المشاركة السابقة : المشاركة التالية

تجلي الله في العالم المنظور


الكاتب : وردااسحاق

غير متصل حالياً

المجموعةالمشرفين

المشاركات1249

تاريخ التسجيلالسبت 02-01-2010

معلومات اخرى
حرر في الجمعة 04-01-2019 04:31 صباحا - الزوار : 1267 - ردود : 0

تجلي الله في العالم المنظور

   بقلم / وردا أسحاق قلّو


إذ إنه ، وهو الكائن في هيئة الله لم يحسب خلسة ان يكون معادلا لله  " في 6:2"

 

الله غير منظور ، وصفاته أيضاً غير منظورة ، لكن قدرته الأزلية تُعَبّر منذ خلق العالم وهي مدركة بمخلوقاته ( طالع رو 1: 18-20) . وإستناداً إلى هذا القول أكد لنا التقليد المسيحي أن الأنسان يستطيع الوصول إلى معرفة الله من خلال المخلوقات التي تتجلى فيها صفات الله غير المنظور .

 بيّنَ الفلاسفة أن الكائن الأسمى يتجلى من خلال الكائنات ، والمطلق من خلال النسبي ، فلفظة ( التجلي ) تعني حضور الغير المنظور حضوراً منظوراً . إلا أن غير المنظور بحضوره في العالم يبقى غائباً عنه ، فهو حاضر غائب في الوقت نفسه ، حاضر من خلال تجليه . ويمكننا إدراك مفهوم ( تجلي الكائن ) من العلاقة بين الكلمة والفكرة ، فالفكرة تتجلى في الكلمة ، إلا أن هذا التجلي يتسّم بسمتين متلازمتين ، فالسمة الأولى هي أن الفكرة ليست أمراً مكتملاً داخل فكرة الأنسان وتبرز إلى خارجه بواسطة الكلمة المنطوقة أو المكتوبة ، وإلا لصارت الكلمة غريبة عن الفكرة وبعيدة عنها . إنما الفكرة حاضرة في الكلمة حضوراً مباشراً دون وسيط . هكذا يتجلى الكائن والمطلق والله ، متسماً بهاتين السمتين ، فتجليه ليس غريباً عن كيانه ، أنما هو كيانه بالذات الحاضر في تجليه . وتلك هي السمة الأولى ، ثم أن تجليه لا يستنفد كيانه كله ، إذ أن الكيان الذي يظهر لنا إنما هو كيان المطلق والله ذاته ، ولكن من حيث إنه يتجلى ، أي إنه يبقى حتماً فرق وبُعِد ومسافة بين الكائن في ذاته وتجلّي هذا الكائن ، وتلك هي السِمة الثانية . تجلى الله في العهد القديم بواسطة الوحي ، وفي الكَون ، وفي تاريخ الخلاص ، إلا أنه لا يزال فيذاته أوسع بكثير مما ظهر للبشرية ، فإنه قريب منا وبعيد عنا في آن واحد ، وهو نفسه الذي يظهر ، ولكن فقط من خلال تجليه ، كما ظهر في العهد الجديد في شخص أبنه يسوع ، واليوم يظهر لنا في الكنيسة ، فيتجلى في أسرارها ليحضر بيننا ، كما يظهر لنا في الأيمان . في العهد الجديد وعلى الجبل تجلى في شخص المسيح ، وكل ما قاله العهد القديم رآه العهد الجديد في المسيح ، فهو الحكمة ، والنور ، وخبز الحياة ، والماء الحي ، والراعي الصالح ، والملك ، والطريق والحق والحياة ، وفيه تمت الكتب المقدسة ( لو 21:4 ) وبه صار ( ملكوت الله في ما بيننا ) " لو 21:17" . الله تجلى في المسيح " في 2: 6-8" . كذلك المسيح تجلى في كنيسته ، في حظوره وغيابه ، فالكنيسة هي أستمرار لحضوره وإن كان غائباً عن الأنظار . فهو في وقتٍ واحد حاضر بيننا ، وغائب عنا على مدى التاريخ . والبعد الثالث هو ترقب مجيئه الثاني وإنتظار حضور المسيح الدائم ، وهو يتضمن الغياب على مدى الزمن . كما يتجلى المسيح اليوم في إيماننا ، فالأيمان هو موضوع تجلي المسيح وتجلي الله بالمسيح . ففي أيمان المسيح يتجلى الله ، وفي أيمان الكنيسة يتجلى المسيح الإله ، وفي رجائها يتجلى ملكوت الله فينا . نلاحظمعاً وجود القرب والبعد ، الحضور والغياب ، فالمسيح يتجلى في الكنيسة المؤمنة ، إلا أن الكنيسة لا تستنفد حضوره . والملكوت يتجلى في الرجاء المسيحي ، إلا أن هذا الرجاء لا يستنفد حضور الملكوت . ومحبة الله تتجلى في محبتنا للقريب . إلا أن هذه المحبة لا تستنفد حضور محبة الله .

