروف، واعداً إياه بأنه سيهب حياته من أجله إن دعت الحاجة لذلك. لكنه يلاحظ الآن جُبْنَه ويبكي خجلاً وخزيًا. لكن وعلى الرغم من غَمّه، وبخلاف يهوذا، بطرس يحافظ على العلاقة. وهنا في هذه العلاقة التي حافظ عليها بطرس سينتظره يسوع بعد القيامة ليقول له بأنه غفر له ما فعل، وبأن الحُب الموجود في قلبه تجاه معلمه انتصر على بؤسه وضعفه. عندها يولد الرجاء من جديد، لكن في بعد آخر من الحياة، بُعْد ليس له علاقة مع رجاءنا الإنساني الضيق، لكن مع رجاء يستند على حياة الله في قلوبنا.

"يا لَصلاحَ إلهي اللامتناهي! أظن أني أنظر إليك وإلى نفسي على هذه الحال من التفاوت. يا بهجة الملائكة! كم أود أن أذوب بكُليَّتي في محبتك عندما أنعم بهذه المشاهدة. ما أصدقَ تحمُّلَكَ مَنْ يتعب مِن صحبتك! ما أخلصَك، ربّي، صديقًا له! كم تُسبغ عليه من هبات، وتحتمله بطول أناة، وتنتظر أن يسمو على مستواك، بينما تتحمَّل، ربي، صابرًا، مستواه! تحسب له، يا ربي، لحظاتٍ أَحَبَّك فيها، وعند أول  بارقةٍ من ندم تنسى كلَّ إهاناته! لقد اختبرتُ هذا بنفسي وبوضوح. ولا أفهم ، يا خالقي، لماذا لا يحاول جميع البشر أن يقتربوا منك في هذه الصداقة الخاصّة والحميمة..."(السيرة).

 

إخوتي واخواتي الأحباء، مع مريم (بيت عنيا) وبطرس، لنتبع يسوع ولننتظر بثقة وإيمان عطية رحمته. وبالتاكيد، سيُبهرنا نوره في ليلة الفصح.

لنُسَلِّم ذواتنا سوية إلى حُبِّه اللامتناهي!

 

شهادة حول الصلاة: "هذا الكلام يُغَيّرني من الداخل"

"ما هي الصلاة الصامتة في حياتي؟" هي أن يكون قلبي متجهاً نحو الله .. أن أبحث عنه .. أن أنتظره.. أن أنظر إليه.

في الصباح، هي أن أُسَلّم له يومي كما هو، كما سيقدم نفسه لي، حتى قبل أن أعرف ما سيحدث لي مسبقًا. أضع نفسي ويومي بيد الله الذي يحبني.

وفي المساء، صلاة السكوت هي أن أسلم له هذا اليوم كما عشته حقًا. في صلاتي هذه، أسلم له كل مخاوفي، وكل همومي وكل ما يقلقني. تأكدوا بأنه سيضع سلامه فيها. أكرر بعض كلمات يسوع كي تدخل في أفكاري وفي أعمالي اليومية البسيطة والمتكررة. وشيئاً فشيئاً، ألاحظ بأن هذه الكلمات تُغَيّرني، تحولني، بلمسات صغيرة. كلام يسوع هذا سيُنير الخفايا الأكثر ظلمة في كياني. ربما أبدأ صلاتي ببعض كلمات الكتاب المقدس لأن الله يكشف ذاته دوماً من خلاله. ويكشف ذاته دوماً بشكل آخر غير الذي أُكَوّنه عنه. لا يجب أن نَمل أبداً من العودة إلى كلام الله، ولنحاول أن نكون دائماً أمناء له، لا أن نختار ما يناسبنا ونترك المتطلب منه بحجة أننا ضعفاء! في صلاة الصمت، ربما أصعب شيء هو أن أجد الوقت الكافي والمناسب للصلاة، صباحاً ومساءً، والذي يسمح لي أن أكون أميناً لهذه الصلاة. مَن له خبرة في هذه الصلاة، يعرف جيداً أن كل لحظة أقتنصناها وخصصناها لله لم تذهب سدى بل أثمرت ثمراً كثيراً! لا تنسوا أبداً طلب يسوع المُلِح: أسهروا معي.. كونوا معي.. صلوا معي!

 

 

الصلاة كل يوم من أيام الأسبوع مع تريزا الأفيلية:

الاثنين 30 آذار:

"آهٍ، ما أشد! خطورة الخطيئة، لقد كانت كافية لتقتل الله بهذه الآلام الشديدة ... أيها المسيحيون! لقد آن الأوان لتدافعوا عن مَلِكم وترافقوه في وحدته القاسية؛ فقليلون هم أتباعه الذين مكثوا بجانبه." (ابتهالات).

