المنتدى » منتدى الكتابات الروحانية والدراسات المسيحية » رياضة روحية عبر النت مع الرهبانية الكرملية: استقبال جدة الله( جديد الله) مسيرة مع اول زوجين قديسين ف
المشاركة السابقة : المشاركة التالية

رياضة روحية عبر النت مع الرهبانية الكرملية: استقبال جدة الله( جديد الله) مسيرة مع اول زوجين قديسين ف

الكاتب : ماري ايشوع

غير متصل حالياً

المجموعةعضو مميز

المشاركات1472

تاريخ التسجيلالإثنين 11-07-2011

معلومات اخرى
حرر في السبت 28-11-2015 11:26 صباحا - الزوار : 6513 - ردود : 6

الرهبانية الكرملية في العراق (إقليم باريس) تقدم لكم

رياضة زمن المجيء عبر النت مع القديسَين لويس وزيلي مارتان، زوجان أُعلنا قديسين حديثاً (2015)


استقبال حداثة (جِدّة .. ما هو جديد) الله مع القديسَين لويس وزيلي مارتان (والدي القديسة تريزا الطفل يسوع)

 

"إن الله يعرف أفضل منا ما نحتاج إليه"،

هذا ما تكتبه القديسة زيلي إلى زوجها لويس مارتان في 24 كانون الأول 1876.

إن فعل الإيمان هذا سيرافق رياضتنا الروحية المقترحة عليكم من قبل الرهبانية الكرملية (إقليم باريس) لعيش زمن المجيء لهذه السنة 2015.

منذ الثامن عشر من تشرين الأول، لويس وزيلي مارتان أصبحا أول زوجين أُعلنت قداستهما في تأريخ الكنيسة الكاثوليكية! إنهما يفتحان لنا هكذا طريقَ قداسةٍ خاصًا بالحياة العلمانية وكذلك بحياة الأسرة. . سيرافقاننا أثناء رياضة المجيء نحو الحداثة (الجِدّة) الكبيرة التي حصلت في التأريخ، أي ولادة الطفل-الإله يوم الميلاد.

عنوان رياضتنا الروحية هو:   

استقبال جديد الله ، مع القديسَين لويس وزيلي مارتان

 

القديسان لويس وزيلي مارتان:

من هما لويس وزيلي مارتان؟

هل هما مجرد والدا القديسة تريزا الصغيرة (تريزا الطفل يسوع)، أي هل هما أبوان حياتهما عادية ودون أية أهمية لو لم تكن ابنتهما القديسة الشهيرة؟ أم أنهما على العكس قديسان فريدان من نوعهما؟ كيف يمكن لحياتهما الإيمانية أن تكون ذات فائدة لنا اليوم؟ واخيراً، أية صلة يمكننا أن نكتشف بين هذين الزوجين وبين نعمة الميلاد الذي ننتظره هذه السنة؟

إن المواضيع المختلفة التي سنتناولها خلال الآحاد الأربعة لزمن المجيء تجيب على هذه التساؤلات المتعددة. سنكتشف تدريجياً تفاصيل حياتهما بتقدم هذه الرياضة. لكن مع هذا يمكننا الإجابة من الآن على السؤال الأخير: لويس وزيلي، مثل مريم ويوسف، استقبلا عطية ذاك الذي هو الحياة، استقبلا حضور المحبة المُقَدِّس. حياتهما المشتركة، التي سنتابعها زمنياً بالتدريج أثناء هذه الرياضة الروحية، ستتيح لنا أن نرى كيف أن نعمة الميلاد، أي نعمة الحُب الذي جاء واتخذ جسدنا وسكن بيننا، تتجسد في حياة زوجين يتقاسمان الإيمان اليومي في عائلة الناصرة البسيطة.

 

القداسة في الحياة العائلية

لكن لا يجب أن نتوهم! إنْ كان لويس مارتان يستطيع أن يكتب لبناته: "إن عائلتنا، على الرغم من بساطتها، تتشرف بأن تكون في عداد الذين مَيَّزهم خالقنا الحبيب" (الرسائل العائلة 231)، فهذا الإمتياز ليس المقصود به أن يكون حِكراً على "النخبة" من الأُسَر. فعلى مثال حياة تريزا الصغيرة، لويس وزيلي عاشا حياة بسيطة، خالية من الأحداث أو من النعم الخارقة أو فوق العادية. بل أكثر من ذلك، إنهما مَرّا بأوقات صعبة على صعيد الحياة العائلية (صعوبات في تنشئة إحدى بناتهما، موت 4 أطفال رضع، صعوبات مادية...)، أو على الصعيد المعنوي (خاصة أمام تجارب الإحباط وفقدان الأمل). ومع أن لويس وزيلي عاشا في القرن التاسع عشر، فمشاكلهما ونضالهما يعكسان لنا زوجان عصريان تماماً، قريبان من إنشغالاتنا وهمومنا.. ومن أفراحنا.. ومن نضالنا الشخصي.

إن القداسة هي ممكنة وهي ليست حزينة: هذا ما تُعَلِّمنا إياه حياة لويس وزيلي خاصة. لا نخف إذن من أن نطمح بدورنا على مثالهما إلى القداسة، لا نخف أن نختبر بدورنا جمال القداسة المسيحية. لويس وزيلي لم يولدا قديسان.. بل حصلا عليها في حياتهما.. لكن هل كان لديهما مؤهلات أو استعداد فطري مسبق لهذا الموضوع؟ لايبدو ذلك. لكنهما عاشا الإيمان المسيحي بأخذه على محمل الجد وببساطة، من خلال تطبيق وصايا المسيح وباتباع تعليم الكنيسة. هذا ما غير حياتهما تماماً. لم يكونا يفرضان على أنفسهما إماتات مفرطة، ولا تشدد زائد: لويس وزيلي عاشا القداسة في ورع حياتهما الخاص بهما. لنطلب من الله أن يكون مثال حياتهما ونعمة مجيء ربنا يسوع دافعًا لنا طالبين من الروح القدس أن يأتي وينير حياتنا اليومية اليوم وكل يوم.

سنتعلم خلال مسيرتنا في رياضة المجي مع عائلة مارتان هذه السنة، أن نستقبل حداثة أو جِدّة الله التي ستنكشف لنا يوم ميلاد الرب يسوع. سنتبع أربع مراحل، على عدد أسابيع المجيء الأربعة، بالإضافة إلى تعليم قصير خاص بيوم الميلاد نفسه:

  1. أن ننتظر موعد (مجيء) الله
  2. أن نجد مكاننا الخاص بنا
  3. أن نستقبل الحياة
  4. أن نخرج من ذاتنا

 رياضة مباركة لكل واحد منكم، والرب يحفظكم.

الأب غدير الكرملي



توقيع (ماري ايشوع)

 

(آخر مواضيعي : ماري ايشوع)

  كيف لي ...

  خذ مني حريتي

  رياضة زمن الصوم الكبير عبر النت مع ايليا ( 2016) للأب غدير الكرملي

  رياضة روحية عبر النت لزمن الصوم للأب غدير الكرملي ( دير الكرمل في العراق أقليم باريس الكرملي )

  صــــرت طـفــــلاً

 

 

 

 تنبيه : جميع الاراء الواردة تعبر عن رأي أصحابها و لا علاقة لإدارة موقع مانكيش كوم بها

 

جميع المواد المنشورة في موقع مانكيش كوم بكل أقسامه لا تُعبّر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع

ويتحمل صاحب الموضوع المسؤولية كاملة عما نشره وجميع ردود الفعل المترتبة عليه

 

رقم المشاركة : #7137
الكاتب : ماري ايشوع

غير متصل حالياً

المجموعةعضو مميز

المشاركات1472

تاريخ التسجيلالإثنين 11-07-2011

معلومات اخرى
حرر في الأحد 29-11-2015 10:44 صباحا


قراءات زمن المجيء ( سنة ج )  2015

اليوم

القراءة الاولى

القراءة الثانية

الإنجيل

الأسبوع الاول

الأحد الأول 29/11

ارميا 33: 14- 16

تسالونيقي3: 11- 4: 2

لوقا21: 25- 28، 34- 36

الاثنين      30

اشعيا 2: 1- 5

 

متى 8: 5- 11

الثلاثاء     1

اشعيا 11: 1- 10

 

لوقا 10: 21- 24

الاربعاء    2

اشعيا 25: 6- 10 أ

 

متى 15: 29- 38

الخميس    3

اشعيا 26: 1- 6

 

متى 7: 21، 24- 27

الجمعة    4

اشعيا 29: 17- 24

 

متى 9: 27- 31

السبت    5

اشعيا 30: 19- 21، 23- 26

 

متى 9: 35-38، 10: 1،6-8

الأسبوع الثاني

الأحد الثاني  6

باروك 5: 1- 7

فيلبي1: 4- 6، 8- 11

لوقا 3: 4، 6

الاثنين      7

اشعيا 35: 1- 10

 

لوقا 5: 17- 26

الثلاثاء     8

اشعيا 40: 1- 11

 

متى 18: 12- 14

الاربعاء     9

اشعيا 40: 25- 31

 

متى 11: 28- 30

الخميس     10

اشعيا 41: 13- 20

 

متى 11: 11- 15

الجمعة      11

اشعيا 48: 17- 19

 

متى 11: 16- 19

السبت      12

سيراخ 48: 1- 4، 9- 11

 

متى 17: 10 -13

الأسبوع الثالث

الأحد الثالث 13

صفنيا 3: 14- 17

فيلبي4: 4- 7

لوقا 3: 10- 18

الاثنين      14

عدد 24: 2-7أ ، 15-17أ

 

متى 21: 23 - 27

الثلاثاء     15

صفنيا 3: 1-2 ، 9-13

 

متى 21: 28- 32

الاربعاء    16

أشعيا 45: 6ب-8، 18، 21ب-24

 

لوقا 7: 19-23

الخميس    17

تكوين 49: 1- 2، 8- 10

 

متى 1: 1- 17

الجمعة     18

ارميا 23: 5- 6

 

متى 1: 18- 24

السبت     19

قضاة 13،2- 5أب6- 7، 24-25أ

 

لوقا 1: 5- 25

الأسبوع الرابع

الأحد الرابع   20

ميخا 5: 2- 5 أ

عبرانيين10: 5- 10

لوقا 1: 39- 45

الاثنين        21

صفنيا 3: 14- 17 أ

 

لوقا 1: 39- 45

الثلاثاء  22

ملوك الاول 1: 24 -28

 

لوقا 1: 46- 56

الأربعاء  23

ملاخي 3: 1-4 ، 4: 5-6

 

لوقا 1: 57-66

الخميس  24

ملوك الثاني 7: 1- 5، 8ب- 10أ، 12- 13أ، 14أ، 16

لوقا 1: 67- 79

 



توقيع (ماري ايشوع)
رقم المشاركة : #7138
الكاتب : ماري ايشوع

غير متصل حالياً

المجموعةعضو مميز

المشاركات1472

تاريخ التسجيلالإثنين 11-07-2011

معلومات اخرى
حرر في الأحد 29-11-2015 10:51 صباحا


الرهبانية الكرملية في العراق (إقليم باريس) تقدم لكم

رياضة زمن المجيء عبر النت مع القديسَين لويس وزيلي مارتان، زوجان أُعلنا قديسين حديثاً (2015)

 

الأسبوع الأول: أن ننتظر موعد (مجيء) الله

 

إنجيل ربنا يسوع المسيح للقديس لوقا (21: 25-28 ، 34-36)

في ذلك الزمان: كَلَّم يسوع تلاميذه بخصوص مجيئة قال:  

ستظهر علامات في الشمس والقمروالنجوم، وينال الأمم كرب في الأرض وقلق من عجيج البحر وجيشانه، وتزهق نفوس الناس من الخوف ومن توقع ما ينزلبالعالم، لأن أجرام السماء تتزعزع: وحينئذ يرى الناس ابن الإنسان آتيا في الغمام في تمام العزة والجلال.  وإذا أخذت تحدث هذه الأمور،فانتصبوا قائمين وارفعوا رؤوسكم لأن افتداءكم يقترب.

فاحذروا أن يثقل قلوبكم السكر والقصوف وهمومالحياة الدنيا، فيباغتكم ذلك اليومكأنه الشَبَك (الفَخ)، لأنه يطبق على جميع من يسكنون وجه الأرض كلها.

 فاسهروا إذن مواظبين على الصلاة، لكي توجدوا أهلاللنجاة من جميع هذه الأمور التي ستحدث، وللثبات لدى ابن الإنسان.

1)     تأمل الأسبوع

"أنا متأكدة من أنك َستقوم (من فعل القيامة) إذا أردتَ ذلك" (الرسالة الأولى للقديسة زيلي إلى أخيها، في 1 كانون الثاني 1863).

ما هو الشيء المشترك بين انتظار مجيء طفل إلى العالم (ولادة طفل) أو بالأحرى ولادة الطفل الذي عليه يستند وعد الحياة وخلاص العالم، وبين الأحداث المخيفة والمصائب المذكورة من قبل يسوع في إنجيل هذا الأحد الأول من زمن المجيء لهذه السنة؟

يسوع الذي كان يتحدث إلى تلاميذه، يصف لنا "مجيئاً" يسبب القلق، والخوف، بل وحتى زعزة أركان وأسس العالم. لكن الموضوع الذي يتكلم عنه يسوع هو بخصوص المجيء الممجد لله الذي صار بشراً، أي ذاك الذي جاء ليلتقي بالبشرية كي يقودها لترعى في أرض الميعاد التي وعد بها شعبه منذ قرون طويلة، أي في الفردوس المفتوح حتى للمجرمين (لص اليمين).. أي في تلك الحياة الموعودة التي لن يكون فيها لا مرض ولا موت ولا بكاء ولا أنين!...

*   تعليم يسوع: اقرأوا ما خلف السطور .. أي افهموا الأحداث حولكم...

