المنتدى » المنتدى العام » مؤتمر باريس للبيئة: من أجل عالم أكثر صحة
المشاركة السابقة : المشاركة التالية

مؤتمر باريس للبيئة: من أجل عالم أكثر صحة

الكاتب : لويس اقليمس

غير متصل حالياً

المجموعةعضو مميز

المشاركات46

تاريخ التسجيلالثلاثاء 09-06-2015

معلومات اخرى
حرر في الأربعاء 18-11-2015 05:54 مساء - الزوار : 1504 - ردود : 0

مؤتمر باريس للبيئة: من أجل عالم أكثر صحة

لويس إقليمس

عقدت الأمم المتحدة فيمدينةبونالألمانية، بتاريخ 19 - 23 تشرين أول 2015، جولة جديدة من المشاورات والمفاوضات حول التغيير المناخي والاحتباس الحراري، وذلك قبل انعقاد مؤتمر باريس للمناخ المقرَّر لهبين 30 تشرين ثاني و10 كانون أول 2015. إلاّ أن المباحثات اصطدمت كالعادة، بإعاقات دول متقاطعة المصالح حول الواجب الوطني والمسؤولية الأخلاقية المترتبة على كلّ دولة حيال هذه المعضلة الدولية التي أرّقت الجميع.

في لقاء تاريخي جمع رئيسي العملاقين الدوليين، الأميركي أوباما والصيني شي جين بينغ، في واشنطن بتاريخ 25 أيلول 2015، قدّم الأخير عرضًا سخيًا بمقدار 3,1 مليار دولار لمساعدة الدول الفقيرة في مواجهة مشكلة الانبعاثات الحرارية والتغيير المناخي. وتلك عُدت مبادرة متميزة وتغييرًا فيالموقف الصينيّ ينمّ عن الجدّية بالمشاركة في إيجاد حلولللمشاكل الدولية المشتركة. كما أنها، المرة الأولى التي تصدر مثل هذه المبادرة من دولة الصين المحسوبة قبل سنوات، على الدول الأسيوية "النامية"، من حيث إيلاء هذا الموضوع القدر الوافي من الاهتمام. فالصين قد قفزت بسرعة إلى الرقم الأول عالميًا، في مسألة انبعاث غاز ثاني أوكسيد الكاربون في الجو، بحسب خبراء في البيئة، بعد انتقالها إلى بلد متقدم صناعيًا، ما أصبح يترتب عليها التزامات دولية، بموجب القانون الدولي.

على الصعيد العالمي، تسارعت العديد من الدول المعنية بانبعاث الغازات السامة نتيجة تشغيل معاملها المصنّعة الكثيرة، طبعًا باستثناء الدول المنتجة للنفط، تسارعت لنشر جهودها في مجال التقليل من فاعلية الانبعاثات الغازية في الأجواء، استعدادًا لعرضها على مؤتمر باريس المنتظَر حول التغيير المناخي والاحتباس الحراري. مجمل هذه الملاحظات أو الجهود التي شهدتها أروقة المناقشات في بون، تشير وبما لا يقبل الشك، إلى بروز شقّ واسع بين الشمال والجنوب، أي من جانب كلٍّ من الدول المصنّعة من جهة والمستوردة للطاقة والراغبة طبعًا بإدخال نماذج جديدة وبديلة من الطاقة النظيفة في استخداماتها اليومية، من جهة أخيرى.

في جولة التحضيرات قبل مؤتمر باريس، ارتفعت أصوات معارضة كثيرة ومنها أخرى مندّدة بعدم كفاية الإجراءات المتخذة من جانب الدول المصنّعة للحدّ من آثار ونتائج المشكلة التي أخذت تتزايد وتتفاقم. فقد أثارت السفيرة الجنوب أفريقية "نوزيفو مكساكاتو ديسيكو"، وهي الناطقة الرسمية باسم منظمة "جي 77 + الصين"، أثارت موجة من الاختلافات بين الشمال المتقدم والجنوب المتخلّف عن ركب التطور العالمي. يُذكر أن منظمة "جي 77 + الصين"، التي تأسست في 1964، تضمّ اليوم 134 دولةً من ضمن 195 بلدًا يشمله النظام الجديد للتفاوض حول المناخ وتأثيراته. ولم تخفي السفيرة الأفريقية مخاوفها من استمرار حالة التمييز العنصري القائمة بين الدول، في حالة رفض الكبار بالمنظمة، للتطلعات والمقترحات الصادرة عن الكتلة الأفريقية لمعالجة أسباب تردي المناخ وارتفاع ظاهرة الانبعاث الحراري.