"دهش التلاميذ دهشا شديدا وقالوا: "من تراه يقدر أنيخلص؟"فحدق إليهم يسوع وقال لهم: "أما الناس فهذا شيء يعجزهم، وأما الله فإنه على كل شيء قدير." (متى 19: 25-26).

 

الثلاثاء 31آذار:

"إن المسيح هو صديق طيب جدًا، لاننا ننظر إليه إنساناً، ونراه في ضعفه ومشقاته، ونرى فيه رفيقًا... فهذا الرب بقي وحيداً دون أية تعزية، تركوه وحده في المحن، فلا نتركنّه نحن." (السيرة).

"قبل الفصح بستة أيام، أقيم ليسوع عشاء، فتناولت مريم حقة طيب من الناردين الخالص الغالي الثمن، ودهنت قدمي يسوع .. فعبق البيت بالطيب." (يوحنا 12: 2 - 3).

 

الأربعاء 1 نيسان:

"أنظروا إلى المسيح وهو وسط الألم والقلق، مُضطَهَدٌ من قبل البعض، ومغطى بالبصاق من قبل البعض الآخر، أصدقاؤه نكروه وتركوه وحيداً، دون أي شخص يدافع عنه، إنه وحيد تماماً. لكنه ينظر إليكم، يوجه عيناه الجميلتان نحوكم، ولكثرة رحمته سينسى آلامه لكي يعزيكم ويسندكم وقت الألم والضيق." (طريق الكمال).

"ونحن عرفنا المحبة التي يظهرها الله بيننا وآمنا بها. الله محبة فمن أقام في المحبة أقام في الله وأقام الله فيه." (1يوحنا4:16).

 

الخميس 2 نيسان :

"إن يسوعنا يبدي ضعف بشريته أمام الآلام، لكنه عندما يغوص فيها يبدي شجاعة كبرى.. فعندما كان ماضيًا إلى البستان، قال: نفسي حزينة حتى الموت؛ وعندما كان على الصليب، وهو يدنوا من الموت، ما تشكّى."(خواطر في حب الله).

"قال يسوع: ما أتيت إلا لتلك الساعة.يا أبت، مجد اسمك".(يوحنا 12: 27-28).

 

الجمعة 3 نيسان :

"أُطلب مني يا إلهي ما ترغب في طلبه مني، فهذا ما أريده، لأن خيري، كل خيري، هو أن أرضيك. فَلْيَمُتْ هذا الأنا، ولتَحيَ أنت فِيَّ، فأنت أكبر مِن "أنا" وأكثر خير لي من نفسي. فلتَحيَ أنت فيَّ ولْتُعطِني الحياة." (ابتهالات).

"من الآن فصاعداً، ما أنا أحيا، بل المسيح يحيا في. وإذا كنتُ أحيا الآن حياة بشرية، فإني أحياها في الإيمان بابن الله الذي أحبني وجاد بنفسه من أجلي."(غلاطية 2: 20).

 

السبت 4 نيسان:

"إن تفكيرنا في أن ربنا قد غفرَ خطايانا ونسيها، هذا لا يُخفِّف من ألمنا، بل يَزيدُ منه أن نرى صلاحًا كهذا الصلاح. أظن أن هذا كان استشهادًا شديداً للقديس بطرس، وللمجدلية؛ فلأن حبهما كان كبيراً جداً، وتَلَقَّيا عطايا كثيرة، وفَهِما عظمة الله وجلاله، فإنَّ عذابهما كان كبيراً جداً." (المنازل).

"وإنما عرفنا المحبة بأن ذاك قد بذل نفسه في سبيلنا. فعلينا نحن أيضا أن نبذل نفوسنا في سبيل إخوتنا.."(1يوحنا3:16).


[1]) يوحنا 12: 1-8



توقيع (ماري ايشوع)
رقم المشاركة : #6824
الكاتب : ماري ايشوع

غير متصل حالياً

المجموعةعضو مميز

المشاركات1472

تاريخ التسجيلالإثنين 11-07-2011

معلومات اخرى
حرر في الخميس 09-04-2015 04:25 مساء

كرازة قداس خميس الأسرار في كنيسة عذراء فاطمة للآباء الكرمليين، بغداد ، 2015

(يوحنا 13: 1-15 / خروج 12: 1-8 . 11-14 / 1 قورنتس 11: 23-26)

 

"إني جعلت لكم من نفسي قدوة .. مثالاً، لتصنعوا أنتم أيضاً ما صنعته لكم!"

يقوللنا يسوع في هذا العشاء الأخير: أعطيتكم الآن مثالاً، لكي تعملوا مثله أنتم أيضاً في حياتكم.