يريد يسوع من تلاميذه أن يفهموا بأن المهم هو ليس أن نعرف تماماً ماذا سيحوي مستقبلنا من أحداث، لكن المهم أن نسهر، أن نصلي، وأن نستمد القوة من إيماننا لكي نتمكن من الثبات واقفين في مواجهة الأحداث العصيبة والمأساوية وغير المتَوَقَّعة والتي من الممكن أن تؤثر بشدة على حياتنا. هكذا، إنْ كان رجال الدين المؤمنين في إسرائيل قد فسروا بشكل صائب الكتاب المقدس لدرجة أنهم عرفوا بأن المسيح الآتي سيولد في بيت لحم، في أرض يهوذا، فلا أحد بالمقابل كان يتوقع أن يكون النبي المُعلَن عنه والمنتظَر سيكون الله نفسه والذي يأتي ويتخذ جسدنا، ويولد طفلاً مثل أطفال البشر، في مكان فقير جداً مثل مذود الحيوانات... الملك هيرودس لم يتوقع ذلك، عظماء الكهنة  والكتبة لم يفهموه، وسكان بيت لحم الذين استقبلوا يوسف ومريم لم يفهموا ذلك أيضاً، وشعب إسرائيل نفسه كانوا يظنون بشدة بأن "المسيح، عند مجيئه، لا أحد سيعرف مِن أين هو" (يوحنا 7: 27). ومع ذلك، فالله واضح وصادق؛  ولا يوجد "مَكْرٌ في الله، صخرتي"، يُعلن المزمر (مزمور 92: 16). إن عدم فهم البشر هذا، والتهديد المذكور من قبل المسيح على عالمنا (لوقا 21: 26) يأتي من حقيقة أن الإنسان قد فقد براءة الطفولة، وقلبه هو غالباً ما يكون مريضاً وغير طاهر. إن رد فعل هيرودس العنيف والظالم عندما أمر بقتل أطفالاً أبرياء، بعد إعلان ولادة أمير السلام، يكشف بوضوح قلبًا مريضاً ومنغلقاً على ذاته. بينما الله، هو، ليس مخادعًا ولا قاسيًا، ومشروعه لكل واحد منا هو ببساطة مشروع حياة. إنْ كنا نتلهف إلى هذه الحياة – التي من أجلها خُلِقنا منذ البداية – فهل لدينا استعداد القلب والروح بشكل كافٍ كي نُميّز ونعرف كيف نستقبله؟ هل لدينا حقاً الإيمان بالله الذي يضع فينا هذه التطلعات والآمال الكبيرة (للسعادة، وتطوير مواهبنا وقابلياتنا، وللحياة العائلية أو للحياة المكرسة...) ويتمنى أكثر منا أن نحققها؟

إن إنجيل هذا الأحد الأول من زمن المجيء يجذب إنتباهنا إلى النقطة التالية: في بحثنا عن السعادة، يسوع لا يطلب منا أن لا نُخطيء أبداً لكنه يطلب منا بالأحرى أن نسهر: "فاسهروا إذن مواظبين على الصلاة" .. اسهروا إذن وصلوا دائماً.. في كل وقت (لوقا21: 36). إن وصية يسوع هذه تدعو إلى موقف إيماني .. إلى أن نستعد لحياة الملكوت من الآن... إلى إتخاذ موقف يجعلنا نراجع ونرتب أولوياتنا أو قناعاتنا. "ابحثوا تجدوا ... لأن كل من يبحث يجد" (لوقا 11: 9-10)، يقول لنا يسوع بقوة. إن مَن يبحث يعرف جيداً بأنه من الممكن أن يُخطيء بسهولة أو باستمرار قبل أن يجد ما كان يبحث عنه. لهذا السبب، دعوة إنجيل اليوم لا يجب أن تُفهَم كدعوة إلى عدم الوقوع في الخطأ، لكنها دعوة إلى البقاء ساهرين. فنحن يمكن أن نُخطيء في أية لحظة ... ولدينا الحق في أن نراجع ونغير قناعاتنا، ويمكننا أن نفشل أيضاً... إن الله يدعونا في قلب هذه الأحداث، بل يدعونا خاصة في وسط هذه الأوضاع الصعبة، لأن نحافظ على موقف يتسم بإيمان يقظ .. إيمان ساهر. لسنا نحن مركز حياتنا، بل أننا مرتبطون بذاك الذي خلقنا وافتدانا، نحن مرتبطون بذاك الذي لديه بخصوصنا مشروع حياة ثابت وإلى النهاية، حتى عندما نسير في طرق معوجة ونبتعد عنه، لأنه، هو، أمين ولا يتغير. "لقد أتيت لتكون الحياة للناس بل وتفيض فيهم" (يوحنا 10: 10)، يقول يسوع.

فهل نجرؤ على الإيمان بذلك، وإلى أي حد؟

 

*   إنفتاح القلب وسط منعطفات حياتنا ..

إن حياة زيلي ولويس تدعونا إلى البقاء ثابتين في فعل الإيمان الجريء هذا. لقد عملا يومياً، من خلال الصلاة والإيمان، من أجل الحصول أو الإستمرار على إنفتاح حقيقي للقلب وللروح خلال كل منعطفات حياتهما المتنوعة.

وُلِدَت زيلي ماري كيران، في 23 كانون الأول 1831 في فرنسا، في قرية بالقرب من مدينة "ألنسون" التي تحولت إليها عائلتها بعد بضعة سنوات. كانت الثانية في العائلة، لديها أخت أكبر منها وأخ أصغر منها. أهتم والداها بتنشئتها تنشئة مسيحية. ولسوء حظها، كان والداها قاسيان فحُرِمَت من الحُب والحنان في فترة طفولتها إن كان من جانب والدها أم والدتها. كتبت لأخيها تقول: "إن فترة طفولتي وشبابي كانت حزينة جداً، فإن أمي، إنْ كانت تدللك، كانت قاسية جداً معي كما تَعْلَم؛ ولم تكن تعرف كيف تهتم بي أو تعاملني، لهذا لقد تألمت كثيراً ومن أعماق قلبي" (مراسلات عائلية 15). لم تمتلك زيلي أبداً أية لعبة في طفولتها ولا حتى دمية... لكنها بدل أن تتأثر نفسياً وتنطوي على نفسها، حاولت البحث عن الحنان والحُب في العلاقة مع الله. عطشها للحب بدوره توجه نحو الناس الفقراء والمحرومين. وأحست برغبة قوية داخلها في أن تكرس حياتها لله للفقراء. هكذا لم يمنعها ألمها ومعاناتها في طفولتها وشبابها من أن تبحث عن عيش حياة تستحق العيش وأخذت تبحث عن إرادة الله في حياتها وعَمّا يريد الله منها، لكنها لم تكن بعد تفهم بالضبط إرادته.

لويس مارتان، من جهته، ولد قبلها في 22 آب 1823 في مدينة بوردو الفرنسية. بعد سبع سنوات تنتقل العائلة غلى مدينة "ألنسون". يبدو أنه عاش فترة شبابه دون صعوبات تُذكر، كان يطالع كثيراً كتب حياة القديسين. ربما يفكر البعض منكم الآن بأن الشابين لويس وزيلي وبما انهما يعيشان في نفس المدينة الصغيرة التقيا وأحبا بعضهما بعض وكوّنا عائلتهما بسرعة. لم تسير الأمور بهذه السهولة. لأن لويس هو أيضاً، أخطأ في البداية بخصوص إرادة الله في حياته. فبعد أن تَعَلّم مهنة الساعاتي، توجه نحو دير "القديس برنردس"، دير شهير في سويسرا. وسيحمل لويس دائماً في قلبه هذا الميل إلى الخلوة والتأمل والمغامرة أيضاً. لكن بعد محاولة في هذا الدير في عمر 22 سنة، اضطر لويس أن يعود إلى ألنسون، لكي يتعلم اللغة اللاتينية! فقد كانت معرفة اللاتينية شرطاً ضرورياً كي يُقبَل في الدير ويصبح راهباً في تلك الرهبانية آنذاك. كانت هذه تجربة كبيرة بالنسبة لهذا الشاب. فحاول أن يتعلم اللاتينية لمدة سنة ونصف وبعناد كبير، لكنه فشل في ذلك ولم يتمكن من الإستمرار، فكانت خيبة الأمل كبيرة جداً بحيث تمرض بعدها ...

في ألنسون، زيلي تتجه بدورها نحو الحياة الرهبانية. وكانت ترغب بشدة أن تصبح من "بنات المحبة" لكي تتمكن أخيراً من تكريس حياتها لله وللمرضى لأن هذه الجمعية الرهبانية تهتم بالمرضى. عندما كان عمرها 18 تقريباً، تذهب إلى الدير برفقة والدتها لتلتقي برئيسة الدير؛ لكن اللقاء مع رئيسة الدير انتهى سريعاً، لأن الرئيسة تعلن بوضوح بأن زيلي ليس لها دعوة عندهن. إذن بالنسبة لزيلي وكذلك بالنسبة للويس، كانت هذه التجارب فشلاً كبيراً. كان ذلك صعبًا جداً بالنسبة لزيلي لأن هذا عَمَّق فيها فراغها العاطفي وألمها الذي عاشته في طفولتها ومراهقتها. هكذا إذن تبدو حياة زيلي ولويس وكأنهما مسيرتين كانتا متجهتان نحو السماء لكنهما فجأة تتعثران وتفشلان. لويس وضع كل قواه لكي يصل إلى ما يريده وناضل من أجل ذلك، لكن النهاية كانت الهزيمة. أما زيلي فالتجأت بأكملها إلى حياة كانت تتصور أنها ستكون أفضل لها، لكن هي أيضاً خاب أملها كثيراً، وفشلت فيما كانت تظنه مستقبلها...

*   القوة الـمُستَمَدّة من الإيمان ولاصلاة ..

لنعد إلى الإنجيل كي نُقيِّم وضع لويس وزيلي: "افهموا"، يقول لنا يسوع، "افهموا بأن المهم ليس أن نعرف تماماً محتوى مستقبلنا أو مما سيتكون، لكن المهم أن نسهر، أن نصلي، أن نستقبل في الإيمان نعمة الثبات، نعمة البقاء واقفين وصامدين أمام التجربة، مثل تلك التي اختبراها لويس وزيلي. فالإثنين في الحقيقة، استقيا من الإيمان والصلاة القوة لكي لا يقعا في الإحباط والكآبة. الصلاة التي خرجت من قلب زيلي مباشرة بعد أن فشلت في الدخول في الحياة الرهبانية، تعكس هذا جيداً: "يا إلهي، بما أني لم أكن مستحقة لأن أكون عروسك (...)،  سأدخل في حياة الزواج كي أُكمل إرادتك المقدسة. لهذا، أتوسل إليك، هبني الكثير من الأطفال، وليُكَرِّسوا جميعهم حياتهم لك"... بعد أن أُحبِطَت، تناضل زيلي مع ذلك كي تثبت في إيمانها بأن الله يهيء لها مشروع حياة حقيقي، وقلبها وروحها يبقيان منفتحان ويقظان وساهران لاكتشاف وفهم إرادة الله في حياتها.

أما لويس، فيبدأ دون تأخير في التركيز على مهنته كساعاتي. فيفتتح محلاً لبيع وتصليح الساعات في المدينة. ويبدو أنه لا يفكر في الزواج. إحدى المؤمنات في خورنته تهديه تمثالا للعذراء مريم (يمثل عذراء البشارة، وهو التمثال الذي سيشتهر وسيسمى بتمثال العذراء المبتسمة التي ستبتسم للقديسة تريزا الطفل يسوع في طفولتها وتشفيها من علتها). كان لويس يكرس وقتاً طويلاً للصلاة وفي نفس الوقت كان نشطًا جداً في الأعمال الخيرية والتبرعات للفقراء والمحتاجين. هو أيضاً، وعلى الرغم من ألم فشله وعدم تمكنه من تحقيق حلمه في الحياة الرهبانية، يحافظ على إنفتاح القلب والروح تجاه ربه وإلهه. لويس وزيلي، كانا يستطيعان أن يتبنيا صلاة صاموئيل الصغير نفسها ويقول كل منهما لله: "تَكَلَّمْ (في حياتي) يا رب، فإن عبدك يسمع" (1صموئيل3: 10). سيستمر هذا الوضع لعدة سنوات. بعدها سيعمل ويتكلم الله في قلب هذين الشابين، لأنهما سينتهيان بإتمام مشروع حياتهما؛ سنكتشف تفاصيل ذلك في الأحد الثاني من زمن المجيء (الأسبوع القادم). مشروع الحياة هذا سيتحقق بحيث ستكتب زيلي، متقوية من هذه الخبرة، فتقول بثقة  لأخيها: "أنا متأكدة بأنك ستنجح إنْ أردتَ ذلك"؛ ستنجح ... لكن تحت نظرة الله، وربما ليس بالطريقة التي فكرتَ فيها في البداية، أي ليس كما كنت تتمنى في البدء!

 

ثلاثة مسارات لتَبَنّي الإنجيل وتطبيقه في حياتنا على مثال القديسين لويس وزيلي:

* إن هذا الأحد الأول من المجيء يسمح لنا أن نلاحظ كم أن لويس وزيلي حاولاً أن يفهما، بناءً على دعوة يسوع، ما هو مشروع الحياة لكل واحد منهما.

ونحن.. هل نعمل نحن أيضاً على أن نمتلك استعداد القلب هذا كي نطابق حياتنا مع مشروع الله لنا؟ فنحن في أغلب الأحيان مشغولين بأشياء أخرى غير إرادة الله في حياتنا أو بمشاغل وهموم الحياة وبرغباتنا وإرادتنا نحن...

* لويس وزيلي لم يخططا في البداية للزواج، لدرجة أن خيبات أملهما بدت بالنسبة إليهما فشلاً كبيراً وتامًا في حياتهما. كيف نحن بدورنا نُقَيِّم أو ننظر إلى فشلنا أو إخفاقاتنا الخاصة: هل ننظر إليها مجرد نظرة إنسانية بحتة، أم كطريقة تجعلنا نثب من جديد نحو الأمام على الرغم من الألم المعاش والذي لا مفر منه؟  هل نعتقد بأن لنا الحق في أن نخطأ، تحت نظر الله؟ لِنَجْرُئَنَّ ونغفر لأنفسنا أخطائنا الخاصة. ولا نَدَعْنَّ خيبات الأمل والإحباطات أن تملك على حياتنا...

* وأخيراً، كان الإيمان المسيحي والصلاة يأخذان حيّزاً مهماً وكبيراً في حياة لويس وزيلي. فالإيمان والصلاة كانا السند الأساسي لهما في كل مرة كانا يُرفَضان أو يفشلان (كم من مرة نسمع هذا السؤال من حولنا أو نردده نحن وقت الضيق: إن كان الله موجوداً، لماذا كل هذه المصائب والفشل في حياتي؟"). هكذا ساهم الإيمان والصلاة في وضع أسس صَلِبَة في حياتهما. هل يتلاشى إيماننا ويتوارى، أم أنه يظهر بالعكس كسند، في أوقات الضيق أو عندما نواجه صعوبة ما في حياتنا؟

تأمل في إنجيل اليوم

في هذا اليوم الأول للرياضة (الأحد)، تقدم لنا الليتورجية مقطعاً من إنجيل لوقا ربما سيُدهشنا كثيراً. فالرب يسوع يتكلم فيه عن مصائب مخيفة: علامات في الكواكب، ويلات تضرب العالم، قوى السماء تتزعزع. لماذا تختار الكنيسة نصاً كهذا في هكذا مناسبة؟! فنحن نريد أن نتهيأ لعيد الميلاد، بينما الرب يسوع يكلمنا عن نهاية العالم!

