المنتدى » المنتدى العام » ماذا نتوقع من الاحزاب الدينية الاسلامية
المشاركة السابقة : المشاركة التالية

ماذا نتوقع من الاحزاب الدينية الاسلامية

غير متصل حالياً

المجموعةعضو مميز

المشاركات186

تاريخ التسجيلالجمعة 14-09-2012

معلومات اخرى
حرر في الخميس 29-10-2015 02:52 مساء - الزوار : 1046 - ردود : 0

 

ماذا نتوقع من الاحزاب الدينية الاسلامية

 

 

الدكتور عبدالله مرقس رابي

 باحث أكاديمي

 

          على أثر عدم تمكن نوابنا المسيحيين في مجلس النواب العراقي ،وبالرغم من مطالبتهم بتعديل الفقرة التي تحمي المسيحيين القاصرين في حالة اعتناق أحد الوالدين للدين الاسلامي .على اثر ذلك كتب الكاتب المعروف أنطوان الصنا مقالته عن الموضوع والموسومة ( بأسم الدين والشريعة مجلس النواب العراقي يسلب حريات وحقوق المسيحيين ) ،وتلتها مقالة الكاتب المتميز أبرم شبيرا الموسومة ( بين مذبحة كنيسة سيدة النجاة وقانون البطاقة الوطنية حلقات مترابطة لسلسلة فولاذية) . وقد أبدعا الكاتبان في وضع النقاط على الاحرف بتحليلهما الرائع للموضوع وربط الوقائع والاحداث في عراق اليوم بمسألة تشريع القوانين ونفوذ الاحزاب الدينية المتسلطة على الحكم في العراق .

وما لي أن أضيف على ماجاء في مقالتيهما الا أن أتساءل :ماذا نتوقع من الاحزاب الدينية الاسلامية ؟

 

  تشير الدراسات الاجتماعية والانثروبولوجية للشعوب البدائية والقديمة ان السلطة فيها استندت على الحق الالهي أي(التفويض الالهي).ولاتزال بعض القبائل الطوطمية القاطنة في الغابات الاستوائية والجزر النائية تمارس هذا النوع من السلطة .وفي الحضارات البشرية القديمة استند الملوك والاباطرة في سلطتهم على القوة والامتلاك لمصادر الثروة والجاه ,وتأثير شخصيتهم الكارزماتية التي تمتاز بالقابليات الفذة  على عواطف واتجاهات الافراد ومواقفهم ،  مما خضعوا وأدوا الولاء المطلق لهم .وقد ساعدهم في تحقيق هذا الى جانب السيف نخبة من كهنة المعابد الذين لقنوا الناس التعاليم الدينية التي بررت شرعيتهم في السلطة حتى ولو كانوا من الظالمين.

 أما في الشرق الاوسط ساد نظام الخلافة بعد انتشار الاسلام والذي يولي الافراد فيه ولاءا دون نقاش فيما يأمر وينهي به الخليفة ، فهو تفويض الهي لايجوز الطعن فيه أبدا مهما كانت النتائج من تصرفات الخليفة , دعم هذا النظام وعاظ السلاطين في خطبهم  ،اذ دعوا الناس بان لايشتكون من الخليفة والسلطان ، وهم دائما كما يقول عالم الاجتماع العراقي (الدكتور علي الوردي)يتزلفون الى الجلاوزة وأصحاب القوة .

وعليه شعر الخليفة أو السلطان من جراء ايحاء هؤلاء الواعظين انه ظل الله على الارض ,حقا له الامر وعلى رعاياه الطاعة العمياء فان عصوا فهم زنادقة ملحدون يستحقون العقاب ، ولاينكر أحد أن العهد العثماني كان من أشد العهود التي شهدها التاريخ عسفا ولؤما ودناءة وسفكا للدماء ,ورغم ذلك كان الوعاظ يرفعون ايديهم عقب كل خطبة يدعون الله أن ينصر الدين والدولة معا.(الوردي- وعاظ السلاطين).وعلى هذا المنوال تعمل الحكومات التي تستند في شرعيتها على المبادىء الدينية وعلى وعاظ السلاطين.

