المشاركة السابقة : المشاركة التالية

لم يكن لهما موضع في المنزل

الكاتب : زائر

غير متصل حالياً

المجموعةالزوار

المشاركات270

تاريخ التسجيلالإثنين 14-09-2009

معلومات اخرى
حرر في الخميس 17-12-2009 10:55 مساء - الزوار : 1354 - ردود : 0

لم يكن لهما موضع في المنزل 


                                                                                                                                           المطران بطرس مراياتي


لم  يُولد السيّد المسيح بين الناس في فراغ دِينيّ، بدون  سابق إعلام وتهيئة وإعلان.. بل أعدّت مجيئه سلسلة من  الأنبياء الذين أخبروا عنه، كما قال أشعيا النبيّ: "ها  إنّ العذراء تحمِل فتَلِد ابناً، وتدعو اسمه  عِمّانوئيل" (7/14)، "الشعب السالك في الظلمة أبصر  نُوراً عظيماً، والمُقيمون في بقعة الظلام أشرق عليهم  النُور... لأنّه قد وُلِدَ لنا وَلَدٌ، وأُعطِيَ لنا  ابنٌ فصارت الرئاسة على كَتِفِه، ودُعِيَ اسمُه عجيباً  مُشيراً، إلهاً جبّاراً، أبا الأبد، رئيسَ السلام"  (9/1-5).


ولم يظهر السيّد المسيح على الأرض مِثل مَلاك سماويّ،  بلا جذور إنسانيَّة وأُسرة بَشَريَّة. بل وُلِدَ في  عائلة احتضنته وربّته. وكان "يترعرع ويشتدّ ممتلئاً  حِكمةً، وكانت نِعمة الله عليه" (لوقا 2/40).


ولم يأتِ إلينا السيّد المسيح في شِبْه إنسان خارق لا  تَحُدّه قوانين الطبيعة، بل جاء إلينا طفلاً، كسائر  الأطفال، حاملاً الطبيعة البَشَريَّة، ما عدا الخطيئة،  ولابساً القدرة الإلهيَّة.


وكان لمولده مكان: في بيتَ لحم في فِلَسطين. كما أنبأ  بذلك ميخا النبيّ: "وأنتِ يا بيتَ لحمُ، أرضَ يَهُوذا،  لستِ أصغرَ ولايات يَهُوذا، فمنكِ يخرج الوالي الذي  يرعى شعبي.." (ميخا 5/1 ومتّى 2/6). ولا تزال كنيسة  المهد شاهدةً على ذلك ومحجَّةً للمؤمنين.


وكان لمولده زمان: في أيّام المَلِك هيرودُس، في عهد  القيصر الرومانيّ أوغسطُس لمّا كان قيرِينيوس  الرومانيّ حاكم سورية. إنّه الزمن المُنتظَر. إنّه  اليوم المُرتضى. "فإنّ الله بعدما كلّم الآباء قديماً  بالأنبياء مرّات كثيرة بوجوه كثيرة، كلّمنا في آخِر  الأيّام هذه بابن جعله وارثاً لكلّ شيء وبه أنشأ  العالَمين. هو شعاع مجده وصورة جوهره، يحفظ كلّ شيء  بقوّة كلمته" (إلى العبرانيّين 1/1-3).


ففي يسوع المسيح تحقّقت النبوءات، وجاءنا "مُكمِّلاً  للشرائع وخاتمةً للأنبياء والمُرسَلين"، كما نقول في  صلاتنا الليتُرجيَّة.


                                           سرّ سامي المَقام


لقد شاء الله في حِكمته الأزليَّة أن يتجسّد، أي أن  يُصبح إنساناً من دون أن يتخلّى عن أُلوهيّته. فكان أن  أرسل كلمته، وهو روحٌ منه، كي يصير بَشَراً ويسكن بين  الناس، ليفتدي الناس ويجعلهم أبناء الله.


"فلمّا تمّ الزمان، أرسل الله ابنه مولوداً لامرأة،  مولوداً في حُكم الشريعة ليفتدي الذين هم في حُكم  الشريعة، فنحظى بالتبنّي" (غلاطية 4/ 4-5).


فأيّ مَلاك أو أيّ بَشَر يستطيع أن يكون وسيطاً بين  الإنسان وخالقه؟ هو المسيح، الإله الإنسان معاً،  يستطيع وحده أن يكون الرابط المشترَك، مُساوياً لله في  الجوهر ومُساوياً للإنسان في الطبيعة البَشَريَّة،  "لننال به المصالحة" (رومة 5/11)، ونبدأ "عهداً أفضلَ  من الذي قبله لأنّه مبنيّ على مواعدَ أفضل" (إلى  العبرانيّين 8/6).


فكانت ليلة الميلاد،


وكان مجيء الله إلينا، في هيئة طفل، ليُقيم معنا،  وبيننا، ومن أجْلنا.


وكان سرّ يسوع المتجسِّد الفائق الإدراك: إله وإنسان..  "لا أب له على الأرض، ولا أُمّ له في السماء".


"فرأينا مجده مجداً من لَدُن الآب لابن وحيد مِلْؤه  النِعمة والحقّ... فمن مِلْئه نلنا بأجمعنا، وقد نلنا  نِعمةً على نِعمة" (يوحنّا 1/14-16).


آية معرَّضة للرفض


يقول يوحنّا الإنجيليّ في بداية بشارته عن الكلمة  المتجسِّد: "جاء إلى بيته فما قَبِلَهُ أهلُ بيته"  (1/11).