يجب أن نعلم بأن يسوع يستعمل هنا أسلوباً لُغَوياً خاصاً، نجده في العديد من الأماكن في الكتاب المقدس. هذا الأسلوب اللغوي يُسمَّى "الأسلوب الرؤيوي". إنه ليس أسلوباً يخص المصائب! لكن الكلمة باليونانية تعني حرفياً "الكَشْف". إن هدف اللغة الرؤيوية هو أن تكشف لنا شيئاً مما سيحدث في نهاية الازمنة، والغرض من ذلك هو تحريك وتقوية رجاءنا، خاصة في وقت الأزمة. وكأن المسيح يريد أن يقول لنا: "نعم، ستواجهكم العديد من الصعوبات، لكن لا تنسوا أبداً باني مخلصكم، وبأني آتٍ إليكم!" هكذا، يوجه نص الإنجيل هذا نظرنا نحو مجيء الرب يسوع، في مجده، في نهاية الأزمنة. ومجيئه في بيت لحم، في ليلة الميلاد المتواضعة، هو صدى لهذا المجيء النهائي.

إذن، يمكننا أن نفهم بشكل أفضل لماذا نسمع هذا المقطع الصعب من الإنجيل في بداية مسيرة المجيء. إن هدف طريق حياتنا المسيحية قد كُشِفَ لنا في هذا النص .. سبب مجيء الرب في الميلاد قد كُشِفَ لنا: إنه يأتي لخلاصنا: "لأَنَّ فِدائَكُم يَقْتَرِبُ».وهذا لا يجب أن يخيفنا ويرعبنا، بل بالعكس. فيسوع، عندما يكشف لنا هكذا معنى وجودنا، فهو يوجهنا نحن الموقف الذي علينا أن نتخذه كي نتهيأ من خلاله لإستقبال مجيئه: "انْتَصِبُوا قائمين، وَارْفَعُوا رُؤُوسَكُمْ" ، "اسْهَرُوا إِذًا مواظبينَ على الصلاة في كل وقت".العديد من النصائح والعديد من النداءات التي تحثنا على السهر، والموجودة في أماكن أخرى من الإنجيل، يمكننا أن نتبناها وننتبه إليها في بداية رياضة المجيء هذه. لأن الرب يسوع يأتي إلينا.. دوماً! وفي عيد الميلاد، نحن لا نقوم فقط بإعادة ذكرى مجيئه قبل 2000 عام. لكننا نحتفل بالأحرى بمجيئه في الوقت الحاضر: هذه السنة، في عيد الميلاد، يسوع سيولد من أجل خلاصنا. اليوم، وكل يوم، يأتي الرب يسوع إليَّ، في حياتي، أينما أكون. بل هو لم يتوقف أبداً عن المجيء إليّ، عن دعوتي للقاء به. لكن هل أنا منتبه لمجيئه، لحضوره في حياتي؟ هل أرغب أن ألتقي به؟ هل أشتاق لِلُقْياه؟

2)    لنُصَلِّ في كل يوم من أيام الأسبوع

الأثنين 30 تشرين الثاني 

"سأقبل الحياة الزوجية كي أُكمل إرادتك المقدسة. لهذا، أتوسل إليك يا رب، هبني الكثير من الأطفال، وليُكَرِّسوا جميعهم حياتهم لك." (صلاة زيلي).

"تَكَلَّم يا رب، إن عبدك يسمع." (1صموئيل 3: 10)

الثلاثاء  1 كانون الأول 

"أنا سعيدة جداً مع لويس. إنه يجعل حياتي جميلة. إن زوجي رجل قديس، وأتمنى أن تحصل جميع النساء على زوج مثله." (رسالة زيلي إلى أخيها).

"أيها الرجال أيها الرجال، أحبوا نساءكم كما أحب المسيح الكنيسة وجاد بنفسه من أجلها." (1صموئيل 3: 10)

الأربعاء  2 كانون الأول 

"عندما وُلِد أطفالنا، لم نعد نعيش إلاّ من أجلهم، كان ذلك كل سعادتنا. أتمنى أن يكون لي أطفالاً كثيرين حتى أُربيهم من أجل السماء." (رسالة زيلي إلى بولين ابنتها، 4 آذار 1877)

" اطلبوا أولا ملكوت السموات، فيُعطى لكم كل هذا وبفيض." (متى 6: 33)

الخميس  3  كانون الأول 

"إن أباكِ العجوز قد اكتفى من كل المحاسن التي تحوطه، ويحلم بالسماء وبالأبدية: باطل الأباطيل، وكل شيء باطل ما عدا محبة الله وخدمته!""  (رسالة لويس إلى ابنته ماري، 30 آب 1885)

" أحبب الرب إلهك بكل قلبك وكل نفسك وكل ذهنك وكل قوتك." (مرقس 12: 30).

الجمعة  4  كانون الأول 

"أرغب تماماً أن أكون قديسة لكني لا أعرف من أين أبدأ... لهذا أظل على صعيد الرغبة فقط: فأنا أقول عدة مرات في اليوم:  يا إلهي، كم أود أن أكون قديسة" ( رسالة زيلي إلى ابنتها بولين، 26 شباط 1876)

" كونوا أنتم كاملين، كما أن أباكم السماوي كامل.." (متى 5: 48).

السبت  5  كانون الأول 

"كنا كل ليلة نصعد لنصلي سوية، وكانت الملكة الصغيرة (تريزا) وحدها بالقرب من ملكها (أبيها لويس)، كانت فقط بحاجة إلى أن تنظر إليه كي تعرف كيف يصلي القديسين." (القديسة تريزا الصغيرة، تأريخ نفس).

"فاسهروا مواظبين على الصلاة، لكي توجدوا أهلا للنجاة من جميع هذه الأمور التي ستحدث، وللثبات لدى ابن الإنسان." (لوقا 21: 36).

 الأب غديرالكرملي



توقيع (ماري ايشوع)
رقم المشاركة : #7144
الكاتب : ماري ايشوع

غير متصل حالياً

المجموعةعضو مميز

المشاركات1472

تاريخ التسجيلالإثنين 11-07-2011

معلومات اخرى
حرر في السبت 05-12-2015 04:34 مساء

2. الأسبوع الثاني: أن نجد مكاننا الخاص بنا

إنجيل ربنا يسوع المسيح للقديس لوقا   (3: 1 6)

يوحنا يعد الطريق ليسوع

في السنة الخامسة عشرة من حكم القيصرطيباريوس، إذ كان بنطيوس بيلاطس حاكم اليهودية، وهيرودس أمير الربع على الـجليل،وفيلبس أخوه أمير الربع على ناحية إيطورية وطراخونيطس، وليسانياس أمير الربع علىأبيلينة،  وحنان وقيافا عظيمي الكهنة، أُنزِلَت كلمة الله إلى يوحنا بن زكريا في البرية؛ فجاء إلى ناحية الأردن كلها، ينادي بمعمودية توبة لغفران الخطايا،  لى ما كتب في سفر أقوال النبي أشعيا: (( صوتمناد في البرية: أعدوا طريق الرب واجعلوا سبله قويمة. كل واد يردم وكل جبل وتل يخفض والطرق الـمنعرجةتقوم والوعرة تسهل وكل بشر سيرى خلاصالله)).

Célibataire

  1.  تأمل الأسبوع

"علينا أن نضع أنفسنا في موقف الإستعداد لقبول إرادة الله بسخاء، مهما كانت، لأن إرادة الله ستكون أفضل ما يمكن أن يحدث لنا." (204 ، زيلي).

يوحنا .. النبي .. المعمدان، يدخل في تأريخ إسرائيل في الوقت الذي فيه يبدو العالم مُنَظَّم ومُسَيطَرٌ عليه: ففي  السنة "الخامسة عشرة"، كان هناك امبراطور في روما، وحاكم في اليهودية، وعظماء أحبار وشخصيات أخرى في السُلطة في أماكن مختلفة من الإمبراطورية الرومانية. كل شيء إذن كان يبدو وكأنه يسير بدون مشكلة كبيرة. لكن ذلك العالم الذي كان مُنَظَّماً لم يكن مع ذلك العالم المثالي، كما يصفه لنا المؤرخ المشهور "فلافيوس جوزيف" الذي نقل لنا شراسة ووحشية بيلاطس البنطي على سبيل المثال. فبين الحين والآخر كان يقوم بأعمال قمع وحشي ودموي. وكان يصدم الحساسية الدينية اليهودية بإدخاله رموزاً رومانية دينية غير مقبولة بالطبع من قبل اليهود وكذلك كان يستحوذ على أدوات الهيكل وكنوزها لأغراضه الخاصة. لكن وعلى الرغم من كل هذا، كانت الأمور في ذلك الوقت تسير بانتظام على الأغلب؛ فقد كان السلام (سلام روما .. سلام البشر) مفروضًا على الأغلب كما يبدو.

*  الدعوة إلى التوبة (الإرتداد، الرجوع إلى الله) في قلب حياتنا

لكن عندها، حدث شيءٌ مفاجِئٌ وظَهر إلى العيان: في قلب هذا العالم، "أُنزِلَت كلمة الله إلى يوحنا بن زكريا". كلمة الله دخلت هذا العالم وتدعونا إلى أن نغير تصرفاتنا. تدعونا إلى "التوبة من أجل مغفرة الخطايا". أرسل الله كلمته إلى العالم لأن هذا العالم ليس فقط عالم البشر لكنه عالم الله ايضاً. لهذا حضوره.. كلمته.. تدبيره الإلهي يظهر وسط حياتنا نفسها مهما كانت تبدو عادية وبسيطة. إن أبانا لا يسكن بعيداً مختبئًا في السماء، وليس علينا أن نتسلق الغيوم للإتصال به. إن أبانا يأتي بنفسه إلينا، من خلال الروح القدس مثلاً الذي جاء إلى مريم وقت البشارة، أو من خلال الإبن الذي أتى إلى تلاميذه بعد القيامة.

إن كانت كلمة الله قد وُجِّهَت إلى يوحنا المعمدان ومن خلاله إلى الشعب في ذلك الوقت، فهي مُوَجَّهة إلينا اليوم أيضاً. هكذا، يوجه لنا الله، من خلال إنجيل اليوم، طَلَبًا ووعداً. الطلب هو مُلِحٌّ جداً، بل طَلبٌ آمِر: "أعدّوا طريق الرب"! كيف نفعل ذلك؟ إن تغيير الموقف الداخلي والخارجي هي وسيلة الإنسان لإعداد الطريق لمجيء المشروع الإلهي. إن الله لا يفرض نفسه بقوة علينا، لكنه يكشف نفسه لنا عندما يكون قلبنا جاهزاً لاستقباله. إن إلهنا، من خلال يوحنا المعمدان، يدعونا إلى أن نعمل على امتلاك موقف استعداد القلب هذا، وهذا ليس بالسهل. إن ثِقَل حياتنا الشخصية، بجروحاتها وإحباطاتها وآلامها وضياعاتها، لا يُسَهَّل علينا دوماً امتلاك استعداد القلب والروح هذا. لكن ما أن نجده، هذا الإستعداد وتغيير التصرفات، يأخذان اسمًا، ندعوه "توبة". إلى هذا نحن مدعوون، في هذا الأحد الثاني من زمن المجيء: نحن مدعوون إذن إلى التوبة!

إن هذه التوبة (معنى الكلمة بالأساس هو "الرجوع إلى الله")، أو بكلمة أخرى، هذا الرفض لأن ننغلق على أنفسنا وعلى خطايانا، هذه الثقة المستعادة بالله، تترك عندئذٍ مكاناً لوعد الله: "كل بشر سيرى خلاص الله". "لقد وعد الله بذلك" [1] ، يضيف نص اشعيا النبي الذي يستشهد به إنجيلنا اليوم. فكل مَن يُعِدّ طريق الرب سيرى خلاص الله يعمل في حياته. إن هذا الخلاص ربما لن يأتي كي يغير العالم الحالي، "المُنَظَّم" وغير المثالي كما كان العالم في زمن يوحنا المعمدان، لكنه يسمح "لكُل بشر" متجه نحو السماء أن يجد مكانه على الأرض.

أن نجد مكاننا الخاص في العالم، أليست هذه مسألة أساسية في الحياة؟ بل أفضل من ذلك، أن نرى جمال هذا المكان الذي هو لنا، أن نرى قيمة المكانة التي وهبها الله لنا، أليس لهذا أهمية أولى في الحياة؟ إن وعد الله قد أُعطي لنا، إنه يدعونا إلى أن نأخذ مكاننا وسط المجتمع، قبل أن نأخذ مكاننا في قلب الملكوت المخصص لنا مسبقاً... لويس وزيلي أمضيا سنين طويلة قبل أن يجداً مكانهما الخاص بهما، لكن هذا الإنتظار كان يستحق العناء، لأن النتيجة كانت مثمرة وجميلة جداً!

 

 * أن نجد .. ونأخذ المكان الخاص بنا ... وأن نرى الشيء الجميل الذي فيه ...

في 1847، بعد خيبة أمله بسبب فشله في الدخول في الحياة الرهبانية، يضع لويس جهده في دراسته المهنة كساعاتي (خبير ومصلح ساعات)، وسيذهب إلى باريس لعدة سنوات لهذا الغرض. هناك سيكافح كي لا يدع نفسه يقع في تجارب عديدة في هذه العاصمة المغرية والقادرة على أن تبعده عن إيمانه العميق. لا ننسى أنه كان خارجاً من خبرة مؤلمة وفاشلة، وبسبب خيبة أمله كان من الممكن أن يبحث عن "الراحة واللهو"، كطريقة لنسيان فشله؛ كان من الممكن إذن أن يُقَسّي قلبه ويعمل ما يشتهي... لكنه فَضَّل أن يبقى أميناً ونزيهاً وناضل لكي لا يسقط. "كان يحتاج إلى الشجاعة من أجل الخروج منتصراً في معاركه"، ستكتب لاحقاً زيلي زوجته بهذا الخصوص. بعد ذلك يعود لويس إلى مدينته "ألنسون" وكان عمره 34 سنة – وهو عمر كبير نسبياً، في ذلك الوقت، لشخص سيُغير الله حياته ويهيئها لأشياء عظيمة. أما زيلي، في تلك الأثناء، كانت قد عادت من محاولتها الفاشلة، هي أيضاً، للدخول في الحياة الرهبانية! لكنها كانت لا تزال تحمل في قلبها الرغبة في عيش حياة مكرسة تماماً لله: "كنت أحلم دائماً برواق الدير والخلوة"، ستكتب زيلي بضعة سنين لاحقاً. لكنها الآن تحاول أن تهيء نفسها للحياة الزوجية (التي كان لابد منها، في ذلك الزمان، إن لم ندخل الدير) وتكرس وقتها وطاقتها في مجال صناعة الدانتيلة؛ كان عمرها آنذاك 20 سنة. هكذا إذن، سيعيش لويس وزيلي في نفس المدينة الصغيرة (ألنسون) لمدة 6 أو 7 سنوات تقريباً دون أن يلتقيا، مع أنهما كانا يعيشان على بعد   500 م تقريباً الواحد من الآخر...