هذه هي المرة الوحيدة في إنجيل يوحنا، (بل وفي الأناجيل الثلاثة الأخرى) التي فيها يستعمل يسوع كلمة "مثال"،

المرة الوحيدة إذن التي يقدم فيها، نفسه، بطريقة واضحة تماماً ومباشرة، كـ "مثال" علينا أن نحتذي به.. أن نتشبه به. فكل ما عَلَّمَنا إياه، وكل ما قام به، نجده إذن بهذه الطريقة مُرَكَّزاً .. أو مُلَخَّصًا، في هذا النص من إنجيل يوحنا.

لكن ما هو هذا المثال ..

ما هي هذه الصورة التي يقدمها لنا يسوع كي نُقَلِّدها، كي نتشبه بها؟

 

على عكس الأناجيل الثلاثة الأخرى، القديس يوحنا لا يحدثنا هنا عن قصة تكوين أو إنشاء الأفخارستيا؛ونراه يدعونا بقوة إلى الإشتراك في الأفخارستيا لإحياء ذكرى الرب يسوع، لكننا لا نستطيع أن نتشبه بيسوع في هذه النقطة. لأنه هو وحده الذي أعطى، لمرة واحدة وإلى الأبد، جسده ودمه وغفر كل خطايانا. نحن بالطبع لا نستطيع أن نفعل هذا، المسيح وحده كان قادراً على ذلك.

لكننا نستطيع أن نشترك في عمل الخلاص، بطريقة أخرى، وبحسب مقاييسنا الإنسانية، وقدراتنا البشرية بالطبع. إذن ما يقترحه يسوع علينا كي نتشبه به، هو أن نتبع الطريق الذي أوصله إلى هذا المَقعد الأخير ..المكان الأخير، الذي أصبح علامة مهمة للمسيح وللمسيحيين من بعده. فيسوع يؤكد في إنجيل اليوم بأنه هو حقاً "المعلم والرب"، لكن ليس بالمعنى الذي نعطيه إياه عادة. بل بالمعنى الذي كشفه لنا، بنفسه هو .. فهذه التسميات، هذه الألقاب، لها معنى آخر في لغة الله .. بالنسبة لله .. من وجهة نظره.

فبالنسبة لله، "أن نحكم، أو أن نسود" يعني "أن نحب".. "وأن نهيمن أو أن نتسلط"، تعني "أن نخدم" .. وكذلك "أن نقود" تعني "أن نأخذ المقعد الأخير، المكان الأخير".

نحن هنا بالطبع، بعيدون جداً عن كبار العالم وقادة الأرض الذي يحاولون القيام بكل شيء كي يسيطروا ويتقدموا ويحصلوا على المقعد الأول .. على المكانة الأولى .. وهم يبحثون دوماً على أن يكون التركيز، كل التركيز، عليهم هم، لكي يخدمهم الآخرين.

يسوع هنا يقدم لنا صورة عن الله مختلفة تماماً عن الصورة التي لدينا عنه: أي عن إله كلي القدرة، والذي يفرض كل مشيئته وإرادته على خليقته الخاضعة والضعيفة.

طريق يسوع هو مختلف تماماً ...

فبركوعه أمام تلاميذه في العشاء الأخير، وقبل أن يبدأ السير بشجاعة وعزم في طريق الآلام، يسوع يكشف لنا في الحقيقة، قلب رسالته .. يكشف لنا قلب الله نفسه. وعندما يقترح علينا أن نتشبه به، فهو يريد أن يساعدنا على أن نفهم في أعماقنا، ماذا يعني حقاً "أن نُحب"، فهو يريد أن يُعَلِّمنا ويُعَرِّفنا إذن على حياةالله الحميمة والعميقة نفسها. أي أنه يكشف لنا سر الله نفسه.. قلب الله نفسه، من خلال تعليمه الأساسي لنا اليوم.

لكن بعد أن حاولنا أن نفهم تعليم يسوع اليوم وماذا يريد منا أن نفعل: أي أن نتشبه به في طريقة حُبّه، دون محاولة التسلط والبحث عن المكانة الأولى لكن أن نكون في خدمة الآخرين وبشكل مجاني، إذن بعد أن فهمنا هذا التعليم، نحن كلنا في الحقيقة، واعون ومتأكدون بأننا غير قادرين تماماً على أن نتشبه بيسوع وبأعماله وأفكاره والعيش بهذه الطريقة. فمَنْ منّا، في  الواقع، مستعد لأن يأخذ المكان الأخير، خاصة عندما يستطيع أن يأخذ أماكن في المقدمة!؟ (نحن بالطبع لا نتكلم هنا عن التقدم في العمل أو في مشاريع معينة، لكن يسوع يتكلم عن طريقة عيشنا ونظرتنا للآخر وعلاقتنا به، أي عن تصرفاتنا في الحياة).إذن ما يطلبه منا يسوع، أي هذا الحُب الذي يطلبه منا يسوع يُخيفنا جداً في الحقيقة، ونحن نوجِد دائماً أسباباً عديدة كي نهرب من هذا التعليم الأساسي في الإنجيل. ويسوع يعرف ذلك، ولهذا السبب فهو ترك لنا سر جسده المُعطى ودمه المراق، لأنه يعرف ضعفنا. من هنا تأتي أهميةالأفخارستيا الكبيرة.