 فبحسب وجهة النظر الأفريقية وعدد كبير من دول العالم الثالث، تكون دول الشمال هي المسؤولة تقليديًا عن هذا التردي. فيما الضحية هم دول الجنوب التي تعاني من إفرازات المصانع والمعامل والمشاريع العملاقة في إنتاج النفط والغازات التي تتحكم بها دول الشمال، في عقر دارها طمعًا في الاستزادة من تشغيل معامل جديدة لا تستخدم الطاقة النظيفة وتلقي بغازاتها وغيومها الرمادية فوق أراض البلدان الفقيرة. وهذا ما يشكل اتساعًا لخندق التفاهم بين الطرفين من أجل حلول وسطية تخدم المنتج والمستهلك معًا. لكن، ما قد يشكل قوةً لمجموعة دول الجنوب، وقوفُها صفًا واحدا متراصًا بوجه وسائل الاستغلال المتعددة التي تنتهجها الدول المتقدمة المتحكمة بزمام السياسة والاقتصاد العالميين. فالعملاقان الاقتصاديان الآسيويان الواعدان اليوم، ونعني بهما الصين والهند، اللذان اقتربا من منافسة عمالقة الاقتصاد والصناعة والإنتاج التقليديين في الغرب، سيكون لهما القول الترجيحي في قادم السنين، لابدّ.

هناك من يرجح تقاعسًا في دور الأمم المتحدة ونوعًا من المجاملة والمحاباة لدول الشمال على حساب دول الجنوب الأكثر فقرًا، والتي تسعى مجموعة الأولى لاستغلال فقرِ الثانية وحالتها الاقتصادية والسياسية الهزيلة للقفز على القرارات والالتزامات الدولية الأخلاقية تجاه الضعيف منها. فالأولى معروفة بخبرتها وحنكتها ودهائِها في قلب الأمور لصالحها في غالب الحالات، مستغلةً ثغرات عديدة في الأنظمة السياسية المتهرئة للبلدان النامية أو بالأحرى غير المتطورة صناعيًا وسياسيًا واجتماعيًا واقتصاديًا وحضاريًا. وفي ضوء هذه الظروف التفاوضية غير المتوازنة، تبدو المفاوضات، اية مفاوضات دولية أو قارية، وكأنها تجري في أروقة منعزلة لأصحاب القرار وبعيدًا عن الجهات المعنية بالمشكلة.

إلاّ أنه وبالرغم من كلّ هذا التعسف وفقدان التوازن في تركيبة مجموعة "جي 77 + الصين"، يبقى صوت الدول الأكثر فقرًا والأقل تطورًا، مرفوعًا وعاليًابسبب الظلم والتعسف وعدم مراعاة الظروف القاهرة التي تمرّ بها بلدان العالم الثالث في الأغلب. لكنّ القرار بالموافقة على ما ورد من توصياتومقررات مؤتمرات خاصة بالبيئة والمناخ، تبقى من حرية كلّ بلد وبحسب استعداداته وإمكاناته للتفاعل مع المشكلة العالمية للبيئة التي تتزايد مخاطر تلوثها وتراجعُ الإجراءات الصحية في الكثير من البلدان، لاسيّما المتخلفة منها عن الركب الحضاري. فالمصالح السياسية قد تتقاطع، وهذه هي الحقيقة الصارخة، مع الالتزامات الفنية والإجرائية بحسب كل بلد. وهذا ما كشفته أغلب المؤتمرات التي عقدت بهذا الصدد. حيث اتضح بروز تقاطعات في رغبات سياسية معينة لرؤساء وحكومات دول مع تطلعات وخبرات وتوصيات جهات استشارية وفنية وعلمية مثّلتْ وفودَ بلدانها رغبةً منها بالمساهمة في كبح جماح التلوث المتزايد وأثاره على البشر والأرض. وهذا بحد ذاته يشكل تحديًا داخل الأوطان نفسِها، بسبب إفرازات السياسات التي تتقاطع هي الأخرى مع الأمور الفنية التي تتطلبُها إجراءات وضعية حول طبيعة عمل المؤسسات والمصانع التي تتحمل مسؤولية التراجع في المناخ والبيئة. فربما يكون لرئيس دولةٍ، حكمٌ سياسيٌ على الوضع السياسي ككل. فيما الوزير المكلّف من حكومته، ينطلق من وجهة نظر خاصة بوزارتِه دون غيرها. أمّا الخبير الفنّي ضمن وفد الخبراء التفاوضي قد يتعرّض لتحدّي أفكارِه، سواء من الوجهة السياسية أو الإدارية. وهذا بحدّ ذاته، يشكل عائقًا في اجتياز العديد من المشاكل الفنية التي بحاجة إلى قرار سياسيّ فاعل ومتزن في نهاية المطاف.