إن حياتهما كانت مُنَظَّمة ومُرَتبة، ومهنتهما كانت تسير على ما يُرام، لكن قلب كل واحد منهما كان على ما يبدو، ينتظر أو يتوقع شيئاً. كانت زيلي تتساءل: "هل عليّ أن أبقى دون زواج؟" وكانت أم لويس تتساءل أيضاً: "هل سيبقى ابني لويس أعزبًا؟"

في نيسان 1858، تبدأ العناية الإلهية بالعمل. "في أحد الأيام، وبينما كان زيلي تعبر جسر "القديس ليونارد"، مَرَّ أمامها شابٌّ جذبته إليها هيئته النبيلة، وخجله، ومظهره المحترم. في نفس اللحظة، سمعت صوتاً داخلياً يهمس إليها في السر: "هذا هو الذي هيّأتُه لك" (أنظر "قصة عائلة"). زيلي تسمع في داخلها كلاماً سماوياً (نسبته هي إلى العذراء مريم) جاء وقلب حياتها رأسًا على عَقِب؛ ها هي إذن تلتقي بلويس. هكذا إذن، كانت زيلي ولويس أيضاً، قد حَضَّرا قلبهما كي يكونا مستعدين للسماح لإرادة الله أن تعمل في حياتهما ("أعدوا طريق الرب"، يقول لنا إنجيل اليوم)، فالله كان قد أعد لهما مسبقاً هذا المكان الخاص بهما، على الرغم من أنهما كانا يرغبان في الحياة الرهبانية. لكن مع ذلك، لويس وزيلي كانا لا يزالان يواجهان الصعوبة في رؤية جمال مكانهما، جمال الزواج والإتحاد الزوجي. هكذا إذن، تم زواجهما بعد لقاءهما على الجسر هذا بثلاثة أشهر فقط. وكان ذلك في 13تموز 1858، باحتفال بسيط وبتكتم (حصل الزواج في منتصف الليل، بحضور بعض المقربين فقط الذين كانوا أقل من 15 شخص). لكن لويس وزيلي لم يكونا بعد قد فهما تماماً ما حصل! فهما لم يعيا بعد جمال دعوتهما وسطالعالم، لدرجة أن زيلي، في يوم الزواج نفسه، تذهب (برفقة لويس) كي تبكي بدموع حارقة في دير الزيارة حيث كانت اختها أليس راهبة هناك. تقول زيلي لأختها لاحقاً في إحدى الرسائل: "كنت أشعر بالحزن الكبير لوجودي وسط العالم، كنت أتمنى أن أخفي حياتي مع حياتك، في الدير". هكذا إذن، في يوم زواجها، كانت زيلي تحلم بحياة الدير!

 

 *  كلام الله المُوجَّه لنا ، كلام الله المُستَقبَل:  تحقيق الوعد

إن كان الزوجان لويس وزيلي قد فهما دعوة الله إلى القداسة في قلب المجتمع الذي يعيشان فيه، كزوج وزوجة، فهما مازالا مع ذلك ممتلئان بالرغبة في عيش حياة رهبانية. لهذا اتفقا على العيش دون علاقة زوجية، وقد استمر هذا الحال للأشهر العشرة الأولى من زواجهما! ولحسن الحظ، الكاهن المُعَرِّف للويس هو من طلب منه أن يضع حداً لهذا الإمتناع أو الإمساك عن العلاقة الجسدية الزوجية! لويس وزيلي أطاعا المُعَرِّف، وسيكتشفان بعدها فرح العطاء المتبادل، عطاء أحدهما للآخر. تسعة أطفال سيولدوا، القديسة تريزا الصغيرة هي واحدة منهم، الأخيرة. سيكتشف لويس وزيلي من خلال أطفالهم فرح أن يُصبح المرء أباً أو أمًّا. هكذا، وخلال عماد البنت الكبرى "ماري" في 1860، لويس سيكون سعيداً جداً ويُعلن للكاهن قائلاً: "هذه هي المرة الأولى التي آتي فيها هنا من أجل الإحتفال بالعماد، لكنها لن تكون المرة الأخيرة!". زيلي، من جهتها، تصرخ فرحة وتقول: "أنا، أحب الأطفال لحد الجنون، لقد خُلِقتُ كي يكون لي أطفالاً" ...

ها إن وعد الله قد تحقق، لويس وزيلي هما فرحان تماماً.. بل ممتلئان بالسعادة. بالطبع استمر ميل لويس وزيلي إلى الصلاة ثابتًا وقويًا حتى النهاية، لكنهما وضعا حداً لميلهما إلى الحياة الرهبانية. زيلي هي سعيدة مع لويس، لدرجة أنها "تتمنى أن تمتلك كل النساء نفس سعادتها". ولويس من جهته يقول عنها: "أحبها إلى الأبد".

لكن كان عليهما أن يكافحا من أجل الحفاظ على هذه السعادة وجعلها تنمو، وذلك لأن الصعوبات العائلية كانت كثيرة. فمن بين الأطفال التسعة الذين وُلدوا من زواجهما، مات أربعة منهم في عمر الطفولة الأولى. كان ذلك تجربة مؤلمة وقاسية جداً. ففي ظرف أربع سنوات، يرى الزوجان ثلاثة أولاد رُضَّع يموتون، وكذلك بنت صغيرة (هيلين) بعمر 5 سنين. كانت الصدمة بموت هذه البنت الأخيرة كبيرة وقاسية جداً. فقد ماتت الطفلة بين أحضان أمها بينما أمها لم تكن تنتظر ذلك أبداً. "ظننت بأني سأموت أنا أيضاً بدوري".  لكن إيمان لويس وزيلي، الذي كان يواجه تجربة قاسية، سمح لهما أن يتجاوزا ويعبرا المأساة: "لقد وهبناها سوية إلى الله أبينا". لكن وقت الحداد يجب أن يأخذ حقه بالطبع، وسيكون طويلاً. ليوني، التي وُلِدَت سنة قبل هيلين، كانت طفلة صعبة المراس، وأقل ذكاء من أخواتها وضعيفة وهشة من الناحية النفسية. وكانت تُسبب الكثير من القلق لأمها زيلي، التي تقول عنها عندما كان عمرها 11 سنة: "كلما كنت أرى ليوني وأرى كم صعب تربيتها والتعامل معها، كلما كنت أقتنع أكثر بأن الله لن يسمح بأن تبقى كذلك. سأصلي إلى أن تتغير". ليوني في الواقع ستتغير وتتقدم كثيراً، لدرجة أنها ستفهم لاحقاً أكثر من أخواتها تعليم أختها تريزا الصغيرة بخصوص "الطريق الصغير" أو "طريق الطفولة الروحية".

العبارة التالية توضح موقف زيلي ولويس وعلاقتهما بالله واستمر ذلك طوال حياتهما: "علينا أن نضع أنفسنا في موقف الإستعداد لقبول إرادة الله بسخاء، مهما كانت، لأن إرادة الله ستكون أفضل ما يمكن أن يحدث لنا." لقد اختبرا ذلك، على الرغم من الصعوبات، بل وفي قلب هذه الصعوبات. إن هذا "الإستعداد" هو دائماً عمل التوبة.. ثمرة التوبة. فبفضلها، نستطيع أن نسلم مفتاح حياتنا إلى الله، كي يعمل فيها كما يريد.


بعض الأفكار حول إنجيل اليوم:

أُعطي يوحنا المعمدان رسالة وهي أن يُعد مجيء المخلص. نراه إذن يترك خلوته الطويلة في البرية ويذهب ليعلن وينادي بمعمودية التوبة لغفران الخطايا.

كيف سيقوم برسالته هذه؟ كيف سيهيء مجيء المخلص؟

في الحقيقة، المعمدان يفعل نفس ما كان يفعله أنبياء العهد القديم من قبله. هذه كانت أيضاً كرازتهم وتبشيرهم. فالمعمدان هو آخر أنبياء العهد القديم قبل المسيح، ومثل سابقيه إذن الذين كانوا يدعون باستمرار الشعب العبراني ويُذكِّروه بضرورة ان يُحَضِّروا ويهيئوا مجيء الرب. هذا التحضير المفروض على الشعب كجماعة؛ هو مفروض ايضاً على كل واحد شخصياً. فهذا التحضير لمجيء الرب يتضمن أن ننتبه كي لا نستمر في نسيان الله وإهماله، وأن نُبعد عنا الأوثان التي نعبدها، وكذلك أن ننعدل الطريق المعوجة للظلم والأنانية.

يمكننا إذن أن نفهم رسالة المعمدان وتعليم إنجيل اليوم من خلال عبارتين مهمتين في النص:

 

  1. العبارة الأولى هي: " أُنزِلَت كلمة الله إلى يوحنا بن زكريا في البرية". بصورة عامة، نلاحظ في الكتاب المقدس بأن الله يهيء رسله من خلال فترة طويلة من الخلوة. يبقى هذا الشيء أساسيًا، اليوم أيضاً، بل ومهماً جداً لكل مسيحي. لا أقصد أن على كل مسيحي ان يفرض على نفسه خلوة، ولفترة طويلة من حياته. لكن على كل مسيحي، مهما كانت دعوته ومسؤوليته، أن يخصص كل يوم وقتاً للخلوة والصلاة، وحده وجهاً لوجه مع الله.

العبارة الثانية هي: "كان يوحنا ينادي بمعمودية التوبة لغفران الخطايا".  كان الفريسيون والصدوقيون، الذين يوجه يوحنا كلامه إليهم اليوم، يظنون بأن تطبيق الشريعة يكفي لكي يكونوا مؤمنين صالحين. لكن يوحنا المعمدان يقول لهم بأن الأهم هو تغيير القلب. ولاحقاً، سيقول يسوع بأن ما ينجس الإنسان هو ما يخرج من قلبه: الكراهية، وعدم الطهارة، الأنانية والظلم، الاهتمام الزائد بالمادة في حياتنا اليومية. هكذا إذن، لكي يهيء يوحنا المعمدان مجيء المسيح، نراه يعلن ضرورة تطهير القلب. فالتوبة تعني العودة إلى طريق الرب.. الرجوع إلى الله.

يوحنا المعمدان يقول لهم إذن، بأن أهم هناك شيء أهم من التطبيق الخارجي للوصايا، هناك ضرورة توبة القلب وتغيير الحياة.

 

  1.  

بكلمة أخرى، يجب أن ننتبه إلى ما يلي: يجب أن تعكس حياتنا الخارجية وعيشنا الخارجي لوصايا الله والطقوس التزامً داخليًا أيضاً، أي أن نرفض الخطيئة، وأن نكون أمناء مع الله في كل شيء. فمثلاً إن كان فينا طِباع وتصرفات معوجة، علينا تسويتها وتعديلها، مثل إهمالنا لله وللقريب، أو مظاهر معينة علينا تجاوزها والتخلص منها. ربما هناك فينا طرق معوجة ومحفورة غير مستوية، أي كذب وأنانية وعدم غفران، علينا أيضاً أن نُعِّدها ونجعلها قويمة.

 

باختصار هناك نقطتان مهمتان نأخذها من إنجيل اليوم:

-      أن تكون لدينا حياة صلاة وعلاقة ألفة مع الله

-      أن يكون قلبنا يقضاً، ساهراً، كي يعكس التزامنا وتصرفاتنا الخارجية أمانتنا الداخلية مع الله.

اليس هذا هو ما يطلبه منا يسوع في هذا الزمن، زمن المجيء؟ فنحن سنهيء قلوبنا لاستقباله ومجيئه في الميلاد، من خلال الصلاة، والتوبة الداخلية، أي تغيير القلب الذي سيجعلنا أكثر ملتزمين وأمناء لوصية المسيح ولتعليمه.

ما هو مطلوب منا في زمن المجيء هذا هو: أن نسهر.. أن نصلي.. أن نتوب.. أن نرجع إلى الله.. أن لا ننساه.. أن نتغير، حتى عندما يأتي المسيح ويريد أن يولد في قلوبنا، سيجد مكاناً حاضراً، ومُهيئاً له فيستقر فيه. آمين.

 

ثلاثة مسارات لتَبَنّي الإنجيل وتطبيقه في حياتنا على مثال القديسين لويس وزيلي:

 

*  في الإنجيل، يسمع الجمع نداء الله من خلال موعظة يوحنا المعمدان وهو يعلن عماد التوبة من أجل غفران الخطايا. في حياتها، زيلي تسمع دعوة الله لقبول الرجل الذي سيمر أمامها: لويس مارتان. إن الله يكلمنا بطرق عديدة ومن خلال وسائط متنوعة، السؤال المهم هنا هو:

هل نحن أيضاً منتبهين (على مثال زيلي ولويس) لنداءات الله هذه في حياتنا اليومية؟ هل نأخذ الوقت كي نميز هذه النداءات؟ وكيف نجيب عليها؟

*  إن استعداد القلب والروح سمحا للويس وزيلي أن يقبلا أن يُغيِّر الله حياتهما ويقلبها رأساً على عقب، لدرجة أنهما قَبِلا تَبَنِّي حياة لا تتطابق، في البداية، مع مفهومهما للحياة المقدسة التي يصبوان إليها.

هل نضع نحن وجودنا وحياتنا بأكملها تحت نظرة الله الرحيمة؟ أم نحن نخبيء عنه، وربما عن أنفسنا، النقاط المظلمة أو المؤلمة من حياتنا؟ هذا يجعلنا نسأل أنفسنا إنْ كان موقفنا هو حقاً موقف بنوي، وواثق، موقف الطفل تجاه أبيه .. موقف  المؤمن الواثق بالله؟ ...

 

*  إن خلاص البشر هو في الله .. لم يتوقف يوحنا المعمدان عن ترديد ذلك. لويس وزيلي اختبرا هذا أيضاً. فلو كانا قد سَيَّرا حياتهما بنفسيهما، ربما ما كانا قادرين على وهب ذاتهما الواحد للآخر، وما كانا قادرين على امتلاك واختبار فرح أن يكونا أبوين، وكذلك ربما ما كانا وجدا مكانهما المناسب ولا اكتشفا جمال مكانهما هذا في الحياة.

هل نحن متأكدون تماماً من أننا نرى بوضوح مكاننا المناسب لنا هذا: هل وجدناه؟ هل يمكننا حقاً اكتشاف جمال هذا المكان المُعَد لنا من قبل الله

1)   لنُصَلِّ في كل يوم من أيام الأسبوع


الأثنين 7 كانون الأول 

"علينا أن نضع أنفسنا في موقف الإستعداد لقبول إرادة الله بسخاء، مهما كانت، لأن إرادة الله ستكون أفضل ما يمكن أن يحدث لنا." (رسالة زيلي إلى ابنتها بولين، في أيار 1877).