كذلك الله يتجلى في صلاة المؤمنين ، فعندما يدخل المسيحي في الصلاة يتجلى له الله في الوقت نفسه قريباً وبعيداً ، حاضراً وغائباً ، ويدرك معاً إنه يشترك في الطبيعة الإلهية وأنه لا يزال إنساناً خاطئاً ، تلك هي خبرة القديسين المسيحييم الذين بقدرٍ ما يتحدون مع الله بصلواتهم ، ويصارعوه بإيمانهم ، ويدخلون في عالمه ويدركون كثافة الظلام التي تكتنفهم .

 وهكذا يتجلى الله في صلاة الجماعة أيضاً وحسب قول الرب ( أَنَّهُ حَيْثُمَا اجْتَمَعَ اثْنَانِ أَوْ ثَلاَثَةٌ بِاسْمِي فَهُنَاكَ أَكُونُ فِي وَسْطِهِم ) " مت  20 :18 " في الصلاة يتجلى لنا عمل الله فيفتح كياننا البشري لنمتلىْ من نعمة الله التي أنعم بها على البشر منذ البدء ، وفي المسيح وأخيراً علينا في الروح القدس ، كما علينا أن نعلم بأن كياننا الذي أشترك في الطبيعة الإلهية لم ينصهر بعد في كيان الله ، وإن الخطيئة لا تزال فينا تبعدنا عن قداسته ، وهذه هي المفارقة التي لا بد لنا أن نعيش فيها مادمنا على هذه الأرض ، والتي نختبرها كل مرة ندخل في الصلاة من غير أن تحملنا إلى اليأس ، كما تجلى الله في عمل المؤمن كما يتجلى في صلاته ، لأن العمل هو ثمر الأيمان ، فإن بين الله وتجليه في العالم مسافة مستمرة ، وهي المجال الذي يندرج فيه عمل الأنسان ، وعمل الأنسان مطلوب ، بل سنطالب به ( طالع مت 25: 35-36 ) فنعمة الله تطلب من الأنسان أن يملأها بأيمانه وعمله ، أي بالأيمان العامل .

المجد لله المتجلي فينا 

 



توقيع (وردااسحاق)
فأنا لا أستحي بالأنجيل ، لأنه قدرة الله للخلاص ، لكل من يؤمن رو 16:1

 

(آخر مواضيعي : وردااسحاق)

  عمل الروح القدس في حياتنا وفرق وجوده في العهدين

  العنصرة ... هل حل الروح القدس مرتين على التلاميذ ؟

  القديس مار يعقوب مؤسس دير بيث عابي

  الصعود (ܣܘܠܩܐ ) يثبت آلوهية المسيح

  العريس يسلم عروسته للأعداء لتأديبها

 

 

 

 تنبيه : جميع الاراء الواردة تعبر عن رأي أصحابها و لا علاقة لإدارة موقع مانكيش كوم بها

 

جميع المواد المنشورة في موقع مانكيش كوم بكل أقسامه لا تُعبّر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع

ويتحمل صاحب الموضوع المسؤولية كاملة عما نشره وجميع ردود الفعل المترتبة عليه