بانتهاء المفاوضات الأولية في "بون"، بين الدول المشاركة، تكون الأخيرة قد حصدت بعضًا من الخيارات والإجراءات، استعدادًا لمؤتمر باريس المقبل في 30 تشرين ثاني 2015. وبالرغم من عدم قناعة البعض لسير عملية المناقشات ودائرة التفاوض بين الوفود المشاركة، إلاّ أنّ ما تم اعتمادُه يأخذ أهميتَه من حيث دعوة الجميع لإيقاف مشكلة الاحتباس الحراري لأقل من درجتين لغاية نهاية القرن الحالي. فيما بقيت مسألة التحويلات النقدية مثار خلاف بين المتفاوضين لغاية الساعة.

بحسب معلومتنا، ظهرت مؤخرًا في العراق، جهاتٌ جادّة في وزارة البيئة سابقًا، كانت لها جهودٌ واضحة في السعي لجذب الأنظار حول ما خلّفته الحروب المتواصلة منذ عقود ولغاية الساعة، بالكشف عن المشكلات الصحية والبيئية الكبيرة، التي ما تزال تعاني منها مناطق عديدة، ومنهاالمشاكلالإشعاعية التي أشرت انتشار الأمراض وظهور حالات مرضية غريبة، وكلها تعزى إلى مخلفات الحروب.

اليوم، تتولى وزارة الصحة هذه المهمة، بعد دمج وزارة البيئة ضمنها، لتتولى مسؤولية الحفاظ على صحة المواطن والسهر على خلوّ البلاد من اية ملوّثات أو مصادر سامة، حيث اشارت تقارير عراقية سابقة أسهمت وزارة البيئة (سابقًا) في تحليل مسبباتها، إلى وجود الكثير من المواقع المشكوك في تلوثها، بسبب أطنان الخردوات من التجهيزات والمعدات التي تركتها الحروب السابقة منذ عقود. وهذه تستدعي حرصًا وطنيًا ومثابرة تتسم بروح المسؤولية من أجل تخليص البلد ممّا تبقى من كتل التلوث والآثار المدمّرة على الأرض وفي الجو وعلى البشر والماء. فالمخاطر ما تزال قائمة، وما تمّ إنجازُه لم يصل لحدّ المسؤولية الملقاة على عاتق المعنيين من مسؤولين في الدولة والسلطة التشريعية ومن منظمات ناشطة وأخرى دولية، كان لها باعٌ في جزءٍ ممّا حصل.

في دولٍ متحضرة، تُعطى للبيئة أهمية كبرى. بل إن المؤسسات البيئية، من وزارة أو دوائر رئيسية، تُعدّ هذه الأخيرة سيادية وأساسية في تشكيلات حكومات تلك الدول. وبسبب الأهمية الكبيرة التي توليها هذه الدول المتقدمة لأجل خلق بيئة نظيفة لمواطنيها، فإنّ الدراسات والتخصصات في هذا المجال تأخذ مداها الواسع، نظرًا للخدمة الضرورية التي تقدمها للمجتمع والدولة على السواء. فالبيئة النظيفة، تخلق دومًا مواطنين أصحاء قادرين على العمل والنشاط والبناء.

هذه دعوة صريحة للجهات المعنية، بشحذ الهمم وعدم التقاعس بحجة عدم وجود تخصيصات مالية. فما قدمته جهات خارجية مانحة لهذا الجانب وما تزال، كان يمكن أن يزيل معظم آثار التلوث وينقذ الأطفال والنساء، بل والعراقيين جميعًا، من مخاطر كثيرة. ولو أنّ وزارة الصحة اتبعت الأساليب الصحيحة في طمر وإحراق ما تخلفه المستشفيات من ملوّثات وسموم، لكانت ساهمت هي الأخرى في تنقية أجواء العراق وتخليص المواطن من آثار تلك الملوثات.