 

((أعدوا طريق الرب واجعلوا سبله قويمة ... وكل بشر سيرى خلاص الله)).  (لوقا 3: 5-6)

 

الثلاثاء  8

"أنا أحلم دائماً بالدير وبخلوة الدير. ولا أعرف حقاً، مع الأفكار التي تراودني الآن، كيف أنها لم تكن دعوتي. لكني أحس بأن كل ذلك ما هو إلاّ أفكاراً جوفاء: فالأحرى بنا أن نعيش الزمن الحاضر." (رسالة زيلي إلى ابنتها بولين في 16 كانون الثاني 1876).

 

"ما أطلب في الصلاة هو أن تزداد مَحَبَّتُكُمْ أَكْثَرَ فَأَكْثَرَ فِي الْمَعْرِفَةِ وَفِي كُلِّ فَهْمٍ، لتُمَيِّزا الشيء الأهم." (فيلبي 1: 9-10)

 

 

الأربعاء  9

"كنت أفضل أن أكون رسولاً بدلاً من المكان الذي أنا فيه الآن، لكن بما أن هذه هي إرادة الله، أعتقد أن هذا حصل كي أتغلب على كبريائي. ليكن كل شيء لمجد الله العظيم." (رسالة لويس إلى إحدى الممرضات عندما كان مريضاً نزيلاً في إحدى مستشفيات مدينة "كان" الفرنسية في 27 شباط 1889)

 

" لِكَيْ تَسيروا مُخْلِصِينَ وَبِلاَ عَثْرَةٍ إِلَى يَوْمِ الْمَسِيحِ، 11مَمْلُوئِينَ مِنْ ثَمَرِ الْبِرِّ الَّذِي بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ لِمَجْدِ اللهِ وَحَمْدِهِ.." (فيليبي1: 11)

 

الخميس  10

"أنا أعرف بأن الله يهتم بي، لقد لاحظتُ ذلك كثيراً في حياتي." (رسالة زيلي إلى ابنتها بولين، في 12 آذار 1876)

 

" بما أن الله ابْتَدَأَ فِيكُمْ عَمَله ، أنا واثق بأنه سيُكَمِّلُه إِلَى يَوْمِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ." (فيليبي 1: 6)

 

الجمعة  11

"أنا أعيش كثيراً على الذكريات. فكل ذكريات حياتي هي جميلة جداً لدرجة بأنه على الرغم من التجارب الصعبة التي واجهتني، كان هناك أوقات فيها يفيض قلبي من السعادة." ( رسالة لويس إلى أحد أصدقاءه في 1883)

 

"انهضي يا اورشليم... وانظري بنيك مجتمعين من مغرب الشمس الى مشرقها بكلمة القدوس مبتهجين بذكر الله." (باروك 5: 5)

 

السبت  12

"إن قلبنا لن يرتاح ولن يفرح أبداً ما دام لم يَر الجمال الأبدي الذي هو الله. أتطلع قريباً إلى فرح العائلة الحميم، هذا الجمال هو مَن يجعلنا نقترب أكثر فأكثر من جمال الله الأبدي." (رسالة لويس إل ابنته ماري في 6 تشرين الأول 1885).

 

"ستَفْرَحُ الْبَرِّيَّةُ وَالأَرْضُ الْيَابِسَةُ، وَيَبْتَهِجُ الْقَفْرُ وَيُزْهِرُ كَالنَّرْجِسِ. 2يُزْهِرُ إِزْهَارًا وَيَبْتَهِجُ ابْتِهَاجًا وَيُرَنِّمُ. يُدْفَعُ إِلَيْهِ مَجْدُ لُبْنَانَ. بَهَاءُ كَرْمَلَ وَشَارُونَ. هُمْ يَرَوْنَ مَجْدَ الرَّبِّ، بَهَاءَ إِلهِنَا." (أشعيا35: 1-2).


مع محبة الأب غدير الكرملي





توقيع (ماري ايشوع)
رقم المشاركة : #7147
الكاتب : ماري ايشوع

غير متصل حالياً

المجموعةعضو مميز

المشاركات1472

تاريخ التسجيلالإثنين 11-07-2011

معلومات اخرى
حرر في الإثنين 14-12-2015 02:16 مساء

 

 

رياضة زمن المجيء مع القديسَين لويس وزيلي مارتان (2015
 
3. الأسبوع الثالث: أن نستقبل الحياة
 
إنجيل ربنا يسوع المسيح للقديس لوقا (3: 10– 18)
في ذلك الزمان:
سأل الجموعُ يوحنا: ((فماذا علينا أن نعمل؟))، فأجابهم: ((من كان عنده قميصان، فليقسمهما بينه وبين من لا قميص له. ومن كان عنده طعام، فليعمل كذلك)). وأتى إليه أيضا بعض الجباة ليعتمدوا، فقالوا له: (( يا معلم، ماذا نعمل))؟ فقال لهم: ((لا تَجْبُوا أكثر مما هو مطلوب منكم))؛ وسأله أيضا بعض الـجنود: (( ونحن ماذا نعمل ؟)) فقال لهم: ((لا تتحاملوا على أحد ولا تظلموا أحدا، واقنعوا برواتبكم)). وكان الشعب ينتظر، وكل يسأل نفسه عن يوحنا هل هو الـمسيح.
فأجاب يوحنا قال لهم أجمعين: (( أنا أعمدكم بالماء، ولكن يأتي من هو أقوى مني، من لست أهلا لأن أفك رباط حذائه. إنه سيعمدكم في الروح القدس والنار. بيده الـمذرى، ينقي بيدره، فيجمع القمح في أهرائه، وأما التبن فيحرقه بنار لا تطفأ )).
وكان يعظ الشعب بأقوال كثيرة غيرها فيبلغهم البشارة.
 
1. تأمل الأسبوع
"أعطِي، أعطِي دوماً واخلِقي أناسًا سعداء" (226 ، لويس).
((ماذا علينا أن نعمل؟))، هذا السؤال على كل الشفاه. الجموع تُسرع نحو يوحنا المعمدان ممتلئين بالأمل! إن إنجيل اليوم يأتي مباشرة بعد إنجيل الأحد الماضي، عندما خرج يوحنا من عزلته كي يُعد طريق المسيح. لقد حقق يوحنا نص الكتاب المقدس الذي يتكلم عن شخص سيأتي "فيه روح إيليا وقوته" (لوقا 1: 17)، ويعلن المجيء القريب لذاك الذي سيحمل خطيئة العالم. هذا النور الساطع الذي سينير حياة البشر، وسيقلب حياة الكثيرين رأساً على عقب، بدءًا بحياة مريم الشابة التي كانت تعيش في الناصرة. فهل كانت مريم تنتظر زيارة ملاك لها، والذي سيعلن لها بأنها ستلد مخلص العالم؟ المجوس الذين قادهم النجم، والرعاة المندهشين بزيارة ملائكة السماء، هل كانوا يتوقعون وقوع حدث كهذا في حياتهم؟ يمكننا أن نطرح نفس السؤال أيضاً بخصوص هؤلاء الصيادين الذين سيصبحون تلاميذ الرب ورسله، و كذلك بخصوص هؤلاء الجموع المُعجَبَة والمندهشة أمام هذا المُعَلِّم الذي يكشف لهم بأنه هو "الطريق والحق والحياة" (يوحنا 14: 5)!
 
هل علينا أن نقوم بأشياء غير عادية؟
إذن البشرى السارة أُعلِنَت من قبل يوحنا المعمدان، والجواب الذي يعطيه على سؤالهم له: "ماذا علينا أن نعمل؟" هو جزء من البشرى السارة نفسها. فالنبي يُعْلِمنا في الحقيقة بأن أعمالنا تُعبِّر واقعياً عن إيماننا (أو عن قلة إيماننا!). وهذه الأعمال ليست أعمالاً عظيمة وغير عادية. نحن لسنا مدعوين للقيام بأعمال جبارة وأعاجيبية .. فنحن لسنا مدعوين لأن نعيش حياةً غير إعتيادية. "ماذا علينا إذن أن نعمل؟"، يطرح العشارون هذا السؤال. هل عليهم أن يُصبحوا مقاومين للمحتل بدل أن يكونوا جباة ضرائب (كما هو حالهم الآن) متعاونين مع المحتل الروماني ومتطلباته الضريبية القاسية؟ هل عليهم أن يتركوا وظيفتهم فتتأثر حياتهم سلباً ، بدل من جمع الضرائب؟ لكن يوحنا يطلب منهم ببساطة أن يقوموا بعملهم بصدق وأمانة: ((لا تَجْبُوا أكثر مما هو مطلوب منكم)). سأله بعض الجنود بدورهم: ماذا علينا أن نعمل كي نكون متطابقين مع دعوة السماء؟ هنا أيضاً، الجواب هو بسيط ولا يتطلب أشياء عظيمة وجبارة أو استثنائية: قوموا بواجبكم.. قوموا بعملكم، لا تكونوا عنيفين عندما لا يستوجب الأمر ذلك... ربما نحن إلى الآن، بعد ألفي سنة، لم نفهم بَعد كم أن البشرى السارة تبدأ بهذه البساطة وليس بشكل آخر. "مَنْ كان أمينًا على القليل، كان أمينًا على الكثير أيضا. ومن كان خائنًا في القليل كان خائنًا في الكثير أيضا" (لوقا 16: 10). سيكون من الخطأ أن نفكر بأن استقبال المسيح في حياتنا يجب أن يُتَرجَم من خلال القيام بأعمال عظيمة وغير اعتيادية. بل العكس تماماً! إن نعمة الروح القدس تُعاش في تفاصيل حياتنا الصغيرة .. في كل الأشياء الصغيرة في حياتنا، إن كانت في العمل، في العائلة، بين الأصدقاء، الخ... هل ننتبه إلى كل هذه "التفاصيل" الصغيرة التي يتكون منها يومنا؟ لنأخذ بعض الوقت ونراجع فيها حياتنا مع هذه التساؤلات. يسوع نفسه أكد مراراً وتكراراً كَمْ أن هذه الأشياء الصغيرة تُنتِج أو ستُنتِج خيراً أعظم منها. "أحسنت أيها الخادم الصالح، يقول يسوع في مَثَل الوزنات، كنت أمينا على القليل، فليكن لك السلطان على عشر مدن" (لوقا 19: 17). نعم، أشياء قليلة توصل إلى السلطان على عشر مدن! القديسة تريزا الصغيرة هي إحدى القديسات اللواتي فهمن بشكل أفضل من غيرها أهمية القيام (بروح الإيمان والرجاء والمحبة)، بأعمال أو تصرفات صغيرة أثناء يومنا.. أشياء صغيرة قد تبدو عادية جداً وغير مُمَيَّزة. فنحن لا يمكننا أن نُشعل ناراً دون قش أو أغصان ... علينا أن نعلم بأن نار الروح القدس ستُدفيء حياتنا وتُنير قريبنا من خلال إضرام ناره أولاً في هذا القش أو هذه الأغصان الصغيرة في حياتنا اليومية. من غير المفيد أن نحاول البحث عن حطب كبير جداً، لأن النار لن تضطرم فيه! فحياتنا، كما يُعَلِّمنا أيضاً يوحنا المعمدان، هي مدعوة إلى أن تحترق وتضطرم "بالروح القدس والنار"... وهذا ما تعكسه حياة لويس وزيلي مارتان؛ فإن كان الإثنان قديسَين، فذلك لأنهما عاشاً ببساطة حياة مستقيمة ونزيهة خالية من أشياء غير عادية أو جبارة.
 
* إيمانٌ يومي يُتَرجَم من خلال أعمال يومية
 
في عائلة مارتان، تبدأ الحياة العائلية عادة بقداس الصباح الباكر. كان من الممكن أحياناً أن تذهب العائلة إلى قداس متأخر صباحاً، لكن لويس كان يفضل دائماً هذا القداس الباكر لأن "هذا هو القداس الوحيد الذي يستطيع أن يشترك فيه الخدم والعمال. بذلك أنا، في قداس الصباح الباكر هذا، أكون برفقة الفقراء"، وهذا ما كان يفرحه كثيراً. بعد ذلك، يبدأ عمله (بائع ومصلح ساعات ومجوهرات)، الذي كان يُظهِر فيه الكثير من الجدية والنزاهة. كان لويس يرفض أن يفتح محله يوم الأحد، على الرغم من ضغط الأصدقاء الذين كانوا يقولون له بأن هناك آخرين منافسين له في المهنة يقومون بذلك. لكن وبشكل مدهش، احترام يوم الرب لم يكن يُعيق أو يعرقل أعماله، بل بالعكس... "إنه رجل لم يحاول أبداً أن يجمع ثروة"، تقول زيلي بهذا الخصوص؛ فهو رفض الحصول على ترخيص العمل يوم الأحد، مع علمه بأنه سيفقد فرصة مبيعات مربحة. وعلى الرغم من ذلك، إنه غني؛ ولا يمكنني أن أنسب المستوى المادي المريح الذي يتمتع به إلى شيء آخر غير إلى بَرَكَة خاصة من الله، هي ثمرة حفظه ليوم الأحد، يوم الرب" (زيلي 140).
بعد ذلك يلتحق لويس بزوجته زيلي في مشغلها المختص بصنع "الدانتيلا". عرفت هذه المهنة صعوداً وهبوطاً مع كل ما تسببه أية تجارة من صعوبات مثل تأخير في دفع الأجور، متطلبات غريبة وصعبة من قبل بعض الزبائن، أو غياب الطلبات وركود العمل. في أوقات الأزمات هذه، كان لويس وزيلي يستندان ويعتمدان على العناية الإلهية، دون التأفف أو التبرم من دفع مرتبات عمالهم التسعة، حتى في هذه الأوقات العجاف. "إن عمل الدانيلا هذا يجعل حياتي صعبة، تتنهد زيلي في إحدى رسائلها إلى أخيها، فعندما يكون هناك طلبات للدانيلا كثيرة جداً، أُصبِح عندها عبدة للعمل وبشكل مرهق جداً؛ وعندما نفتقر للطلبات، أجد نفسي أمام ديون تقدر بعشرين ألف فرانك، وعمال- أصلاً من الصعب الحصول عليهم- علي أن أبطلهم وأجد لهم عملاً عند شركات أخرى للدانتيلا، كل هذا يؤرقني ويعذبني، ولدي الكثير من الكوابيس بسبب عملي هذا. لكن، ما العمل.. ماذا علي أن أعمل؟ يجب أن نقبل ذلك، وعلينا أن نثق بالعناية الإلهية"، تختم زيلي. كان الوضع المالي لتجارتها يتقدم ويزدهر من سنة إلى أخرى، واضعاً عائلتها في مأمن من الصعوبات المادية، لكن زيلي حافظت على انتباهها للأولويات في حياتها؛ فهي لم تجعل نفسها عبدة لجشع الإغتناء أكثر فأكثر... ومع أنها رئيسة شركة، لكنها كانت تقوم بعملها ومسؤوليتها هذه على صورة المسيح وهو يغسل أقدام تلاميذه: فكانت تحتفظ لنفسها بالجزء الأكثر إزعاجاً ومللاً من العمل مع أن كان بإمكانها أن تعطيه لأي واحدة من عاملاتها. لويس وزيلي كانا إذن يُتمان مهامهما اليومية على أفضل شكل يستطيعان القيام به، بروح الخدمة، وبروح المحبة المسيحية. "أنا أعامل عاملاتي بنفس الطريقة التي بها أعامل أطفالي"، تؤكد زيلي. إنهما لم يعملا أعمالاً جبارة وفوق العادة، وعائلتهما كانت عائلة بسيطة وإعتيادية لا تتميز في هذا المجال عن العائلات الأخرى... فالأعمال الفوق إعتيادية والتي يجب عملها باسم الإيمان، لم تكن تجتذبهما. هكذا إذن، وإن كانت العائلة لا تخفي إيمانها القوي أمام الآخرين، لكنها لا تفرضه على عمالهم أو زبائنهم.
 