   والان ماذا نتوقع من الاحزاب الدينية  الاسلامية التي تستند في وضع فلسفتها على كتب التفسير والشرائع الدينية ؟

   الاحزاب الدينية هي احزاب سياسية يحاول أعضائها الوصول الى السلطة تحت الغطاء الديني مستمدة أيديولوجيتها وفلسفتها الفكرية من المفاهيم الدينية ,وتضع برامجها في ضوئها.وطالما يرى كل دين أومذهب في قياساته انه الافضل والامثل بين الاديان أوالمذاهب الاخرى لان مصدرها الخالق .فالمسؤول الروحي لذلك الدين أوالمذهب هو المفوض من الله لتطبيق التعليمات الدينية على الارض .وعليه فان الاحزاب الدينية الاسلامية طالما تستند على التعليمات الدينية  ،فيرى كل حزب هو الافضل والامثل لادارة شؤون المجتمع ,ولاتستطيع اتخاذ القرارات الحاسمة الا بالرجوع الى المسؤول الروحي الاعلى الولي الفقيه أو أي رجل  ديني آخر لتكون أفكاره هي الاساسية لاصدار الفتاوى للتعامل مع الوقائع الاجتماعية والسياسية والاقتصادية وحتى الشخصية في المجتمع، وهذا ما نلمسه من الاحزاب الدينية في العراق فهي موجهة من قبل الفقيه والولي ، بدليل تلقي التعليمات  والمشورة منه بين فترة وأخرى، ومن زياراتهم المتكررة اليهم سواء من قبل رؤساء الاحزاب أو رؤساء الوزراء .

   ان رجل الدين  يستمد أفكاره من الكتب المفسرة لمبادىء الدين وتعليماته ,والكتب المفسرة ,ما هي الا محاولات اجتهادية لاشخاص لايختلفون عن غيرهم من البشر لهم ميولهم وقيمهم وتنشئتهم الاجتماعية وظروفهم المجتمعية العامة التي تأثرت في أفكارهم وفلسفتهم بشكل وآخر.والاهم من ذلك ، لهم ماهو مكبوت في العقل الباطني من الرغبات التي لايتمكنوا من تحقيقها في حياتهم ,وعليه تعكس تلك الرغبات الشخصية في كتاباتهم ومواعظهم .مما يؤدي الى الاختلاف في مواقفهم وأفكارهم ,بدليل أن أي كتاب ديني الذي هو الكتاب الشرعي لأبناء ذلك الدين يفسر بطرق مختلفة في أزمنة وأماكن متعددة .

وهذا يدل على أن المفسر لايختلف عن البشر العاديين الا بقدراته العقلية مثله كأي مؤلف لكتاب آخر ,فهو ليس معصوم من الخطأ, وليس هناك مايبرر التفويض الالهي له,ولو كان ذلك واردا لاصبحت تفسيرات الكتب الدينية واحدة في كل زمان ومكان.وعليه يؤدي الوقوع في الأخطاء التي قد تجلب على البشر الظلم ونشوب الحروب للابادة الجماعية .

وهي لاتقتصر على أتباع الديانات المختلفة بل أيضا تنشب بين أتباع الدين الواحد وفي المجتمع الواحد.وماحصل في المجتمع العربي الاسلامي بعد الثورة على الخليفة عثمان بن عفان وبعده الصراع الذي وقع على السلطة بين علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان (الوردي – وعاظ السلاطين). والى يومنا هذا لاتزال أثار ذلك الصراع قائمة بشكل وآخر .وخير مثال على ذلك مانلمسه في بلدنا العراق اليوم والذي ماهوالا امتداد له ,وحصيلته ان الشعب العراقي يقع ضحية للصراع على هذه السلطة التي يدعي كل طرف انه المخول من الله للحكم على البشر وله الاحقية في السلطة.

    وماذا نتوقع من الاحزاب الدينية الاسلامية التي تبني فلسفتها السياسية على مبادىء لاشخاص فسروا الكتب الدينية التي لاجدال حول محتوياتها قبل الاف السنين .فهي تعتقد ,أي الاحزاب الدينية, ان السلف الصالح كان معصوما من الخطأ والعيب .وبهذا يريدون كل أفراد المجتمع أن يكونوا من طراز الخلق الصالح .وعلى هذا الموجب عليه أن لاننتظر من هذه الاحزاب تحريك المجتمع الى الامام والتقدم به نحو الافضل .