وجاء في نبوءة سِمعان عن الطفل يسوع لمّا حملته إليه  أُمّه مريم: سيكون "آيةً مُعرَّضةً للرفض" (لوقا  2/34).


وبدأت المأساة، حتّى في يوم مولد المسيح، حين أُغلقت  الأبواب في وجهه، أبواب البيوت في بيت لحم وأبواب  الفنادق والمضافات.. فوَلَدته أُمّه مريم في مغارة  "فقمّطته وأضجعته في مذود لأنّه لم يكن لهما موضع في  المنـزل" (لوقا 2/7).


مَن كان يستطيع، بحسب قول آباء الكنيسة، أن يتصوّر أنّ  مَلِك السموات والأرض، وخالق الأكوان لا يجد في مُلكه،  وبين خليقته، مكاناً يُمكن أن يولد فيه ابن الإنسان؟!


نعم، وإنّ الصحف لَتُطوى، والتاريخ لَيبطل! ولكن،  ستبقى هذه العبارة المحمَّلة بالأسى، المثقَلَة  بالأحزان: "لم يكن لهما موضع في المنـزل"!!


ولكن، إذا جاء إلينا السيّد المسيح اليوم، فهل يجد له  موضعاً في بيوتنا؟


لقد امتلأت منازلنا بكثير من الأشياء والكماليّات،  حتّى إنّنا لم نترك مكاناً لاستقبال ذاك المسيح الآتي  إلينا.


لقد علا الضجيج والصراخ والشجار في بيوتنا، حتّى إنّنا  ما عدنا نسمع صوت المسيح الواقف بالباب.


لقد غطّت عيوننا الغشاوة. ولفّت قلوبنا القساوة.  وأفسدت نفوسنا الأهواء.. فأنّى للمسيح أن يجد له بيننا  مُقاماً؟


ما  أشبه اليوم بالأمس!.. نعيش وكأنّ لا مكانَ للفقراء  والمُعوِزين والمُعوَّقين والمرضى والمشرَّدين في  دُنيانا.. لأنّهم يسلبون راحتنا ويُعيقون حرّيّتنا  ويُنغّصون عيشنا!! وننسى أنّ هؤلاء جميعاً هم "إخوة  يسوع الصغار". وأنّ كلّ ما نفعله لهم فإنّما له نفعل.  وفي يوم الدينونة سنؤدّي حساباً عن مدى استقبالنا، أو  رفضنا، لكلّ مَن يقرع بابنا.


رسالة الميلاد


في  هذا العيد المُبارَك، وفي هذه الأيّام، ونحن نستعدّ  لاستقبال سنة ميلاديَّة جديدة، أُلخّص ندائي إليكم في  هذا القول المأثور:


"اثنان لا تذكرهما أبداً: إحسانك إلى الناس وإساءة  الناس إليك،


واثنان لا تنسهما أبداً: الله والآخِرة".


لا  تذكُروا أبداً الخير الذي تعملون. "إيّاكم أن تعملوا  بِرّكم بمرأىً من الناس لكي ينظروا إليكم، فلا يكون  لكم أجر عند أبيكم الذي في السموات" (متّى 6/1-3).


ولا تذكُروا أبداً الشرّ الذي تتلقّونه: "لا تردّوا  الشرّ بالشرّ والشتيمة بالشتيمة، بل باركوا لأنّكم  لهذا دُعيتم، لترثوا البَرَكة" (1بطرس 3/9). "لا تدعِ  الشرّ يغلبك، بل اغلبِ الشرّ بالخير" (رومة 12/21).


ومن جهة أُخرى، لا تنسوا الله في حياتكم: "أنشدوا لله  ورتّلوا لاسمه" (مزمور 68/5). "اطلبوا الله فتحيوا"  (عاموس 5/6). "ولا تكونوا كالجهلة الذين يُخرجون الله  من قلوبهم" (مزمور 14/1 و53/2).


ولا تنسوا الدينونة في آخِر حياتكم: "ماذا ينفع  الإنسان لو ربح العالَم كلّه وخسر نَفْسه؟ وماذا يُعطي  الإنسان بدلاً لنَفْسه؟ سوف يأتي ابن الإنسان في مجد  أبيه ومعه ملائكته، فيُجازي يومئذٍ كلّ امرئ على قَدْر  أعماله" (متّى 16/26-27).


عسى هذه الأعياد تعود علينا بالنِعَم والبَرَكات  السماويَّة. فلا نطالب بأجر على إحسان، ولا نردّ  الإساءة بالإساءة، بل لنبتهل دوماً إلى الله لكي نحظى  بالملكوت المُعَدّ لنا منذ الأزل.





عظة ميلادية لسيادة المطران بطرس مراياتي رئيس  أساقفة حلب وتوابعها للأرمن الكاثوليك


" نشرت في نشرة الطائفة "



توقيع (زائر)

 

(آخر مواضيعي : زائر)

  أجراس و الشوق الطويل

  العراق بلد في مهب الريح

  دفتر الرسم

  حكومة الملائكة

  الحرب العالمية الإعلامية الأولى

 

 

 

 تنبيه : جميع الاراء الواردة تعبر عن رأي أصحابها و لا علاقة لإدارة موقع مانكيش كوم بها

 

جميع المواد المنشورة في موقع مانكيش كوم بكل أقسامه لا تُعبّر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع

ويتحمل صاحب الموضوع المسؤولية كاملة عما نشره وجميع ردود الفعل المترتبة عليه