 
 
* شعلة الإيمان الدافئة
 
هل كانت حياة هذه العائلة، التي يقودها الروح القدس، جافة وقاسية؟ كلا بالطبع، لأن الإيمان ليس شيئاً حزيناً أو مُحزِنا! فالفرح والسعادة -على الرغم من التجارب- يسهمل ملاحظتهما كتابات الزوجين زيلي ولويس. كما أن أطفالهما لم يعانوا من النشاط الكثير وساعات عمل أمهم الطويلة، فزيلي كانت تفضل أن تقطع عملها وتكمله في اليوم التالي على أن تستمر لساعات متأخرة في الليل فتهمل بذلك الإهتمام بإحتياجات أطفالها اليومية. ففرح أن يكونوا سوية (آباء وأبناء)، والألعاب، والتراتيل، والقصص المحكية (من قبل لويس خاصة)، كل ذلك كان يجعل الجو العائلي حُراً ومُفرِحاً. فحياة عائلتهما كانت في نفس الوقت بسطية وفعالة ونشطة. من جهة أخرى، كان لويس قد تعلم من دراسته في باريس، كم أن العلاقات السيئة لها تأثيرات ضارة في حياة الإنسان، لذلك كان يهتم بحماية العائلة من العلاقات الدنيوية الزائدة عن الحد الطبيعي. هكذا كانت ثمار حياة لويس وزيلي مثمرة جداً. فبناتهما عِشنَ حياة طفولة سعيدة، وواحدة منهن ستصبح لاحقاً "أعظم قديسي الأزمنة الحاضرة" (كما لَقَّب البابا بيوس العاشر القديسة تريزا الطفل يسوع).
هكذا نور المسيح يسطع بقوة على بيت لويس وزيلي مارتان، بل وينير بضياءه الآخرين. فَهُما إن كانا يتجنبان العلاقات السيئة والضارة ويهتمان ببناء عائلتهما بجدية واستقامة، نراهما بالمقابل وبحماسة كبيرة يساعدان القريب، كل واحد بطريقته الخاصة. زيلي، وهي الأكثر سِرّية في ذلك، كانت ترسل سلال من الطعام وبعض النقود إلى فقراء المدينة باستمرار. لدينا شهادة لويز ماريه التي كانت تعمل كخادمة في بيت زيلي لمدة 11 سنة، تقول فيها: "كانت سيدتي ترسلني باستمرار عند الفقراء مع 40 فلساً. ولا أحد كان على علمٍ بذلك غيرنا نحن الأثنتين"... أما لويس من جهته، كان مشتركاً في جمعيتين معروفتين في ذلك الوقت هدفهما مساعدة المعوزين. إن تقدير لويس للفقراء هو كبير لدرجة أنه في أحد الأيام، في بيتنا في "البويسونيه" (في مدينة ليزيو)، يطلب من أحدهم أن يبارك أبنتيه الصغيرتين، سيلين وتريزا!
"أعطِي، أعطِي دوماً واخلِقي أناسًا سعداء" (226 ، لويس)، كانت هذه نصيحة لويس في نهاية حياته إلى ابنته ماري. تبدو هذه النصيحة وكأنها ترمز إلى البشرى السارة المستَقبَلة في الأشياء الصغيرة اليومية في حياتنا. لويس يكتب في الحقيقة هذه العبارة كي يشجع ويهنيء ماري ابنته التي قامت بفعل عطاء بسيط جداً (وهبت بعض ثمار الخوخ)، فينصحها قائلاً: أعطِي، أعطِي دوماً" أينما كنتِ، "واخلِقي أناسًا سعداء" أينما كنتِ. إن نصيحة لويس هذه هي بسيطة وقَيِّمة جداً في نفس الوقت؛ فلا يجب أن نظن بأننا نستطيع أن نفعل الخير أو نقوم بأعمال كبيرة في المكان الذي لا نتواجد فيه! فبمَن يمكننا أن نُشَبّه الشخص الذي يريد أن يحمل النور إلى سكان المدينة الموجودين في الجانب البعيد الآخر، بينما هو لا يهتم بأن يرى هذا النور ينتشر في بيته نفسه؟ إذن "ماذا علينا أن نعمل؟" كان الجموع يسألون في إنجيل اليوم؟ "أعطوا، أعطوا دوماً فتخلقوا إناساً سعداء" هذا هو جواب عائلة لويس وزيلي مارتان: أعطِ ذاتك للقريبين منك، وذلك من خلال أشياء صغيرة (40 فلساً، بعض ثمار الخوخ...) واخلق أناساً سعداء.
 
 
ثلاثة مسارات لتَبَنّي الإنجيل وتطبيقه في حياتنا على مثال القديسين لويس وزيلي:
 
* يسوع هو "الطريق والحق والحياة" (يوحنا 14: 6). يمكننا أن نتساءل ماهو حالياً الطريق الذي نسير فيه، ما هي حقيقة حياتنا. وكيف يتجسد إيماننا في حياتنا اليومية؟ فأعمالنا وتصرفاتنا اليومية تعكس بوضوح مدى تقدم مستوانا الروحي أم العكس!
 
* "كُلّي شوق لأن أكون بالقرب منكِ"، "أنا زوجكِ وصديقك الحقيقي، الذي يحبك إلى الأبد" يكتب لويس إلى زوجته زيلي. في علاقاتنا الزوجية، هل نُظهرِ حقاً دلائل لطفنا وإهتمامنا بشريك حياتنا، أم نحن نبحث غالباً عن مصالحنا الخاصة؟
ذكرنا أن لويس وزيلي كانا يهتمان بأطفالهما وبتنشئتهم، لكنها كانا يتفاديان في نفس الوقت تدليلهم بشكل مفرط، كما تشهد الكثير من التفاصيل المذكورة في رسائلهما بهذا الخصوص. هل نحن لدينا علاقة مناسبة مع أطفالنا.. هل نهتم بجدية بتنشئتهم الروحية أيضاً وليس فقط في المجالات الأخرى؟ إن كنا غير متزوجين، ما الذي يجذبنا نحو الزواج؛ هل هو البحث عن السعادة المرتكزة على أنفسنا نحن، أم البحث عن حياة مشتركة ومقاسمة بين اثنين .. حياة سعيدة لكن مع تنازلات من قبلنا أيضاً كي نستطيع العيش مع الآخر.
 
* في حياتنا المهنية، أو في بحثنا عن عمل ما، هل نعكس حقاً – مع رفيقنا أو مع زبائننا...- روح الخدمة الحقيقية، وهل نتمنى حقاً أن نقوم بالأشياء بأحسن الطرق وأن نكون مفيدين، وكلنا رغبة نزيهة وصادقة بأن نخدم الآخر بأفضل شكل ممكن؟
 
 
1) لنُصَلِّ في كل يوم من أيام الأسبوع
 
الأثنين 14 كانون الأول
"أعطِي، أعطِي دوماً، واخلِقْي أناسًا سعداء" (نصيحة لويس لابنته ماري).
((: أعطوا تعطوا: ستعطون في أحضانكم كيلاً حسنا مركومًا مهزهزًا طافحاً، لأنه يُكال لكم بما تكيلون)). (لوقا 6: 38)
 
الثلاثاء 15 كانون الثاني
"إن يسوع يرغب بأن يعتمد خلاص النفوس على تضحياتنا وحُبنا. فهو يستجدي منا أنفسًا" (رسالة رقم 96 من تريزا إلى سيلين).
 
((سيروا في المحبة سيرة المسيح الذي أحبنا وجاد بنفسه لأجلنا قربانا وذبيحة لله طيبة الرائحة)). (أفسس 5: 2)
 
 
الأربعاء 16 كانون الأول
"لقد مررنا بفقير كبير في السن. أرسلت تريزا تحمل له بعض المال. ثم قلت له بأن يتبعنا، لأني أود أن أعطيه حذاءً. جهزنا له وجبة طعام جيدة فقد كان جائعاً جداً." (رسالة زيلي إلى ابنتها بولين، في 14 أيار 1876).
 
((كونوا رحماء كما أن أباكم رحيم.)) (لوقا 6: 36)
 
الخميس 17 كانون الأول
"أعتقد أنه من الغباء أن أترك شَرِكَتي لأن لدي خمسة أطفال علي تربيتهم. يجب أن أكمل حتى النهاية من أجلهم." (رسالة زيلي إلى نسيبتها، في 6 شباط 1876)
 
((فكونوا إذا، يا إخوتي الأحباء، ثابتين راسخين، متقدمين في عمل الرب دائما، عالمين أن جهدكم لا يذهب سد ى عند الرب.)) (1قورنتس 15: 58)
 
الجمعة 18 كانون الأول
"أنا لا أعلم إن كانت العذراء القديسة ستشفيني من مرضي فقد لا يكون ذلك إرادة الله. إن لم أُشفَ، فهذا يعني أن الله يريد بشدة أن يأخذني له." رسالة زيلي إلى نسيبتها في 5 تموز 1877)
 
((يا أبت، إن شئت فاصرف عني هذه الكأس… ولكن لا مشيئتي، بل مشيئتك!)) (لوقا 22: 42)
 
السبت 19 كانون الأول
"كم أنا مشتاقة لأكون بالقرب منك يا عزيزي لويس. أحبك من كل قلبي وأحس أيضًا بأن حُبي قد تضاعف بسبب بعدي عنك. سيكون من المستحيل علي العيش بدونك." (رسالة زيلي إلى لويس في 31 آب 1873).
((ولذلك يترك الرجل أباه وأمه ويلزم امرأته فيصيران جسدا واحدا.))
(أشعيا35: 1-2).
 
مع محبة الأب غدير الكرملي

 

 



توقيع (ماري ايشوع)
رقم المشاركة : #7148
الكاتب : ماري ايشوع

غير متصل حالياً

المجموعةعضو مميز

المشاركات1472

تاريخ التسجيلالإثنين 11-07-2011

معلومات اخرى
حرر في السبت 19-12-2015 06:42 مساء

رياضة زمن المجيء مع القديسَين لويس وزيلي مارتان (2015)

4. الأسبوع الرابع: أن نخرج من ذاتنا

إنجيل ربنا يسوع المسيح للقديس لوقا (1: 39– 45)
في ذلك الزمان:
في تلك الأيام قامت مريم فمضت مسرعة إلى الجبل إلى مدينة في يهوذا. ودخلت بيت زكريا، فسلمت على أليصابات.
فلما سمعت أليصابات سلام مريم، ارتكض الجنين في بطنها، وامتلأت من الروح القدس، فهتفت بأعلى صوتها:
((مباركة أنت في النساء ! ومباركة ثمرة بطنك! من أين لي أن تأتيني أم ربي؟ فما إن وقع صوت سلامك في أذني حتى ارتكض الجنين ابتهاجا في بطني. فطوبى لمن آمنت: فسيتم ما بلغها من عند الرب)).

1. تأمل الأسبوع
" لقد استلمتُ الكثير جداً من النِعَم أمام تمثال العذراء هذا! " (قول زيلي بحسب بناتها).
مريم حامل، ستلد قريباً ابن الله، "ابن العلي" (لوقا 1: 32) المدعو إلى أن يحكم إلى الأبد. إنها ستصبح قريباً "تيوتوكوس" . هذا اللقب فريد في البشرية، فلا أحد غير هذه الشابة من الناصرة ستحصل على هذا الإمتياز! كان بإمكانها إذن أن تضع نفسها في المقدمة، وتطلب امتيازات وأن تُكَرّم، وأن تُحاط هي وابنها مثلاً ببلاط من المؤمنين... لكن لا شيء من هذا صدر منها. بل أن إنجيل هذا الأحد الرابع للمجيء والذي يأتي قبل الميلاد يُبين لنا بالعكس "استعجال" مريم .. استعجالها ليس لكي تضع نفسها في المقدمة أو كي تكون في مرتبة أعلى من غيرها، لكنها مستعجلة.. "مَضت بسرعة" كي تذهب وتساعد إحدى قريباتها، نسيبتها أليصابات. ألم تُقدّم نفسها قبل ذلك كـ "خادمة الرب، أَمة الرب" للملاك جبرائيل، وقت البشارة؟ ها هي تقدم نفسها من جديد "خادمة" أثناء نشيدها "تعظم نفسي"، الذي أنشدته أمام أليصابات وأمام كل الأجيال الحالية.

* إستقبال مريم في بيتنا، كما استقبلتها أليصابات عندها...