إخوتي وأخواتي الأحباء، كي نستطيع أن نصل يوماً ما إلى التشبه بيسوع كما يريد منا ... إذن كي نتمكن من أن نحب كما هو أحبنا، نحن بحاجة في الحقيقة، إلى أن نتغذى دوماً من سر الخلاص هذا. ولهذا ترك لنا يسوع سر الأفخارستيا، سر النمو، سر النضوج، سر القوة، سر الشجاعة، أي كل الأشياء التي نفتقر إليها. لأن يسوع يعرف جيداً بأننا، بدونه، لا يمكننا أن نفعل أي شيء.

باختصار إذن:

يسوع يقول لنا : "أصنعوا هذا لذكري!"

اليوم، يُذَكِّرنايسوع من جديد بجوهر حياتنا كمسيحيين: أن نتشبه به.. أن نحاول أن نعيش كما عاش، أن نحب كما هو أَحب... أي أن نكون في خدمة الآخرين، بمجانية وبروح التواضع..

ولهذا، ربما علينا، من اليوم، أن نتقدم لتناول القربان، بشكل آخر، بطريقة أكثر واعية .. طريقة تعطي للقربان المقدس هيبته وعَظَمته ومعناه ..

اليوم عندما تتقدمون للتناول، تَذَكَّروا بأنكم تستلمون الله في قلوبكم، الله الذي يريد أن يأتي ويتخذ من قلوبنا مقامًا له، مسكناً له. وبالنتيجة لا يمكننا بعد ذلك أن نظل في نفس طريقة عيشنا، كفانا نوماً .. لنحاول، وبقوة هذا القربان المقدس، أي بقوة الله الذي يسكن فينا، لنحاول إذن أن نتشبه بيسوع، وأن نُحَب ولو قليلاً كما أحبنا هو. لنطلب من المسيح في هذه الأيام المباركة أن يغيرنا من الداخل، أن يجعلنا نقوم يوماً بعد يوم معه، عندها فقط سنستحق حقًا أن نُدعى باسمه، أي أن نحمل هذا الأسم الجميل: مسيحيين..  آمين. 



توقيع (ماري ايشوع)
رقم المشاركة : #6825
الكاتب : ماري ايشوع

غير متصل حالياً

المجموعةعضو مميز

المشاركات1472

تاريخ التسجيلالإثنين 11-07-2011

معلومات اخرى
حرر في الخميس 09-04-2015 04:27 مساء

كرازة الجمعة العظيمة 2015 في كنيسة عذراء فاطمة للآباء الكرمليين ، بغداد

نحتفل اليوم بآلام الرب يسوع.

ما معنى هذا الإحتفال الذي نقوم به في كل سنة؟

الإحتفال بآلام المسيح، هو ليس أن نُدخِل أنفسنا مرة في السنة في جو من الحزن والألم وتأنيب الضمير، ونأتي للكنيسة لمجرد أن نَحْضر قصة أو مشهد مأساة المسيح، وبشكل غير فعال، أقصد نحضر بجسدنا ولمدة ساعة، أو ساعة ونصف، ثم نعود للبيت ونكمل حياتنا الإعتيادية.

كما أن احتفالنا هذا هو ليس أن نعيد ذكرى موت صديق أو شخص عزيز علينا ونتألم لفراقه. فاحتفالنا هذا هو بالطبع أكبر بكثير مما ذكرنا. لكن أن نحتفل بآلام الرب يسوع هو بالدرجة الأولى أن نعيش تغيير القلب.. أن نعيش ما نسميه "الإهتداء". إهتداء أو تَحَوُّل يشبه ما حصل في القراءة الأولى التي سمعناها في بداية القداس من سفر أشعيا النبي، وهو النص الذي نسميه نشيد عبد يهوه (الرابع) المكتوب قبل أكثر من خمسة قرون قبل المسيح.