 أكدت الدراسات الاجتماعية ان المجتمعات البدائية التي تؤمن وتتمسك بتقاليد الاباء والاجداد ايمانا كليا لاتخضع الى التغيير والتطور الا قليلا ,اذ أن الحالة تؤدي الى الجمود الفكري، ولايكون التحرك الا في ضوء ما قاله الاجداد .ففي ضوء هذا الايمان  يتبين  ان تاريخ البلاد العربية الاسلامية زاخر  بمثل هذه الحالة ,وبل حتى في العصر الحديث فكل ما اوتي به من الغرب كفر وزندقة حتى لو كان الغاية منه مصلحة المجتمع وتقدمه .

وقد اعترض رجال الدين المسلمين على الاحزاب العلمانية ,واعترضوا على دخول النساء الى المدارس،فمثلا ,رفض رفضا قاطعا فقهاء (نجد)في السعودية عندما أدخل الملك عبدالعزيز سعود في بلاده المدارس الحديثة والمحطات اللاسلكية ,فقد أفتوا ان المدارس الحديثة تعلم الكفر والمحطات اللاسلكية تستخدم الشياطين في نقل الاخبار .(راجع الوردي –مهزلة العقل البشري- لمزيد من التفاصيل ص27 ).

وترفض الاحزاب الدينية الاسلامية  القوانين الوضعية التي تشرعها الحكومات العلمانية طالما أنها لاتستند على الكتب الدينية ,وهذا مايظهر جليا في العراق اليوم بعد سقوط النظام السابق عام 2003 ،حيث تُرسخ  هذه الاحزاب التخلف ، وأنتهاك الحقوق الاجتماعية والشخصية ،فهي تُحرم وتنهي وتُشرع  القوانين في ضوء ما تعتقد به دون ان تُبالي وترعى المشاعر الانسانية لمن يختلف معها في العقيدة.

 وقد  شملت تشريعاتها المتخلفة ، التعليم ، الاعلام ، القوانين الشخصية ، والمظاهر الحياتية اليومية ،من المأكل والمشرب والملبس والسياحة ،وتوجيه الاقتصاد بحسب رؤيتها العقائدية ، وكان من أجحف ما شرعته هو الاسلام  التلقائي للابناء القاصرين من المسيحيين في حالة دخول احد الوالدين في الدين الاسلامي .

الاحزاب الاسلامية في العراق أرجعت العراق الى عهد الخلفاء بتصرفاتها ونفوذها ولا بل ارجعته الى الحضارات البدائية المتخلفة ،   فماذا نتوقع منها وأن مفاهيمها تتعارض مع الحرية الشخصية تماما ,فهي باختصار مقتضب تؤكد على خضوع الفرد لمبادىء الدين خضوعا كاملا لانقاش عليه أبدا.

بينما تؤكد فلسفة حرية الفرد على حرية التعبير عن الراي,حرية الاعتقاد الديني والسياسي,حرية الاختيار لاسلوب الحياة الذي يراه الفرد مناسبا له من العلاقات الاجتماعية والماكل والمشرب والملبس.وهي تؤكد على حرية المراة ومساواتها مع الرجل واختيارها الحياة المناسبة لها.وتؤكد مبادىء الحرية الشخصية على حرية الاعلام,التعليم,الاقتصاد,الاجتماع , السياسة,السياحة والفن .كل هذه المبادىء تؤكدها المجتمعات والاحزاب الديمقراطية ,في الوقت الذي لاتتناسب وفلسفة الاحزاب والحكومات الدينية الاسلامية .فاذا ادعائها بالديمقراطية ادعاء باطل طالما لا تتوفر مبادىء الحرية الشخصية في فلسفتها .