كونها "خادمة"، في السابق واليوم أيضاً، العذراء مريم لا تبقى وحدها أبداً. فالأناجيل تُرينا مريم مخطوبة ليوسف، ثم مريم في العلاقة مع الله من خلال وساطة الملاك جبرائيل، ثم مريم تساعد أليصابات، ثم مريم ويسوع، وبعدها مريم و"إخوة" يسوع .. ثم مريم تُعهَد إلى يوحنا تحت الصليب، ثم مريم مع الرسل تُصلي وتنتظر حلول الروح القدس يوم العنصرة ... هكذا إذن مريم ليست وحيدة أبداً: فمريم تهب ذاتها دوماً وهي مُعطاة لنا باستمرار... الذهول والتعجب يصيبان أليصاب وهي ترى مريم تأتي إليها؛ "كيف يحدث ذلك.. من أين لي أن تأتي إليّ أم ربي"؟ الجواب يأتي من إيمان مريم: إنها لا تُكَوِّن فكرة خاطئة عن "العَلي"، لكنها تؤمن بجودته.. بطيبته، وبقدرة العلي التي تنتشر طوال أحداث تأريخ البشرية، في هذا الإله الذي "لا مستحيل عنده" (لوقا 1: 37). هكذا تتشبه مريم بالمقابل بجودة الله هذه وطيبته، فتشترك بقدرة المحبة هذه في حياتها فعلياً: إنها تأتي كي تخدم قريبتها كما نرى في إنجيل اليوم. فمع أنها استلمت من قبل ملاك الرب قبل قليل أغرب وأعظم خبر في التأريخ، وكان من المقبول أن تحتفل بهذا الخبر العجيب وتفكر في نفسها. لكننا نراها لا تفكر بهذا بل بفرح نسيبتها التي كانت عاقراً وبكيفية مساعدتها فوراً ودون تأخير!
كل حياة مريم الناصرية تعكس موقف حواء الجديدة في علاقة مع آدم الجديد، يسوع المسيح. ذاك الذي تتهيأ كي تلده إلى العالم والذي سيكون "الوسيط الوحيد بين الله والبشر" (1تيموثاوس 2: 5)، إنه سيأتي لينتصر بصليبه وقيامته على الخطيئة والموت، إنه يأتي كي يَهَبَ الروح لكل من يؤمن به. مريم، حواء الجديدة، تشترك في العمل الخلاصي لآدم الجديد من خلال صَلاتها الوالدية؛ فهي تتضرع للحصول، بقوة الروح القدس، على ولادة المسيح في نفس المؤمنين (لهذا يُسَمَّون مسيحيون)، لأنها هي كانت قد وَلَدت الابن بنعمة الروح القدس هذا. إن دور مريم هذا كشريكة مع يسوع وإرتباطها به هو حميم لدرجة أن أليصابات تلاحظه وتفهم بأنها لا تستطيع أن تستقبل مريم في بيتها دون أن تستقبل المسيح! لدينا مثالاً آخر يذهب في نفس هذا الإتجاه: فخبرة الخدم في عرس قانا الجليل تعكس لنا الشيء نفسه: فمريم تدعوهم إلى استقبال الحضور الفعال لابنها: "افعلوا كل ما يقوله لكم" (يوحنا 2: 5).
لكن إنْ كان سر الأحد الرابع للمجيء هذا، أي سر حدث الزيارة، إن كان إذن يكشف لنا بوضوح الحضور المستمر ليسوع مع مريم، لا يجب أن ننسى بأن هذا السر يكتمل أيضاً اليوم! فكل من يتجه نحو مريم يجد نفسه مُوجّهًا، مثل أليصابات أو مثل عمال عرس قانا، نحو ابنها يسوع المسيح. فهل بالإمكان أن نكون مرتبطين بقوة بمريم ومتعلقين بها ونهمل وجه يسوع؟ هذه ليست إرادة الآب، وهذا لن يكون عمل الروح، وهذه لن تكون حياة التلميذ الحقيقي للمسيح... "هذه أمك" يقول لنا المسيح على الصليب (يوحنا 19: 27)،. فهل نؤمن بإتمام وتحقيق هذه العبارة؟ "فيسوع لا يريدنا أن نسير دون أم"، يُذكِّرنا البابا فرنسيس. والسؤال هو: هل أتممنا إرادة المعلم نفسه هذه، أي أن نستقبل مريم عندنا، كأم؟

* عون العذراء مريم في منزل تُعتَبَر فيه جزء من العائلة...

إن مريم كانت دوماً جزءًا من حياة زيلي حتى قبل العام 1858، أي قبل لقاءها بلويس. فزيلي تجد في العذراء مريم سنداً قوياً يساعدها في طرق حياتها. أليست مريم هي التي همست إلى قلبها، بعد فشل مشروعها للدخول في الحياة الرهبانية، أليست هي إذن مَن وجهتها إلى حياتها العملية والمهنية؟ زيلي كانت قد سمعت مريم تهمس لها في قلبها ووجهتها كي تقوم بمهنتها في معمل الدانتيلا في 8 كانون الاول 1851... وبفضل هذا الحدث، "نهضت" الشابة .. "قامت" (كان عمرها أقل من 20 سنة) وتجنبت السقوط والإحباط بعد تجربتها الفاشلة القاسية بخصوص الحياة الرهبانية. في نفس الفترة لويس، من جهته، يستلم هدية هي عبارة عن تمثال لعذراء البشارة (التمثال الذي سيُسمى مستقبلاً "العذراء المبتسمة" الذي ارتبط بأعجوبة معروفة مع تريزا الصغيرة، التي ستصبح معلمة للكنيسة). كان قد افتتح قبل مدة قصيرة تجارته في الساعات، وكانت العذراء مريم تشغل عنده أيضاً مكاناً مميزا في حياته. في البداية يضع لويس التمثال في حديقة المنزل الخلفية، في مكان منعزل قليلاً يزوره كل يوم باستمرار كي يتغذى روحياً. لكن تمثال العذراء المبتسمة هذا لن يتأخر، بعد زواجه بزيلي، أن يُحَوَّل مكانه إلى داخل البيت وأن يَستقبل الصلوات اليومية للعائلة. فعائلة مارتان هي في الحقيقة متجذرة في الإيمان المسيحي: فكان يومهم عادة يبدأ بالقداس، باكراً في الصباح، وينتهي مع صلاة المساء حول ثمثال العذراء هذا. بالنسبة للزوجين لويس وزيلي، كما كان بالنسبة لأليصابات في إنجيل اليوم، كانت مريم تُعتَبَر حقاً فرداً من أفراد العائلة. وتمثالها هذا أصبح "مكان الصلاة" المفضل للعائلة في البيت. وتشهد زيلي، منذ رسائلها الأولى، عن "العون" الفعال للعذراء مريم تجاه كل من يَكِل حياته لها. فهي تتكلم عن ذلك مع أخيها "إيزيدور"، الذي كان إيمانه يتأرجح أثناء دراسته الصيدلة في باريس: "أنت تسكن قريباً جداً من كنيسة العذراء سيدة الإنتصارات؟ إذن يكفي أن تدخل الكنيسة مرة واحدة فقط في اليوم، وصلِّ السلام عليك يا مريم. وسترى بأن العذراء القديسة ستحميك بطريقة خاصة جداً، وستجعلك تنجح في هذا العالم، وستعطيك بعد ذلك سعادة لا تنتهي. ما أقوله لك هنا، ليس ورعاً مبالغًا به من جهتي وبدون أي أساس؛ فأنا أتكلم عن خبرة بخصوص ثقتي بالعذراء القديسة، فقد استلمت منها نِعماً أنا الوحيدة التي أعلم بها" (زيلي 1). ثم تُشجع زيلي أخيها ، كي تدفعه للذهاب إلى الكنيسة، فتطلب منه: "اشعل لي شمعة أمام العذارء؛ ستقدم لي خدمة بذلك. لا تستحي من ذلك، فلا أحد يعرفك هناك في تلك الكنيسة". زيلي كانت واثقة جداً بأن : مريم هي حصن أو سور يُقوي ويحمي إيماننا. رسائلها الأخيرة، التي كتبتها وهي مريضة وقريبة من الموت، بسبب انتشار سرطان في الثدي، هي مؤثرة جداً. فزيلي تكشف من خلال هذه الرسائل أيضاً السند الذي تقدمه لها العذراء مريم وهي على أبواب تركها لهذه الحياة. فهي تؤكد بأنها تؤمن بقوة بكلام ((العذارء مريم التي قالت لنا، من خلال برناديت: "سأجعلكم سعداء، ليس في هذا العالم، لكن في الآخر")) (زيلي 210). إن حماية مريم لا تمنع عنا آلام الحياة لكنها تساعدنا على عبورها محتفظين بفرح حضورها الوالدي.
إذن كانت العائلة في الحقيقة، (قبل مأساة وفاة زيلي وبعدها أيضاً) ... كل العائلة كانت معتادة على وضع حياتها تحت نظرة السماء، كانوا يثقون بقوة بشفاعة وعون أمهم العذراء الحنونة. فكل شيء كان يدخل في موضوع صلاتهم وعلاقتهم بالعذراء مريم: الأفراح، والصعوبات والمشاريع والأعمال، كل هذه كانت مواضيع للصلاة اليومية. وبجانب الصلوات المعتادة (الصلاة الربية، السلام الملائكي، وهناك صلاة "تَذكَّروا" للقديس برنردس، التي هي أيضاً صلاة يومية عَلَّمَتْها زيلي لأطفالها)، إذن بجانب هذه الصلوات اليومية، كانت هناك صلوات تخرج من القلب بكل بساطة. مثلاً بخصوص انتظار ولادة طفل ثاني، تتذكر زيلي هذا اليوم الذي صادف 8 كانون الاول عام 1860، "اليوم الذي فيه صليت لأمنا في السماء أن تهبني "بولين" الصغيرة، لكني كلما أتذكر هذا الحدث أبتسم، لأني كنت تماماً مثل طفلة تطلب لعبة معينة من أمها وتحصل عليها، تحصل على نفس اللعبة التي طلَبَتها. كنت أرغب في الحصول على "بولين" وأن تكون تشبه طفلتي الأولى، وكنت أشدد على هذا الطلب، لأني كنت خائفة من أن العذراء القديسة لا تفهم بوضوح رغبتي هذه" (زيلي 147). للمعلومات فقط، "بولين" وُلِدَت في 7 أيلول عام 1861، أي بالضبط تسعة أشهر بعد ذلك! وبقيت زيلي تشكر العذراء مريم كل يوم ولعدة سنوات بعد هذا الحدث (ربما كانت مرتبكة بسبب جرأتها في صلاتها هذه) كونها استجابت لرغبتها هذه وأعطتها هذه النعمة... أما بخصوص عمله المهني، فمريم هي أيضاً سند للعائلة. فزيلي تتذكر الأوقات الصعبة في الأعوام 1870-1871: "كان العمل يطغي على حياتي وكانت لدي مخاوف وهموم من كل نوع، لكني كنت أمتلك ثقة ثابتة وقوية بأني مسنودة من العلى" (65)، كانت تفكر في عون مريم الدائم لها. إذن على الرغم من الصعوبات، حضور العذراء مريم يجلب الحماس والسكينة في العائلة. البنات كُنّ يحببن الإختلاء يومياً مع الوالدين للصلاة. تريزا الصغيرة كانت تحب هكذا أن ترى أبيها يصلي: "لم يكن عليّ إلاّ النظر إليه (إلى أبيها) كي أعرف كيف يصلي القديسون" (كتاب "تأريخ نفس"). هكذا صلاة الأطفال كانت مُحَرَّكة ومُقادة بفضل مثال الأبوين. أثناء الشهر المريمي، كان "مكان صلاة العائلة" مُزَيَّنا بشكل خاص بالورود، بحيث أصبح معبداً صغيراً حقيقياً. كان الأطفال يشعلون الشموع كل يوم بفرح حول العذراء القديسة، وكل ما كان يهمهن هو أن العذراء القديس هي هنا معهم في البيت و"تحت قدميها كان أمي تجعلنا نُصلي، تقول سيلين، وكنا نُقَبِّلها كثيراً جداً لدرجة أن أصابع التمثال كانت مكسورة كلها بحيث كان يجب أن يكون لنا إحتياطي كبير من اليدين!" هكذا كان الإيمان منقولاً إلى الأطفال بشكل واضح وكذلك فرح الإنجيل...
هكذا إذن كان حضور مريم في حياة لويس وزيلي مارتان مفيداً، في كل أوقات حياتهما، السعيدة والصعبة منها. في أحد الأيام، سيصرخ لويس من الفرح أمام بناته قائلاً: "يا إلهي، هذا يكفي!"، مُعبِّراً عن النِعَم الكثيرة التي استلمها من العذراء مريم؛ وزيلي تعترف بدورها لبناتها هي أيضاً قائلة: "لقد استلمتُ الكثير جداً من النعم من هذه العذراء!" إذن بدورنا، مع القديسَين لويس وزيلي، لا نَخَف أن نُحب العذراء كثيراً ونستقبلها عندنا .. في قلبنا .. في بيتنا ...

ثلاثة مسارات لتَبَنّي الإنجيل وتطبيقه في حياتنا على مثال القديسين لويس وزيلي:

* إن استقبال أليصابات للعذراء مريم في الإنجيل، سمح لها أن تختبر كم أن المسيح حاضر هو أيضاً، وكم أن مريم جاءت لكي "ليس كي تُخدَم، بل لكي تَخدُم"، على مثال ابنها! هل نحن استقبلنا مريم عندنا، مثل أليصابات، أو بالاحرى مثل يوحنا التلميذ الحبيب؟ ... أي مكان نقدمه لها في حياتنا اليومية؟

* قلقة على أخيها "إيزيدور" الذي كان إيمانه متذبذبًا خلال سنين دراسته للصيدلة، كانت زيلي تتوسل إليه أن يدخل كنيسة لكي يصلي ويقوم بفعل إيمان فعلي وملموس. من خلال هذا الحدث، زيلي تضع الكرة في ملعبنا وتدفعنا للتفكير نحن بدورنا؛ فهي تقول لنا أيضاً: لا تخافوا أن تقوموا بفعل ملموس يسند إيماننا أمام أمنا مريم، فنجتذب نحونا بركة ابنها...

* إن موضوع نقل الإيمان هو موضوع مُقلِق للعديد منا، خاصة عندما نفكر في "إنعاش صعب للإيمان" عند أحد أفراد عائلتنا: زوج، ابن، حفيد... هنا أيضاً، مريم هي حاضرة معنا كتلك التي تريد أن "تخدم.. أن تساعد". وبفضل تدخلها وشفاعتها وبفضل نصائح زيلي، استطاع أخوها إيزيدور أن يحافظ على إيمانه. 35 سنة بعد هذا الحدث، هو مَن سيُمَوِّل الطبعة الأولى لكتاب تريزا الصغيرة "تأريخ نفس"!


1) لنُصَلِّ في كل يوم من أيام الأسبوع

الأثنين 21 كانون الأول
"أنا أثق دوماً بالعذراء القديسة. لقد استلمت منها نِعماً أنا الوحيدة التي أعلم بها." (رسالة زيل إلى أخيها، في 1كانون الثاني 1863).
((فلما سمعت أليصابات سلام مريم، ارتكض الجنين في بطنها، وامتلأت من الروح القدس)). (لوقا 1: 41)

الثلاثاء 22 كانون الثاني
"عندما تذهب إلى زيارة السيدة "دي"، مُر بكنيسة مريم العذراء سيدة الإنتصارات، ادخلها واشعل شمعة لي هناك، ستقدم بذلك لي خدمة. لا تخجل من أن تفعل ذلك..." (رسالة زيلي إلى أخيها، في 11 آذار 1864).
((حط الأقوياء عن العروش ورفع الوضعاء)). (لوقا 1: 52)

الأربعاء 23 كانون الأول
"صِل بإيمان للعذراء، أم المراحم، ستأتي لنجدتنا، بطيبة وحنان الأم الأكثر حناناً." (رسالة زيلي إلى ابنتها بولين، في 25 حزيران 1877).
((وفي تلك الأيام قامت مريم فمضت مسرعة إلى الجبل إلى مدينة في يهوذا. ودخلت بيت زكريا، فسلمت على أليصابات: "من أين لي أن تأتيني أم ربي".)) (لوقا 1: 39-40، 43).