فالجموع في هذا النص يتكلمون في البداية عن هذا الشخص الغامض.. هذا المتألم. ويتكلمون عن الحكم التعسفي بقتل هذا الشخص غير المُعَرَّف أو غير المعروف بالنسبة إليهم، لكن الله يُطلق عليه تسميه "عبدي". الجمع في البداية كان يتصور بأن هذا الرجل المُشَوَّه بسبب التعذيب، كان مجرد شخص مظلوم مثل الكثيرين غيره، مجرد شخص غير معروف وغريب عنهم وعن حياتهم، ليس له علاقة بهم وبحياتهم. لهذا في البداية وَضَعَت الجموع نفسها بعيدة عن هذا الشخص، وليس لها أية علاقة معه، ومنزعجة من هذا المنظر أو المشهد المحرِج وتحاول أن لا تتورط به، حتى لو كان هذا المشهد الذي تراه أمامها هو مُرَوِّع بسبب تعذيب هذا الشخص المسالم البريء، لكنهم لم يكونوا يرغبون في التدخل.

إلى هنا إذن، لا يوجد شيء جديد، إلى اللحظة التي فيها يغمر نور الله قلوبهم، مما جعل عيونهم تنفتح وترى أخيراً .. تُبصِر أخيراً! هذا التحول المفاجيء في النظر وفي الفهم، هذا الإهتداء، مُعبَّر عنه من خلال هذه الكلمات القليلة: "لكنه هو مَن حَمَل آلامَنا .. هو من احتَمَلَ أوجاعَنا." بكلمات أخرى: ما يعيشه هذا الرجل له علاقة مع حياتنا نحن. بل أنه يتحمل مسؤولية لاذنب له فيها، لأنها مسؤوليتنا .. هو يحملها عنّا نحن.

نعم، إن هذا الرجل هو صورة لحَمَل الله الذي يحمل خطيئة العالم، يحملها كي يلغيها.. كي يزيلها...

في هذه الأيام، قال لي أحد الأشخاص بأنه في الأسبوع المقدس، لهذه السنة، سيحاول أن لا يفكر في نفسه بل أن يهتم فقط بيسوع. وقال بأنه لا يريد أن يتكلم فقط عن مشاكله ومصاعبه، لأنه لا يريد أن يضيف أو يُثقِل كاهل يسوع بعد أكثر، هو الذي يتألم من أجلنا..

هذه الكلمات هي بالتأكيد مُؤثِّرة وعلامة على علاقة صداقة مع يسوع. لكن مع ذلك، مجيئنا للإحتفال بآلام المسيح، هو ليس مجرد شيء يشبه طريقتنا في تعزية أو مواساة صديق يمر في ألم أو ضيق. يسوع لم يكن له عندما تألم أي مُعَزِّي تقريباً، وهو ليس بحاجة إلى تعزيتنا اليوم. لكن ما يريده منا اليوم، هو أن نفهم نحن أيضاً، كما فهم الجمع في نص أشعياً، أن نفهم إذن بدورنا، أنه قد حَمل آلامَنا، واحتَمَل أوجاعَنا، وأخذ على عاتقه خطايانا؛ ما يريده يسوعمنا اليوم إذن هو أن نضع رابط بين حياته وحياتنا .. أن نربط بين حياته وحياتنا. أن لا نكون مجرد متفرجين لمشهد مؤلم.. بل أن نربط حياتنا بحياته، كما فعل هو بنفسه.

 لهذا لا يوجد معنى من أن نفكر بأننا سنُثقِل عليه ونزيد على مشاكله: بل بالعكس، سنعيش الإهتداء حقاً إذا اعترفنا بأننا مشتركين، داخلين، منخرطين في آلام يسوع. فالمسيح قد تألم من أجلنا، يقول بطرس(1بطرس 2: 21). آلامه، هي آلام سببها حُبّه لنا، لكل واحد منا. إذن لا نستطيع أن نكون مجرد متفرجين، بل يجب أن نتخذ موقفاً إيجابيًا وفعال، ومن هنا تأتي أيضاً أهمية أن نقدم آلامنا مع آلامه لخلاص العالم، أي أن نجعل لآلامنا معنى، وإلاّ سنتألم بدون معنى، فالألم ليس له معنى بحد ذاته.. الألم هو سلبي بحد ذاته، لكن مع المسيح، وبفضل آلامه هو التي تحملها بسبب الحب، ممكن أن تحمل آلامنا بذرة القيامة.

إخوتي وأخواتي، نحن اليوم، في الحقيقة، تماماً في نفس موقف بطرس يوم أمس الخميس: هل سنترك الرب يسوع يغسل لنا أقدامنا؟ هل سنقبل أن نقدم له أخيراً كل أحمالنا وخطايانا، معترفين بأنه قد حملها مسبقًا منذ يوم الجمعة العظيمة هذه؟

الإحتفال بآلام المسيح، هو إذن أن نترك أنفسنا نُخَلَّص من قبل يسوع. أن نستقبل خلاصه. وجزء من هذا الإستقبال هو الإعتراف بالجميل، الشكر والتسبيح، ونحن بخيلين جداً مع الله في هذا الخصوص.