 وهنا أيضًا، تأتي مسؤولية المجتمع والمواطن، بالتقليل من آثار التلوث، من خلال حفظ النفايات المنزلية ومعالجة نفايات المعامل بالطريقة الفضلى التي تحافظ على البيئة ومناطق السكن والمدن. إلاّ أن قلّة وعي المواطن وقصر نظره إزاء ما تتركه النفايات من مخاطر في غياب الإعلام والتوعية ووسائل التحذير والنصح والتثقيف التي تحذّر من مغبة التمادي في رمي المخلفات كيفما كان وأينما كان، هذه لا تقلّ خطورة عمّا تسببه الأعمال الحربية من آثار مدمّرة على البشر والبيئة معًا. فمنظر رمي النفايات والقناني وعلب المشروبات من نوافذ السيارات، وقذف شتى أنواع المواد والمأكولات والقاذورات في الشوارع والأزقة والساحات العامة والمحلات، بالرغم من وجود حاويات أحيانًا بالقرب منهم، كلّها تشير إلى ظواهر مدانة في مجتمعنا، إنْ دلّت على شيء، فإنما هي دليلٌ على قلّة الوعي والتخلّف عن الركب الحضاري. فالعراقي، حتى في سفرِه وترحالِه إلى الدول المتقدمة، يقدمُ على مثل هذه الأفعال أحيانًا كثيرة، في غياب المراقبة المواطنية حينما تكون بعيدة عنه. وهذا ما لاحظتُه شخصيًا، مثل غيري، أثناء السفر. إلاّ أنّ الكثيرين، يخشون العيون الشاخصة التي تستنكرُ من دون وجل مثل هذه التصرّفات المتخلّفة في بلدانهم.

فالمسؤولية إذن تضامنية، ولابّد من وعيٍ وإرادة وشعورٍ داخليّ من مغبة التمادي في تلويث البيئة بمثل هذه الأعمال الشائنة. وحينها فقط، سنصل إلى مطاف الدول المتحضّرة، انطلاقًا من الممارسات الأدبية والأخلاقية الصغيرة. فلو أنّ كلّ مواطنٍ منّا، سعى إلى تنبيه جارِه ومواطنِه في البيت والشارع والمدرسة والعمل والساحات العامة، بنهيِه من مثل هذه الأعمال غير الحضارية، لوصلنا إلى بناء الوطن وتغيير ذهنيّة المواطن المريضة والمتخلفة وجعل الأرض والماء والهواء أكثر نظافةً وأنصع نظارة وأفضلَ جدارة.

في الأخير، نتطلع إلى مشاركة عراقية فاعلة في مؤتمر البيئة الذي سينعقد في باريس نهاية تشرين الثاني الجاري 2015. فالاستراتيجية الوطنية لحماية بيئة العراق والخطة التنفيذية التي تم إطلاقها للأعوام 2013-2017، يجب ألاّ تبقى على الرفوف مثل غيرها من المشاريع الوهمية حبرًا على ورق وكلامًا جزافًا أمام وسائل الاعلام للدعاية والإعلان وصرف الأموال من دون نتائج. فالتحديات ما تزال كبيرة، بل هي في نفاقم بسبب غياب الوعي وعدم الجدّية في تشخيص المشاكل الحقيقية التي تقف وراء هذه الكارثة المتفاقمة.

في الختام، تذكيرٌ بمؤتمر باريس القادم 2015، فإنّ فرنسا حريصة على مشاركة منظمات المجتمع المدني والجمعيات النقابية والمنظمات التابعة للأمم المتحدة، إلى جانب الدول المشاركة. وسوف يقترن ذلك بإنشاء قرية صغيرة نموذجية تُخصص للمجتمع المدني في موقع إقامة المؤتمر في ساحة المعارض في "لي بوررجيه" بالعاصمة الفرنسية. كما أنّ الهدف الأسمى لهذه التظاهرة الدولية الكبرى، سيركز على المطالبة بتحديد وتقليل آثار التلوث إلى أقصى حدودِه بالاستخدام البشري للمياه والنفايات والطاقة، وبالتقليل من انبعاث الغازات الحرارية، كي يكون العالم أكثر مثالية في بيئة صحية للجميع.

 

بغداد، في 3 تشرين ثاني 2015



توقيع (لويس اقليمس)
لويس اقليمس

 

(آخر مواضيعي : لويس اقليمس)

  مَن له حق الحديث عن مصير سهل نينوى وتقرير مستقبل شعوبه؟

  السياسة والنفاق، شراكة مشبوهة!

  بابا السلام في مصر السلام

  للألم معنى: صناعتُه، هدفُه؟

  مسيحيّون أمْ نصارى؟ الجزء الثالث

 

 

 

 تنبيه : جميع الاراء الواردة تعبر عن رأي أصحابها و لا علاقة لإدارة موقع مانكيش كوم بها

 

جميع المواد المنشورة في موقع مانكيش كوم بكل أقسامه لا تُعبّر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع

ويتحمل صاحب الموضوع المسؤولية كاملة عما نشره وجميع ردود الفعل المترتبة عليه