الخميس 24 كانون الأول
"هيا يا بناتي العزيزات، كونوا دائماً فرحي وتعزيتي على الأرض واستمروا جيداً في خدمة الرب. فهو عظيم جداً ومُذهِل في أعماله!" (رسالة لويس إلى ابنته مريم، في 25 أيلول 1885)
((افعلوا كل ما يقوله لكم!)) (يوحنا 2: 5)

مع محبة الأب غدير الكرملي



توقيع (ماري ايشوع)
رقم المشاركة : #7154
الكاتب : ماري ايشوع

غير متصل حالياً

المجموعةعضو مميز

المشاركات1472

تاريخ التسجيلالإثنين 11-07-2011

معلومات اخرى
حرر في السبت 26-12-2015 08:44 صباحا
 
5. الملف الأخير:
ميلاد المسيح: أن نستقبل جديد الله (جِدَّة الله)
 
إنجيل ربنا يسوع المسيح للقديس لوقا (2: 10 – 14)
وكان في تلك الناحية رعاة يبيتون في البرية، يتناوبون السهر في الليل على رعيتهم. فحضرهم ملاك الرب وأشرق مجد الرب حولهم، فخافوا خوفا شديدا.
فقال لهم الـملاك: ((لا تخافوا، ها إني أبشركم بفرح عظيم يكون فرح الشعب كله: ولد لكم اليوم مخلص في مدينة داود، وهو الـمسيح الرب. وإليكم هذه العلامة: ستجدون طفلا مقمطا مضجعا في مذود)). وانضم إلى الـملاك بغتة جمهور الجند السماويين يسبحون الله فيقولون: (( الـمجد لله في العلى ! والسلام في الأرض للناس، الذين يُحبُّهم!))
 
 
الميلاد! “الكلمة” أخذ جسدنا، يسوع يولد بيننا. مريم ويوسف يهبان العالم المخلِّص، الملائكة يُسَبّحون ويرنمون ((الـمجد لله في العلى ! والسلام في الأرض للناس، الذين يُحبُّهم!)). الرعاة يُسرعون، المجوس لن يتأخروا. إنها لحظة سلام، لحظة فرح، لكن أيضاً لحظة تجربة: لا يجب أن ننسى بأن مجيء يسوع إلى العالم أو ولادته حدثت في مكان غير مريح، في مكان لعيش الحيوانات، في اسطبل، في مذود، وذلك بسبب عدم استقبال سكان بيت لحم وسوء ضيافتهم. لكن مريم ويوسف قَدَّما أفضل ما لديهما، وهذا "الأفضل ما لديهما" كان ... ابن الله نفسه!
 
هل نُقَدِّم نحن أفضل ما لدينا لله أم نحن مثل أهل أورشليم في عدم استقبالهم له؟
لويس وزيلي حاولا هما أيضاً طوال حياتهما أن يهبا أفضل ما لديهما، حيث وجِدا، مستندان على إيمان عميق.. إيمان، وُضِع في بعض الأحيان أمام تجربة قاسية وصعبة، لكنه إيمان متجذر بقوة في المسيح. هذا الـ "افضل ما لديهما"، انعكس أو تجسد بالنسبة لهما أيضاً، في إعطائهما للعالم، طفلة، أو بالتحديد آخر طفلة لهما، أتت لكي تُتَوّج حياة لويس وزيلي الورعة والمليئة بحضور الروح القدس. فبعد أسبوعين من ولادة هذه الطفلة الأخيرة في عائلتهما في 1873، تُعَبِّر زيلي، في رسالة، عن سعادتها بعد مرورها بصعوبات وآلام الولادة:
"لقد استعد قوتي بأكلمها الآن، الصغيرة هي أيضاً بصحة جيدة، يبدو أنها ستكون قوية البنية ... الصغيرة هي ليست صعبة ولا تزعجنا أبداً خلال النهار، لكن في الليل تجعلنا ندفع غالياً راحتنا في النهار. مساء أمس، اضررت لحملها إلى الساعة الحادية عشرة والنصف ليلاً، لم أكن أستطع تحمل الإرهاق الذي أصابني؛ لكن بعد ذلك نامت أخيراً، والحمد لله.
هذه الطفلة اسمها تريزا؛ الجميع يقولون لي بأنها ستكون جميلة، إنها تبتسم من الآن. لقد لاحظت ذلك للمرة الأولى يوم الثلاثاء. ظننت أني مخطئة، لكن الشك زال يوم أمس؛ لقد نَظَرَتْ إليّ بانتباه، ثم ابتسمت لي ابتسامة عذبة.
بينما كنت أحملها، لاحظت شيئاً لم يحصل أبداً مع أطفالي الآخرين: عندما كنت أُرنِّم، كانت تُرنم معي... لم أقل هذا لغيركم، لأنه لا أحد يمكنه أن يُصدّقني." (زيلي 85).
لِنَجرؤ نحن اليوم على أن نؤمن، مثل لويس وزيلي اللذان وهبا العالم القديسة تريزا الطفل يسوع، تريزا الصغيرة، لنجرؤ إذن على الإيمان بطيبة وجودة الله، ولنقدم له بدورنا "أفضل ما لدينا"! الإنسان قد خُلِق كي يعطي، ويعطي ذاته، لأنه، في أعماقه، هو محبة، لأنه مخلوق على صورة الله ومثاله، الله الذي ما هو إلاّ محبة (1يوحنا 4: 16). لنطلب إذن شفاعة القديسين لويس وزيلي ... لنطلب منهما أن يُعَلّمانا الثقة في الله أبينا، وأن نتبع يسوع المسيح، وأن نكون ناضجين، بقوة الروح القدس: لنَقبل نحن أيضاً بدورنا أن نكون محبوبين (من قبل الله) وأن نحب (الله والآخر) بدورنا!
عيد ميلاد مبارك ومليء بفرح المسيح!
 
 
نبذة عن حياة القديسين لويس وزيلي مارتان أول ثنائي متزوج تعلن قداستهما معًا ، والدي القديسة تريزا الطفل يسوع
 
القديسان لويس مارتان (1894-1823) وزيلي مارتان (1831-1877)
في التاسِعَ عَشَرَ من تشرينَ الأَوَّلِ 2008، كانَ تطويبُ الزوجينِ لويس وزيلي مارتان، وقد تزامَنَ ذلكَ مع ذكرى مرورِ مئةٍ وخمسينَ عامًا على زواجِهما الّذي حَصَلَ في 12 تَمّوز 1858 في كنيسةِ سيّدةِ ألَنسون، وتحديدًا عندَ منتَصِفِ الليلِ. أَمّا التطويبُ فَكانَ في بازيليك القديسةِ تريزيا في ليزيو- فرنسا، بَعْدَ اجتراحِها أعجوبَةً قَضَتْ بشفاءِ طِفلٍ إيطاليٍّ يُدْعى Pietro Schiliro ، وهو الآنَ بصحَّةٍ جيّدَةٍ ولهُ مِنَ العُمْرِ سِتُّ سَنواتٍ. في هذه المناسبةِ تحضُرُنا شخصيةُ لويس مارتان وهو شابٌّ ممشوقُ القامَةِ، وسيمُ الطلعَةِ، يَرْغَبُ في أَنْ يُصْبِحَ راهِبًا، لكنَّهُ لَمْ يُقْبَلْ في ديرِ القِدّيسِ برنردوسَ لِجَهْلِهِ اللغةَ اللاتينيةَ. وتحضُرُنا بالمقابِلِ شخصيَّةُ الفتاةِ الجذّابةِ زيلي، الّتي هي أيضاً كانَتْ ترغَبُ في أَنْ تُصْبِحَ راهبَةً من راهِباتِ القِدّيسِ منصورِ دي بول مؤسِّسِ راهباتِ المحبَّةِ، لَكِنَّ الأُمَّ الرئيسةَ رفضتها بِلُطْفٍ قائلةً لَها: "إِنَّ اللهَ لا يَدْعوكِ إلى الحياةِ الرُّهبانيَّةِ". وشاءَتِ الظّروفُ أن يتلاقى لويس وزيلي لأَوَّلِ مرَّةٍ على جِسْرِ القديس ليون في مدينةِ ألِنسون. لويس ساعاتي وبائِعُ حُلًى، وزيلي صاحِبَةُ مَشْغَلِ دانتيل. ثُمَّ قَرَّرا أَنْ يعيشا معاً تحتَ سَقْفٍ واحِدٍ، وكانتِ الـ(نَعَمُ) التي قالَها كُلٌّ منهما في 12 تَمّوز 1858 في كنيسةِ السيّدةِ العذراءِ مريمَ في ألِنسون، بدايةَ رِحْلَةِ القداسةِ والحياة الزوجية والعائليَّةِ. لويس مميَّزٌ بالانتباهِ الواعي وحسنِ التدبير، وزيلي مميَّزةٌ بالديناميكيّةِ واللطافةِ المحبّبَة. رُزِقَ الزوجانِ بتسعَةِ أولادٍ سَبْعِ بَناتٍ وصبيّيْنِ، لَكِنْ لمْ يَبْقَ منهم على قيدِ الحياةِ سوى خمسِ بناتٍ دَخَلْنَ الديرَ بأجمَعِهِنَّ حَيْثُ تَكَرَّسْنَ مُحَصَّناتٍ لِخدمةِ الرَّبّ (أربعة منهن كرمليات وواحد من راهبات رهبنة الزيارة).
لقد عاشَ الزوجانِ لويس وزيلي تِسْعَ عشرةَ سنةً من الحياةِ الزوجيَّةِ العائليَّةِ المليئةِ بالحُبِّ والعطاءِ والصلاةِ والخدمَةِ والتضحية، وقد أقاماهاعلى أساسٍ ثابتٍ صالِحٍ وقويٍّ هو كلمةُ اللهِ، ولطالما طبَّقا كلامَ الإنجيلِ: "يتركُ الرجُلُ أباه وأُمَّهُ ويلزمُ امرأَتَهُ، ويصيرُ الاثنانِ جسدًا واحدًا، فلا يكونانِ اثنينِ بعد ذلكَ بل جسدٌ واحِدٌ، فما جَمَعَهُ اللهُ لا يُفَرِّقُهُ الإنسانُ" (متى 19/65).
حُفظت 218 رسالة من زيلي كتبت عام 1963 حتى مماتها عام 1877 وهي تصف نمط حياتهما في حرب 1870 والأزمات الاقتصادية وولادة أطفالهم وموت أربعة منهم. كانا يواظبان على المشاركة في القداس صباح كل يوم الساعة الخامسة والنصف صباحًا ويصليان التبشير الملائكي وصلوات المساء، يرتاحان أيام الآحاد ويصومان أثناء فترة الصوم وزمن المجيء إنما كانا أيضًا يمزحان ويلعبان فمثلاً كان لويس يحب صيد السمك ويلعب البلياردو.
كانا يدعوان الفقراء ليتعشّوا عندهم في البيت ويزوران المسنين كما علّما أيضًا بناتهما أن يعاملن كل الناس معاملة حسنة.
 
لويس وَزيلي مارتان يشهدانِ بأَنَّ كُلَّ عائلةٍ قادرةٌ على أن تكونَ كنيسةً بيتيَّةً ومشتلاً صالحاً للدعواتِ الرُّهبانيَّةِ والكهنوتيَّةِ وهي الّتي تبني الإنسانَ المؤمِنَ والمواطِنَ الصالِحَ.
مع لويس وزيلي تقدِّمُ الكنيسةُ مثالاً فريداً لأزواجِ العالَمِ وعائلاتِه، وتدعوهم إلى اكتشافِ عظمَةِ الزواجِ وكرامتِهِ وسِرِّ الحُبِّ الذي يسكنُ قلبَ الرجُلِ وقلبَ المرأةِ منذُ "أَنْ خَلَقَهُما اللهُ ذكراً وأُنثى على صورتِهِ ومثالِهِ.
هذانِ القديسان يشهدانِ من خلالِ حَياتِهما على أَنَّ دورَ الوالِدَيْنِ مهِمُّ في التربيةِ الانسانيَّةِ والجسديَّةِ، لكنَّ دورَهُما الأهَمَّ يَكْمُنُ في نَقْلِ الإيمانِ والانفتاحِ على اللهِ والصلاةِ وشُكرِ الرَّبِّ على النِّعَمِ. لويس وزيلي هُما علامةٌ وشهادَةٌ حيَّةٌ لِكُلِّ الأزواجِ، وذلك بمثَلهِما الصالِحِ وعيْشِهما اليوميِّ، وفي هذا الصدَدِ يقولُ البابا بولسُ السادِسُ: " إِنَّ إنسانَ اليومِ يؤمِنُ بالشهودِ أَكْثَرَ منه بالمعلِّمينَ". وبالتالي، فإِنَّ لويس وزيلي يتوجّهانِ إلى كلِّ العائلاتِ المتألّمةِ، الحزينةِ والمظلومَةِ، فهما عاشا المرضَ والتخلّي والامتحانَ والوَحْدَةَ: زيلي تُوفّيَت بمرضِ السّرطانِ عن عمر 46 سنة، وبقي لويسُ وحيدًا من دونِ زوجةٍ وأُمٍّ تهتمُّ ببناتِها الخمسِ (وهنّ ماري وبولين وليوني وسيلين وتريزا التي كان عمرها أربع سنوات ونصف ولكنها تذكر أنّ أمّها كانت قديسة)، هكذا عرف لويس التخلّي في العطاءِ وعاشَهُ من خلالِ ذَهاب بناتِهِ إلى الديرِ، وعَبْرَ تقدِمَتِهنَّ للربِّ. توفي عام 1894 بعد أن أصابه مرض عقلي خطير.
 
قام البابا بندكتس السادس عشر بتطويب الأهل في 19 تشرين الأول 2008 وأعلن البابا فرنسيس قداستهما في 18 تشرين الأول 2015. إنّ الكثيرين يتّخذون من سيرة حياتهما كنموذج عيش في عصرنا هذا. نُذَكِّر من جديد إنّ لويس وزيلي مارتان هما والدا القديسة تريزا الطفل يسوع، الراهبة الكرملية، شفيعة المرسلين وهي من بين الأحب، من القديسين، الى قلب البابا فرنسيس. وكان قد أعلنها البابا يوحنا بولس الثاني معلمة الكنيسة في العام 1997.
المجد ليسوع المسيح
 
مع محبة الأب غدير الكرملي
 


توقيع (ماري ايشوع)