بعد دقائق، عندما سنأتي في طواف، الواحد بعد الآخر، كي نُكرم صليب المسيح ... لنفتح قلبنا .. ولنضع تحت قدم الصليب، كل ما يمنعنا أو يعيقنا من أن نستقبل حُبَّه العجيب هذا وأن نعيش بالتالي منه. فلا يكفي أن نتأثر بِحُبَّه دون أن تتغير حياتنا وتصرفاتنا.هكذا فقط، آلامالمسيح التي عاشها حُبًّا بنا، لن تذهب سدى .. ولن تكون بدون فائدة بالنسبة لنا. إذن، لنطلب هذه النعمة من الله في هذه السنة، وعندها سنشترك تماماً، بشكل تام، في آلام الرب يسوع. عندها فقط ستتغير قلوبنا .. ستتحول حياتنا .. لنطلب نِعمة الإهتداء هذه في هذا اليوم المبارك الذي فيه حَمَل يسوع آلامَنا .. واحتَمَلَ أوجاعَنا وأزال كل خطايانا." آمين.

قيامة مباركة وكل عام وانتم بالف خير




توقيع (ماري ايشوع)
رقم المشاركة : #6831
الكاتب : ماري ايشوع

غير متصل حالياً

المجموعةعضو مميز

المشاركات1472

تاريخ التسجيلالإثنين 11-07-2011

معلومات اخرى
حرر في الأحد 26-04-2015 11:11 صباحا

أحد القيامة :  يحملنا الله في قلبه

 

إنجيل ربنا يسوع المسيح للقديس مرقس 16: 1 - 8

 

ولما انقضى السبت اشترت مريم المجدليةومريم أم يعقوب وسالومة طيبا ليأتين فيطيبنه. عند فجر الأحد جئن إلى القبر وقد طلعتالشمس. وكان يقول بعضهن لبعض: "منيدحرج لنا الحجر عن باب القبر؟"فنظرن فرأين أن الحجر قد دحرج، وكان كبيراً جدًا. فدخلن القبر فأبصرن شابا جالسا عن اليمين عليهحلة بيضاء فارتعبن.فقال لهن: "لاترتعبن ! أنتن تطلبن يسوع الناصري المصلوب. إنه قام وليس ههنا، وهذا هو المكان الذيكانوا قد وضعوه فيه. فاذهبن وقلنلتلاميذه ولبطرس: إنه يتقدمكم إلى الجليل، وهناك ترونه كما قال لكم".فخرجن من القبر وهربن، لما أخذهن من الرعدةوالدهش، ولم يقلن لأحد شيئا لأنهن كن خائفات.

 

 

تأمل:

القبر المفتوح

لم يكن ذلك الصباح صباحاً إعتيادياً. كان الوقت فجرًا، الوقت الذي فيه يزيل النور الظلمات .. ويالها من ظلمات، ظلمات الموت! ثلاث نساء .. كُنَّ حاضرات عند قدم الصليب وقت موت يسوع، يتقدمن في فجر ذلك اليوم .. وسط هذا النور الذي بدأ يولد، وكن تتساءلن فيما بينهن: "منيدحرج لنا الحجر عن باب القبر؟"لكن عندما وصلن إلى المكان، كان الحجر مُدَحرَجًا. النص يُكلمنا هنا عن حجر كبير جداً، نرى اليوم في فلسطين العديد منه في أبواب القبور القديمة، لا تستطيع النساء أن تحركنه، ولا يستطيع حتى رجال الحرس الروماني أن يفعلوا ذلك.  كان هذا الحجر يحتاج إلى عدد كبير جداً من الرجال الأشداء كي يُدَحرَج. لكن أهم من هذه التفاصيل حول العدد الضروري لتحريك هذا الحجر، هذه الحجارة الكبيرة توجهنا إلى ما تعنيه. فهي تجعلنا نفكر في الموت الذي يفصل بين البشر بطريقة قاسية. حجر كبير جداً، كالموت، يغلق القبر. بأية قوة سرّية دُحرِج هذا الحجر؟

غير النساء الثلاثة، الشخصية الوحيدة الحاضرة هو الشاب الجالس في الداخل وعليه حُلّة بيضاء. النساء كُن إذن السابقات. فهن جئن ليُطيّبْنَ ميتا، لكنهن يجدن، عوضاً عن الميت، شابًا في حُلّة بيضاء! أي أن حياةً أقوى من الموت سَبَقتهن. ارتعبن جداً، دون أن يستطعن التقدم أكثر. كُنَّ بحاجة إلى كلام الشاب لكي يستطعن بعدها التحرك، لأنهن لم يكن يفهمن شيئاً مما يحصل. لأن هناك شيئاً ناقص في الحدث يصعب عليهن الفهم. يحتاجون إلى هذا الشيء الناقص لكي يفهمن معنى ما يحدث. فما يحدث هناك يفوق العقل: نحتاج هنا إلى كلام. إن ذاكرة هؤلاء النسوة توقفت عن العمل. لككن ما تحفظه ذاكرتهن هو أن يسوع الناصري، المصلوب، والذي لا يزال يحمل آثار المسامير، قد قام!