   أية ديمقراطية نتوقع منها اذا لم تعط الفرصة في دساتيرها على ظهور التنظيمات السياسية التي تستند في وضع برامجها على القوانين الوضعية .وان ظهرت المحاولات الشكلية للديمقراطية فلا تعدو المنافسة بين الاحزاب الدينية نفسها ,وبالتالي فان مرجعها الاساسي هو رجل الدين الاعلى مقاما في البلد فلا يمكن ان يتصرف الحزب في السلطة ما لم يرجع اليه،"كما أشرت أعلاه" . على هذا الضوء يمكن القول لافرق بينها وبين الاحزاب الدكتاتورية التي لاتنافسها على السلطة أحزاب اخرى ,فكلاهما لايعطيان الفرصة للمنافسة السياسية .

   من الخصائص النفسية لمنتسبي الاحزاب الدينية الازدواجية في الشخصية السياسية ما بين الولاء الى الفقيه والعيش والولاء للوطن المحدد .لكن هاتين الظاهرتين متناقضتين ,فالدين لايلتزم بحدود وطنية ,فكل جماعة دينية متطرفة تحاول بكل الاساليب ,حتى الدموية منها في فرض نظام عالمي وفقا لاحكامها الدينية .

فالسياسي الديني يتظاهر بالتقوى ويدعي التدين ,ولكن مع ذلك له اتجاه دنيوي يحاول استغلال المفاهيم الدينية في تحقيق رغباته الشخصيةالمكبوتة في العقل الباطني التي من أهمها حب السيطرة والغاء الاخر والاحقية له في ادارة شؤون المجتمع .متناسيا ان الاخرين أيضا قد تلقوا تنشئة اجتماعية استندت على مبادىء دينية لايمكن التخلي عنها مثله .

   خلاصة القول يجب أن لاتخدعنا الاحزاب الدينية الاسلامية بانها سياسية في حكمها فهي تتصرف في الظاهر كأنها ديمقراطية ولكن في العقل الباطني لمنتسبيها ماهي الا دكتاتورية ,ولها الحق المطلق في السلطة وهي ظل الله على الارض .وهي تستغل المبادىء الدينية في احداث الصراع الاجتماعي بدلا من استغلال وظيفة الدين السامية في الضبطالاجتماعي والتكافل والتماسك والسلام في المجتمع .

   ووفقا لهذه المعطيات والحقائق يجب أن لاتوهمنا الاوضاع السياسية في العراق الجديد بوجود ديمقراطية سليمة فهي حاليا مفروضة على الاحزاب المشاركة في الحكم من قبل الولايات المتحدة الامريكية،فهي تلزم مشاركة الاحزاب الدينية والعلمانية معا في اللعبة السياسية .واني على يقين لو تخلت هذه الدولة عن العراق ,سوف لن تتوفر أية فرصة للاحزاب العلمانية للمشاركة في السلطة ,فهي تتقيد ويتلاشى وجودها تدريجيا أمام دكتاتورية الاحزاب الدينية ، لانها لاتؤمن  الا بما تفرضه الشريعة التي يفسرها الافراد على هواهم.

وبهذه المناسبة أدعو نواب شعبنا الى اللجوء للمحاكم الدولية ومنظمات حقوق الانسان في الامم المتحدة للاعتراض على القوانين التعسفية التي تُشرع في العراق والمُنتهكة لحقوق الانسان المختلفة.

     

 

 



توقيع (الدكتور عبدالله مرقس رابي)

 

(آخر مواضيعي : الدكتور عبدالله مرقس رابي)

  هل نتائج مؤتمر بروكسل شرعية ؟ ولماذا ؟

  الى المشاركين في مؤتمر بروكسل ألتزموا العقلانية وتجنبوا المخاطر

  تناقضات وتشويهات ومغالطات في محتوى رد تنظيمات شعبنا السياسية لبيان الرابطة الكلدانية

  السادة المطارنة السريان الموقرون بيانكم بحاجة الى الدقة في صياغة العنوان وتحديد الموقف

  ناشط في حقوق الانسان يعترض على مبادىء حقوق الانسان

 

 

 

 تنبيه : جميع الاراء الواردة تعبر عن رأي أصحابها و لا علاقة لإدارة موقع مانكيش كوم بها

 

جميع المواد المنشورة في موقع مانكيش كوم بكل أقسامه لا تُعبّر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع

ويتحمل صاحب الموضوع المسؤولية كاملة عما نشره وجميع ردود الفعل المترتبة عليه