الصلب والقيامة هما مرتبطان في هذا الإعلان. وعلينا العبور من الواحد إلى الآخر، من ليل القبر إلى نور الفجر.. النور الذي يولد شيئاً فشيئاً. ويسوع المصلوب، جسده، ليس هنا، في هذا المكان الحزين. لأن هناك علاقة بين القبر والذاكرة. أنظروا إلى المكان الذي لم يعد موجود فيه يسوع، أنظروا داخلكا، واسمحوا لذاكرتكم أن تُشفَى من كل معرفتها حول الحياة والموت، ومن كل أنواع الحِداد التي تركت آثارها فيكم ولم تُشفَ بعد. أنظروا وتأملوا في الشاب ذي الحُلّة البيضاء، جالس. لقد دُحرِج حجر القبر، وليس هناك ميت بل الحَي القائم من القبر هو الباقي.

إن هذا الحجر الثقيل، هو ربما ذاكرتنا، المسدودة والمغلَقة بجروح الماضي التي لا تجعلنا ننفتح. لكن أنظروا.. لم يعد هناك جثة! لقد أتت النسوة للبحث عن جسد ميت، لكنهن يخرجن من القبر بأيادي فارغة لكن مصحوبات بوعد. هل نريد حقاً أ، نختار الحياة، وأن نخرج من القبر معهن؟ طوبى لمن يؤمن ولم يرَ ويَدع الرجاءَ يدخل في قلبه! لقد دخلت النساء في هيكل، فيه ربُّ الحياة هو من يملك فيه إلى الأبد. لقد مَست هؤلاء النسوة مكانًا مقدسًّا وارتعبن من الخوف، من هذا الخوف المقدس. ثم أُرسِلوا إلى حياتهم اليومية. هناك، في حياتهم اليومية، عليهن أن يبحثن عن حضور القائم من بين الأموات. وحده يسوع يستطيع أن يفتح قبورنا، هذا الحجر الكبير، حجر الحُزن المُكَبِّل. وحده يسوع يفتح فينا معنى الحياة، ويُدخلنا في علاقة أخرى مع الحياة ومع الآخرين.

اكتشاف حياتنا في العمق

كان لتريزا حياةً فريدة وغنية جداً بالعلاقات مع الله ومع الكثير من الناس. وقد سمحت لله أن يدخل في حياتها الإنسانية الضعيفة، وقبلت أن يُسَيِّرها بنفسه. كان لديها رغبة كبيرة، أو شوقًا كبيراً ومستمراً لله، وعملت كل ما تستطيع لكي تشبع شوقه هذا بالإتحاد بالله. وقد مُنِحَت تريزا نِعشماً فريدة هيَّئَتها لعيش دعوتها ورسالتها كمؤسِّسة وكمعلمة للكنيسة. هذه كانت دعوتها هي، رسالتها هي. لكن دعوتنا نحن، ورغباتنا ورسالتنا نحن، تختلف. أي أننا يجب أن نفهم بأنه ليس علينا أن نقلد تريزا أو نتشبه بها حرفياً؛ فهي هنا لكي تُلهِمنا. إنها أُعطيت النِعَم التي كانت بحاجة إليها  لتتميم رسالتها. علينا إذن بدورنا أن نكتشف دعوتنا الخاصة بنا وأن نستقبل عطية الله، وأن نُعَبِّر بقوة عن رغباتنا وتوقنا إلى الدخول في علاقة حميمة مع الله باستمرار ودون كلل. المهم هو أن ندخل في أعماقنا .. هو أن نجد مركزنا، أي أن نجد الدعوةالتي تعطي معنىً لحياتنا.

مثل النسوة في الإنجيل، يمكننا أن ندور حول حياتنا، وأن نعيش يومنا في حياةٍ يُسيّرها الماضي وروح الموت. فتتوقف خطواتنا فند القبر. هنا سؤال النسوة"مَن يُدحرج لناالحجر؟" ممكن أن يصبح فين صلاةً. فيمكننا أن نختبر في بعض الأحيان كم هي ثقيلة هذه الحجارة التي تغلق قلبنا أو عقلنا. هذه هي الحياة اليومية التقليدية لذاك الذي لم يكتشف حياة الله في قلبه ويركض خلف حياته. لكن ماذا انتفعت من أن المسيح وُلِد يوماً ما من ميريم في بيت لحم، إن لم يولدَ أيضاً بالإيمان في قلبي؟ إن حياتنا هنا على الأرض ما هي إلاّ تحضير للحدث الآتي الذي هو هبة الحياة الجديدة الموسومة بالقيامة. فنحن مدعوون على مثال النسوة اللواتي ذهبن إلى القبر مع الطيب ليقمن بما أرادت القيام به، أي مشروعهن الصغير... نحن أيضاَ إذن مدعوون لأن ندع أنفسنا ننُقاد بيد الله العجيبة، وأن نترك طيب مشاريعنا الصغيرة، لكي ندخل ونسير في مشروع الله الكبيير الذي هيَّأه بنفسه لنا. إن هذا هو دعوة للذهاب إلى العمق.. للإبحار نحو الأعماق. لنطلب من المسيح القائم أن يقلب حياتنا ويغيرها ويملئها بالرجاء الذي فتحت أبوابه قيامة المسيح!

 

 

أن نعيش يومنا مع المسيح القائم

لننتبه قليلاً: لا نخدعن أنفسنا.. فنحن نبقى في العالم، في حياتنا اليومية. لكن ما يتغير فينا، هو طريقتنا في عيشنا لحياتنا اليومية هذه في العالم. وتريزا هي واضحة جداً بهذا الخصوص. إنها تدعونا لأن نعيش بقوة وحتى النهاية ما علينا أن نعيشه كي يوم. فلندعها إذن تُنهي رياضاتنا هذه التي بدأناها في بداية زمن الصوم برفقتها:

"من الحَسَن، يا أخواتي، أن أعرضَ لَكُنَّ الغاية التي من أجلها يصنع الرب نِعَمًا غزيرةً في هذا العالم... فجلاله لا يستطيع أن يهبنا نعمة أعظم من إعطائنا حياةً نخصِّصها للإقتداء بحياة ابنه الحبيب والتشبه به؛وهكذا فإني على ثقةٍ بأنَّ هذه النِعضم غايتُها تشديدُ ضعفنا (...) لا تَبحَثنَ عن أن تُفِدْنَ جميعَ النسا، بل اللواتي يُعايِشْنَكُنَّ، فيكون عملُكنَّ أعظمَ لأنكنَّ أكثر التزاماًا تجاههنَّ... هكذا ستخدمون الرب، ليس فقط بوفرة، لكن بطريقة مرضية جداً لديه، وإنَّكنَّ لَتضستطِعْنَ ذلك، وما تحققونه بهذه الطريقة سيُظهِر لجلاله بأنكن تستطعن القيام بأشياء أكثر بكثير؛ فيكافِئكُنَّ كما لو كسبتنَّ له نفوسًا عديدة. (...) أخيرًا، يا أخواتي، إليكنَ خلاصة القول: لا نَبنيَنَّ أبراجاً بدون أساس، فإن الرب لا ينظر إلى عِظَمِ الأعمال التي نقوم بها بقدر ما ينظر إلى الحُب الذي به نحققها. فإذا عملنا ما في طاقتنا، فإن جلاله سيجعلنا نقوم بأعمال كل يوم أكثر من اليوم السابق، إذا أستمرينا في العمل ولم نمل سريعاً..." (المنازل).

 

إنه الحب الذي يريد أن يقودنا: لندع الله يقودنا إذن. وصلاة الصمت هي بالنسبة للقديسة تريزا الأفيلية الطريق الذي نستيطع من خلاله بأفضل طيرقة أن نتبع ونخم ربنا وغلينا، وأن ننفتح  إلى حُبِّه. وصلاة الصمت المستمرة ستدفعنا إلى استقبال حياتنا نفسها من الله وأن نعيشها تحت إراته بيوماً بعد يوم، وحيثما يضعنا الله. أي أن نعيش في العالم.. أن نكون في العالم، لكن قلبنا يقوده حُضور الله الذي يملأنا بفرحه العميق وبسلامه. إن حياتنا اليومية الروتينية هي هنا بانتظارنا كل يوم، لكن مع ذلك، سوف لن تكون أعتيادية إذا سمحنا لحُب الله أن يقود قلبنا. إن العالم محتاج إلى رجاءنا. أتمنى لكل واحد منكم أن يكمل طريقه مع الله في هذا الإتجاه!

 

 

 

         

 



توقيع (ماري ايشوع)
الصفحات12»